سلسلة الفوائد اليومية المنتقاة

انتقاها وألفها الشيخ

أحمد بن ثابت الوصابي

110 من كانت منيته بأرض دعته حاجة إلى الذهاب إليها فيموت فيها

سلسة الفوائد اليومية:

110 من كانت منيته بأرض دعته حاجة إلى الذهاب إليها فيموت فيها

** قال الله تعالى :
{وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}

** عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
” مَفَاتِحُ الغَيْبِ خَمْسٌ لاَ يَعْلَمُهَا إِلَّا اللَّهُ:
لاَ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ إِلَّا اللَّهُ،
وَلاَ يَعْلَمُ مَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ إِلَّا اللَّهُ،
وَلاَ يَعْلَمُ مَتَى يَأْتِي المَطَرُ أَحَدٌ إِلَّا اللَّهُ،
وَلاَ تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ،
وَلاَ يَعْلَمُ مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا اللَّهُ ” رواه البخاري

** عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ بْنِ أُسَامَةَ، عَنْ أَبِي عَزَّةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا قَضَى اللَّهُ لِعَبْدٍ أَنْ يَمُوتَ بِأَرْضٍ جَعَلَ لَهُ إِلَيْهَا حَاجَةً، أَوْ قَالَ: بِهَا حَاجَةً.
** رواه الترمذي وقال : هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
** وَأَبُو عَزَّةَ لَهُ صُحْبَةٌ وَاسْمُهُ يَسَارُ بْنُ عَبْدٍ، وَأَبُو الْمَلِيحِ اسْمُهُ عَامِرُ بْنُ أُسَامَةَ بْنِ عُمَيْرٍ الهُذَلِيُّ،
وَيُقَالُ: زَيْدُ بْنُ أُسَامَةَ. اهـ

** قال شيخنا الوادعي رحمه الله في كتابه القيم : الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين (ص: 98):
** قال أبو عبدالرحمن: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين وهو من الأحاديث التي ألزم الدارقطني البخاري ومسلما أن يخرجاه. اهـ

** وصححه أيضا الشيخ الألباني رحمه الله . كما في “صحيح الجامع” برقم [748].

** وفي كتاب : (تحفة الأحوذي), (6/ 300)

** (وَأَبُو عَزَّةَ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الزَّايِ

** (اسْمُهُ يَسَارُ بْنُ عَبْدٍ) الْهُذَلِيُّ , صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ لَهُ حَدِيثٌ وَاحِدٌ كَذَا فِي التَّقْرِيب
ِ
** وَصَرَّحَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ بِأَنَّهُ رَوَى حَدِيثَ الْبَابِ . اهـ

** وفي كتاب :(مرقاة المفاتيح), (1/ 184)

(إِذَا قَضَى اللَّهُ) أَيْ: أَرَادَ، أَوْ قَدَّرَ، أَوْ حَكَمَ .

(لِعَبْدٍ أَنْ يَمُوتَ بِأَرْضٍ) : وَهُوَ فِي غَيْرِهَا .

(جَعَلَ) أَيْ: أَظْهَرَ اللَّهُ .

(لَهُ إِلَيْهَا حَاجَةً) أَيْ: فَيَأْتِيهَا، وَيَمُوتُ فِيهَا , إِشَارَةً إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى :{وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ} .اهـ

** قال الشاعر :
مَشَيْنَاها خُطَىً كُتِبَتْ عَلَيْنَا
وَمَنْ كُتِبَتْ عَلَيْهِ خُطَىً مَشَاهَا

وَأَرْزَاقٌ لَـنَـا مُـتـَفَـرِّقَـاتٌ
فَـمَـنْ لَـمْ تَـأتِـهِ مـشيا أَتَـاهَـا

وَمَنْ كُتِبَتْ مَنِيَّتُهُ بِأَرْضٍ
فَلَيْسَ يَمُوْتُ فِي أرْضٍ سِوَاهَا

** وقال آخر:

إذا ما حمام المرء كان ببلدة
دعته إليها حاجة فيطير

** وَقَالَ أَعْشَى هَمْدَانَ ,
وهو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ :

لَا تَأسَيَنّ عَلَى شَيْء فَكُلّ فَتَى
إلَى مَنيّته سَيَّارُ فِي عَنَق

وَكُلّ مَنْ ظَنّ أَنَّ الموتَ يُخْطِئهُ
مُعَلَّلٌ بأعَاليل مِنَ الحَمـق

بـأيّمَا بَـلْـدَة تُـقْـدَر مَنِيَّتُـهُ
إنْ لَا يُسَيَّرْ إلَيها طَائعًا يُسَق

** انظر : تفسير ابن كثير ط العلمية (6/ 319)

** والله الموفق.

** كتبها: أبوعبد الله أحمد بن ثابت الوصابي

** الخميس 10/ 8/ 1439 هـ

** ومن أحب الاطلاع على الفوائد السابقة فمن الموقع الرسمي على الرابط :

====================

109 العلم النافع المقرون بالعمل الصالح يرفع صاحبه إلى أعلا مقام وأرفع مكان في الدنيا والآخرة

سلسة الفوائد اليومية:

109 العلم النافع المقرون بالعمل الصالح يرفع صاحبه إلى أعلا مقام وأرفع مكان في الدنيا والآخرة

** قال الله تعالى:{يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}

** وقال الله تعالى:{ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ}

** قَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ رحمه الله : بِالْعِلْمِ. رواه أحمد وغيره , وإسناده صحيح.

** عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ وَعَلَّمَهُ. رواه البخاري

** وعَنْ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، أَنَّ نَافِعَ بْنَ عَبْدِ الْحَارِثِ، لَقِيَ عُمَرَ بِعُسْفَانَ، وَكَانَ عُمَرُ يَسْتَعْمِلُهُ عَلَى مَكَّةَ،
** فَقَالَ: مَنِ اسْتَعْمَلْتَ عَلَى أَهْلِ الْوَادِي،
** فَقَالَ: ابْنَ أَبْزَى،
** قَالَ: وَمَنِ ابْنُ أَبْزَى؟
** قَالَ: مَوْلًى مِنْ مَوَالِينَا،
** قَالَ: فَاسْتَخْلَفْتَ عَلَيْهِمْ مَوْلًى؟
** قَالَ: إِنَّهُ قَارِئٌ لِكِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَإِنَّهُ عَالِمٌ بِالْفَرَائِضِ،
** قَالَ عُمَرُ: أَمَا إِنَّ نَبِيَّكُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَدْ قَالَ: «إِنَّ اللهَ يَرْفَعُ بِهَذَا الْكِتَابِ أَقْوَامًا، وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ». رواه مسلم

** وفي كتاب: (المفهم) , للقرطبي (7/ 78):

** وقوله : ((إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا))
** يعني : يُشرف ، ويكرم في الدنيا والآخرة ، وذلك بسبب الاعتناء به ، والعلم به ، والعمل بما فيه.

** “ويضع” : يعني : يحقِّر ويصغِّر في الدنيا والآخرة ، وذلك بسبب تركه ، والجهل به ، وترك العمل به. اهـ

** وفي كتاب : ( نشر طي التعريف في فضل حملة العلم الشريف )- للحبيشي – (1 / 171):

** وقال بعض الحكماء :
لم أجد رتبة أرفع ، ولا شيء أنفع ، ولا خيرا أجمع من العلم ، إذا قارنته سكينة .

** وإني رأيته يرفع وضيع الحسب إلى أرفع الرتب حتى تكون له الأشراف أتباعا والأخيار أشياعا .

** وأنشد بعضهم:

العلم زين ومحمود عواقبه
فمن ينله يكن من أسعد الناس

وهو المقدم والمختار بينهم
كالرأس ما في الفتى أعلا من الراس

** وأنشد آخر :

العلم زين وفخر لا خفاء به
من ناله نال أعلى عالي الرتب

يكسو الفتى حللا تبقى عليه وما
نال الفتى حلة أبهى من الأدب

** وفي ( ديوان الإمام الشافعي ) , (ص: 94) :

رَأَيْتَ العِلْمَ صَاحِبُهُ كَرِيـم
ولـو ولـدتهُ آباءٌ لئامُ

ولـيسَ يـزالُ يـرفعهُ إلى أن
يُعَظِّمَ أمرَهُ القَومُ الـكِرامُ

وَيَتَّبِـعُـونَهُ فِـي كـلِّ حَـالٍ
كراعي الضأنِ تتبعهُ السَّوامُ

فَلَولاَ العِلْمُ مَا سَعِدَتْ رِجَالٌ
ولا عرفُ الحلالُ ولا الحرامُ

** والله الموفق.

** كتبها: أبوعبد الله أحمد بن ثابت الوصابي

** الأربعاء 9/ 8/ 1439 هـ

** ومن أحب الاطلاع على الفوائد السابقة فمن الموقع الرسمي على الرابط :

====================

108 بيان شيء من الحكمة في دعوة الناس إلى الله

سلسة الفوائد اليومية:

108 بيان شيء من الحكمة في دعوة الناس إلى الله

** قال الله تعالى :{ ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ }

** وقال: { وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا } .

** وفي كتاب :(شرح الزرقاني على الموطأ) (4/ 683):

** قَالَ النَّوَوِيُّ[يعني في تعريف الحكمة]:

** فِيهَا أَقْوَالٌ كَثِيرَةٌ صَفَا لَنَا مِنْهَا :

** أَنَّهَا الْعِلْمُ الْمُشْتَمِلُ عَلَى الْمَعْرِفَةِ بِاللَّهِ، مَعَ نَفَاذِ الْبَصِيرَةِ، وَتَهْذِيبِ النَّفْسِ، وَتَحْقِيقِ الْحَقِّ لِلْعَمَلِ، وَالْكَفِّ عَنْ ضِدِّهِ، وَالْحَكِيمُ مَا حَازَ ذَلِكَ، انْتَهَى مُلَخَّصًا.

** عَنْ أَنَس بْن مَالِكٍ رضي الله عنه ، أَنَّ أَعْرَابِيًّا قَامَ إِلَى نَاحِيَةٍ فِي الْمَسْجِدِ فَبَالَ فِيهَا، فَصَاحَ بِهِ النَّاسُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «دَعُوهُ» فَلَمَّا فَرَغَ أَمَرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَنُوبٍ فَصُبَّ عَلَى بَوْلِهِ . رواه مسلم .

** وعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ رضي الله عنه ، قَالَ: بَيْنَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ، فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ اللهُ فَرَمَانِي الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ، فَقُلْتُ: وَاثُكْلَ أُمِّيَاهْ، مَا شَأْنُكُمْ؟ تَنْظُرُونَ إِلَيَّ، فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُصَمِّتُونَنِي لَكِنِّي سَكَتُّ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي، مَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ، فَوَاللهِ، مَا كَهَرَنِي وَلَا ضَرَبَنِي وَلَا شَتَمَنِي، قَالَ: «إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ» أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . رواه مسلم .

** وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: دَخَلَ أَعْرَابِيٌّ الْمَسْجِدَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: اللهُمَّ ارْحَمْنِي وَمُحَمَّدًا، وَلَا تَرْحَمْ مَعَنَا أَحَدًا. فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: ” لَقَدْ تَحَجَّرْتَ وَاسِعًا “، ثُمَّ لَمْ يَلْبَثْ أَنْ بَالَ فِي الْمَسْجِدِ، فَأَسْرَعَ النَّاسُ إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” إِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ، وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ، أَهْرِيقُوا عَلَيْهِ دَلْوًا مِنْ مَاءٍ، أَوْ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ ” رواه أحمد

** وفي صحيح البخاري (1/ 37)
(بَابُ مَنْ خَصَّ بِالعِلْمِ قَوْمًا دُونَ قَوْمٍ، كَرَاهِيَةَ أَنْ لاَ يَفْهَمُوا)
127 – وَقَالَ عَلِيٌّ رضي الله عنه : «حَدِّثُوا النَّاسَ، بِمَا يَعْرِفُونَ أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ، اللَّهُ وَرَسُولُهُ»
حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذٍ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَنْ عَلِيٍّ بِذَلِكَ .

** وفي صحيح مسلم (1/ 11)
** عَنْ عَبْد اللهِ بْن مَسْعُودٍ رضي الله عنه ، قَالَ: «مَا أَنْتَ بِمُحَدِّثٍ قَوْمًا حَدِيثًا لَا تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ، إِلَّا كَانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَةً»

** وقال ابن القيم في كتابه القيم :(الفوائد), (ص: 169):

** العارف لا يأمر الناس بترك الدنيا ؛ فإنهم لا يقدرون على تركها ، ولكن يأمرهم بترك الذنوب مع إقامتهم على دنياهم ، فترك الدنيا فضيلة وترك الذنوب فريضة ، فكيف يؤمر بالفضيلة من لم يقم الفريضة ؟! .

** فإن صعب عليهم ترك الذنوب فاجتهد أن تحبب الله إليهم بذكر آلائه وإنعامه وإحسانه وصفات كماله ونعوت جلاله ؛ فإن القلوب مفطورة على محبته ،فإذا تعلقت بحبه هان عليها ترك الذنوب والاستقلال منها والإصرار عليها .

** وقد قال يحيى بن معاذ : طلب العاقل للدنيا خير من ترك الجاهل لها

* العارف يدعو الناس إلى الله من دنياهم فتسهل عليهم الإجابة ، والزاهد يدعوهم إلى الله بترك الدنيا فتشق عليهم الإجابة ؛ فإن الفطام عن الثدي الذي ما عقل الإنسان نفسه إلا وهو يرتضع منه شديد ، ولكن تخير من المرضعات أزكاهن وأفضلهن ؛ فإن للبن تأثيرا في طبيعة المرتضع ، * ورضاع المرأة الحمقى يعود بحمق الولد ،

** وأنفع الرضاعة ما كان من المجاعة ،

** فإن قويت على مرارة الفطام وإلا فارتضع بقدر ؛ فإن من البشم ما يقتل . اهـ

** ومن كتاب :(شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم), (1/ 535):

[بَشِمَ] من الطعام بَشَماً،
** يقال: الشِّبَعُ داعيَةُ البَشَم،
والبَشَمُ داعيةُ السُّقْم،
والسُّقْم داعيةُ الموت.اﻫ

** وفي كتاب (مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين) (2/ 447):

** فَصْلٌ مَنْزِلَةُ الْحِكْمَةِ
** وَمِنْ مَنَازِلِ {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} مَنْزِلَةُ الْحِكْمَةِ.

** قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا}

** وَقَالَ تَعَالَى: {وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا}

** وَقَالَ عَنِ الْمَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: {وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ} [آل عمران: 48] .

** الْحِكْمَةُ فِي كِتَابِ اللَّهِ نَوْعَانِ: مُفْرَدَةٌ. وَمُقْتَرِنَةٌ بِالْكِتَابِ.

** فَالْمُفْرَدَةُ: فُسِّرَتْ بِالنُّبُوَّةِ، وَفُسِّرَتْ بِعِلْمِ الْقُرْآنِ.
** قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: هِيَ عِلْمُ الْقُرْآنِ: نَاسِخِهِ وَمَنْسُوخِهِ، وَمُحْكَمِهِ وَمُتَشَابِهِهِ. وَمُقَدَّمِهِ وَمُؤَخَّرِهِ. وَحَلَالِهِ وَحَرَامِهِ. وَأَمْثَالِهِ.

** وَقَالَ الضَّحَّاكُ: هِيَ الْقُرْآنُ وَالْفَهْمُ فِيهِ.

** وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هِيَ الْقُرْآنُ وَالْعِلْمُ وَالْفِقْهُ.

** وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْهُ: هِيَ الْإِصَابَةُ فِي الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ.

** وَقَالَ النَّخَعِيُّ: هِيَ مَعَانِي الْأَشْيَاءِ وَفَهْمُهَا.

** وَقَالَ الْحَسَنُ: الْوَرَعُ فِي دِينِ اللَّهِ. كَأَنَّهُ فَسَّرَهَا بِثَمَرَتِهَا وَمُقْتَضَاهَا.

** وَأَمَّا الْحِكْمَةُ الْمَقْرُونَةُ بِالْكِتَابِ: فَهِيَ السُّنَّةُ. وَكَذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ.

** وَقِيلَ: هِيَ الْقَضَاءُ بِالْوَحْيِ. وَتَفْسِيرُهَا بِالسُّنَّةِ أَعَمُّ وَأَشْهَرُ.

** وَأَحْسَنُ مَا قِيلَ فِي الْحِكْمَةِ. قَوْلُ مُجَاهِدٍ، وَمَالِكٍ: إِنَّهَا مَعْرِفَةُ الْحَقِّ وَالْعَمَلُ بِهِ. وَالْإِصَابَةُ فِي الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ.

** وَهَذَا لَا يَكُونُ إِلَّا بِفَهْمِ الْقُرْآنِ، وَالْفِقْهِ، فِي شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ، وَحَقَائِقِ الْإِيمَانِ.

** وَالْحِكْمَةُ حِكْمَتَانِ: عِلْمِيَّةٌ، وَعَمَلِيَّةٌ.

** فَالْعِلْمِيَّةُ: الِاطِّلَاعُ عَلَى بَوَاطِنِ الْأَشْيَاءِ. وَمَعْرِفَةُ ارْتِبَاطِ الْأَسْبَابِ بِمُسَبِّبَاتِهَا، خَلْقًا وَأَمْرًا. قَدَرًا وَشَرْعًا.

** وَالْعِلْمِيَّةُ كَمَا قَالَ صَاحِبُ ” الْمَنَازِلِ ” وَهِيَ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي مَوْضِعِهِ.

** قَالَ: وَهِيَ عَلَى ثَلَاثِ دَرَجَاتٍ.
** الدَّرَجَةُ الْأُولَى: أَنْ تُعْطِيَ كُلَّ شَيْءٍ حَقَّهُ وَلَا تَعُدِّيَهُ حَدَّهُ، وَلَا تُعَجِّلَهُ عَنْ وَقْتِهِ، وَلَا تُؤَخِّرَهُ عَنْهُ.

** لَمَّا كَانَتِ الْأَشْيَاءُ لَهَا مَرَاتِبُ وَحُقُوقٌ، تَقْتَضِيهَا شَرْعًا وَقَدَرًا.

** وَلَهَا حُدُودٌ وَنِهَايَاتٌ تَصِلُ إِلَيْهَا وَلَا تَتَعَدَّاهَا.

** وَلَهَا أَوْقَاتٌ لَا تَتَقَدَّمُ عَنْهَا وَلَا تَتَأَخَّرُ –

** كَانَتِ الْحِكْمَةُ مُرَاعَاةَ هَذِهِ الْجِهَاتِ الثَّلَاثِ.

** بِأَنْ تُعْطَى كُلُّ مَرْتَبَةٍ حَقَّهَا الَّذِي أَحَقَّهُ اللَّهُ بِشَرْعِهِ وَقَدَرِهِ.

** وَلَا تَتَعَدَّى بِهَا حَدَّهَا. فَتَكُونَ مُتَعَدِّيًا مُخَالِفًا لِلْحِكْمَةِ.

** وَلَا تَطْلُبُ تَعْجِيلَهَا عَنْ وَقْتِهَا فَتُخَالِفَ الْحِكْمَةَ.

** وَلَا تُؤَخِّرُهَا عَنْهُ فَتُفَوِّتَهَا.

** وَهَذَا حُكْمٌ عَامٌّ لِجَمِيعِ الْأَسْبَابِ مَعَ مُسَبَّبَاتِهَا شَرْعًا وَقَدَرًا.

** فَإِضَاعَتُهَا تَعْطِيلٌ لِلْحِكْمَةِ بِمَنْزِلَةِ إِضَاعَةِ الْبَذْرِ وَسَقْيِ الْأَرْضِ.

** وَتَعَدِّي الْحَقِّ: كَسَقْيِهَا فَوْقَ حَاجَتِهَا، بِحَيْثُ يَغْرِقُ الْبَذْرُ وَالزَّرْعُ وَيَفْسُدُ.

** وَتَعْجِيلُهَا عَنْ وَقْتِهَا: كَحَصَادِهِ قَبْلَ إِدْرَاكِهِ وَكَمَالِهِ.

** وَكَذَلِكَ تَرْكُ الْغِذَاءِ وَالشَّرَابِ وَاللِّبَاسِ: إِخْلَالٌ بِالْحِكْمَةِ، وَتَعَدِّي الْحَدِّ الْمُحْتَاجِ إِلَيْهِ، خُرُوجٌ عَنْهَا أَيْضًا. وَتَعْجِيلُ ذَلِكَ قَبْلَ وَقْتِهِ: إِخْلَالٌ بِهَا. وَتَأْخِيرُهُ عَنْ وَقْتِهِ: إِخْلَالٌ بِهَا.

** فَالْحِكْمَةُ إِذًا: فِعْلُ مَا يَنْبَغِي، عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَنْبَغِي، فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَنْبَغِي.

** وَاللَّهُ تَعَالَى أَوْرَثَ الْحِكْمَةَ آدَمَ وَبَنِيهِ. فَالرَّجُلُ الْكَامِلُ: مَنْ لَهُ إِرْثٌ كَامِلٌ مِنْ أَبِيهِ، وَنِصْفُ الرَّجُلِ – كَالْمَرْأَةِ – لَهُ نِصْفُ مِيرَاثٍ، وَالتَّفَاوُتُ فِي ذَلِكَ لَا يُحْصِيهِ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى.
** وَأَكْمَلُ الْخَلْقِ فِي هَذَا: الرُّسُلُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ.

** وَأَكْمَلُهُمْ أُولُو الْعَزْمِ.

** وَأَكْمَلُهُمْ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

** وَلِهَذَا امْتَنَّ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَيْهِ، وَعَلَى أُمَّتِهِ بِمَا آتَاهُمْ مِنَ الْحِكْمَةِ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ}.

** وَقَالَ تَعَالَى: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ}.

** فَكُلُّ نِظَامِ الْوُجُودِ مُرْتَبِطٌ بِهَذِهِ الصِّفَةِ.

** وَكُلُّ خَلَلٍ فِي الْوُجُودِ، وَفِي الْعَبْدِ فَسَبَبُهُ: الْإِخْلَالُ بِهَا.

** فَأَكْمَلُ النَّاسِ: أَوْفَرُهُمْ نَصِيبًا. وَأَنْقَصُهُمْ وَأَبْعَدُهُمْ عَنِ الْكَمَالِ: أَقَلُّهُمْ مِنْهَا مِيرَاثًا.

** وَلَهَا ثَلَاثَةُ أَرْكَانٍ: الْعِلْمُ، وَالْحِلْمُ، وَالْأَنَاةُ.

** وَآفَاتُهَا وَأَضْدَادُهَا:
الْجَهْلُ، وَالطَّيْشُ، وَالْعَجَلَةُ.

** فَلَا حِكْمَةَ لِجَاهِلٍ، وَلَا طَائِشٍ، وَلَا عَجُولٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. اهـ

** ومن الحكمة في الدعوة إلى الله نصيحة المقصر وحده برفق ولين ,
فإن ذلك أدعى لقبول النصيحة والانتفاع بها .

** ورحم الله الامام الشافعي حيث يقول :

تَعَمَّدني بِنُصحِكَ في اِنفِرادي
وَجَنِّبني النَصيحَةَ في الجَماعَه

فَإِنَّ النُصحَ بَينَ الناسِ نَوعٌ
مِنَ التَوبيخِ لا أَرضى اِستِماعَه

وَإِن خالَفتَني وَعَصِيتَ قَولي
فَلا تَجزَع إِذا لَم تُعطَ طاعَه

** والله الموفق.

** كتبها: أبوعبد الله أحمد بن ثابت الوصابي

** الاثنين 7/ 8/ 1439 هـ

** ومن أحب الاطلاع على الفوائد السابقة فمن الموقع الرسمي على الرابط :

====================

107 الترغيب في كثرة ذكر الله عز وجل

سلسة الفوائد اليومية:

107 الترغيب في كثرة ذكر الله عز وجل

** قال الله تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً }

** وقال الله تعالى : {وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}

** وقال الله تعالى : {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ}

** قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه : (الوابل الصيب من الكلم الطيب) (ص: 42)
وهو يعدد فوائد الذكر:

(الخامسة عشرة)

** أنه يورثه ذكر الله تعالى له كم قال تعالى: {فاذكروني أذكركم}

** ولو لم يكن في الذكر إلا هذه وحدها لكفى بها فضلاً وشرفاً،

** وقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى «من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم» .اهـ

** وعَنِ النعمان بنِ بشيرٍ رضي الله عنهما قال:
قال رسول الله – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:
“إنَّ ممَّا تذكرونَ مِنْ جلالِ الله؛ التسبيحُ والتهليلُ والتحميدُ، ينعطِفنَ حوْلَ العرْشِ، لهُنَّ دوِيٌّ كدويِّ النَّحْلِ، تُذَكَّر بصاحِبِها. أما يُحِبُّ أحدُكُمْ أنْ يكونَ لَهُ -أو لا يزال لَهُ- مَنْ يُذكَّر به”.

رواه ابن أبي الدنيا وابن ماجه -واللفظ له-، والحاكم وقال: “صحيح على شرط مسلم”. [وصححه الألباني]

** وفي صحيح الترغيب والترهيب (2/ 205)
1497 – (11) [حسن لغيره]

** وعن جابرٍ رضي الله عنه رفعه إلى النبي – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قال:
“ما عمل آدميٌّ عملاً أنجى له من العذاب من ذكر الله تعالى”.
قيل: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال:”ولا الجهاد في سبيل الله، إلا أن يضرب بسيفه حتى ينقطع”.

رواه الطبراني في “الصغير” و”الأوسط”، ورجالهما رجال “الصحيح”.

** وقال الشاعر:

عَلَيْكَ بِذِكْرِ اللهِ في كُلِّ لَحْظَةٍ
فَمَا خَابَ عَبْدٌ لِلْمُهَيْمِنِ يَذْكُرُ

** وقال آخر :

لَوْ يَعْلَمُ العَبْدُ مَا فِي الذِّكْرِ مِنْ شَرَفٍ
أَمْضَى الحَيَاةَ بِتَسْبِيحٍ وَتَهْلِيلٍ

** والله الموفق.

** كتبها: أبوعبد الله أحمد بن ثابت الوصابي

** الثلاثاء 1/ 8/ 1439 هـ

** ومن أحب الاطلاع على الفوائد السابقة فمن الموقع الرسمي على الرابط :

====================

106 فضل شعبان, وكونه مقدمة لرمضان

سلسة الفوائد اليومية:

106 فضل شعبان, وكونه مقدمة لرمضان

** إن في اختلاف الليل والنهار وتعاقب الليالي والأيام لآيات ظاهرة
وعبرا زاجرة وعظات كافية لمن تفكر في تقلب أحولها وسرعة انقضائها

** فإننا كنا بالأمس القريب نستقبل شهر رجب , وها هو قد مضى وانقضى , ونحن اليوم نستقبل شهر شعبان ,

** فما أسرع مرور الليالي والأيام , فكل يوم وكل شهر وكل سنة وكل وقت يمر عليك محسوب من عمرك وعملك ويدنيك من أجلك ,

** فهل من معتبر , وهل متفكر , وهل من مشمر للأعمال الصالحة من صلاة وصيام وقراءة للقرآن وصدقة وصلة للأرحام وغير ذلك من أنواع البر والخير والإحسان استغلالا لما بقي من الأعمار قبل فوات الأوان وانتهاء الزمان .

** إن شهر شعبان شهر عظيم جعله الله بين شهرين عظيمين , وهما شهر رجب وشهر رمضان .

** وهو كالمقدمة بين يدي رمضان ؛ ولهذا يستحب فيه الإكثار من الصيام والقيام وقراءة القران وغير ذلك من الأعمال الصالحة حتى تعتاد النفوس على فعل الخيرات ,
فما يأتي رمضان إلا وقد استعدت له أتم الاستعداد .

** وفي كتاب ( لطائف المعارف ) , لابن رجب
(ص: 134):

** وقد قيل في صوم شعبان معنى آخر:
أن صيامه كالتمرين على صيام رمضان لئلا يدخل في صوم رمضان على مشقة وكلفة بل قد تمرن على
الصيام واعتاده ووجد بصيام شعبان قبله حلاوة الصيام ولذته فيدخل في صيام رمضان بقوة ونشاط.

** ولما كان شعبان كالمقدمة لرمضان شرع فيه ما يشرع في رمضان من الصيام وقراءة القرآن ليحصل التأهب لتلقي رمضان وترتاض النفوس بذلك على طاعة الرحمن

** روينا بإسناد ضعيف عن أنس قال: كان المسلمون إذا دخل شعبان انكبوا على المصاحف فقرؤها وأخرجوا زكاة أموالهم تقوية للضعيف والمسكين على صيام رمضان

** وقال سلمة بن كهيل: كان يقال شهر شعبان شهر القراء .

** وكان حبيب بن أبي ثابت إذا دخل شعبان قال: هذا شهر القراء .

** وكان عمرو بن قيس الملائي إذا دخل شعبان أغلق حانوته وتفرغ لقراءة القرآن .

** قال الحسن بن سهل:
قال شعبان: يا رب جعلتني بين شهرين عظيمين فما لي؟ قال: جعلت فيك قراءة القرآن . اهـ

** وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر الصيام في شعبان .

** عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: ” كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ: لَا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ: لَا يَصُومُ، وَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ قَطُّ إِلَّا رَمَضَانَ وَمَا رَأَيْتُهُ فِي شَهْرٍ أَكْثَرَ مِنْهُ صِيَامًا فِي شَعْبَانَ ” متفق عليه

** وعَنْها رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: «كَانَ أَحَبَّ الشُّهُورِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَصُومَهُ شَعْبَانُ، بَلْ كَانَ يَصِلُهُ بِرَمَضَانَ» رواه الإمام أحمد وغيره , [وصححه الألباني]

** والحكمة من إكثار النبي صلى الله عليه وسلم الصوم في شعبان

ما جاء في مسند الإمام أحمد وغيره عن أُسَامَة بْن زَيْدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْه ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَمْ أَرَكَ تَصُومُ شَهْرًا مِنَ الشُّهُورِ مَا تَصُومُ مِنْ شَعْبَانَ،
قَالَ: «ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ، وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ» [وحسنه الألباني]

** وفي كتاب ( لطائف المعارف ) , لابن رجب
(ص: 130):

(. . . وقد ظهر بما ذكرناه وجه صيام النبي صلى الله عليه وسلم لشعبان دون غيره من الشهور وفيه معان أخر:

** وقد ذكر منها النبي في حديث أسامة معنيين:

** أحدهما: أنه شهر “يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان” يشير إلى أنه لما اكتنفه شهران عظيمان الشهر الحرام وشهر الصيام اشتغل الناس بهما عنه فصار مغفولا عنه .

** وكثير من الناس يظن أن صيام رجب أفضل من صيامه لأنه شهر حرام وليس كذلك .

** وروى ابن وهب قال: حدثنا معاوية بن صالح عن أزهر بن سعد عن أبيه عن عائشة قالت: ذكر لرسول الله ناس يصومون رجبا؟ فقال: “فأين هم عن شعبان”.

** وفي قوله: “يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان” إشارة إلى أن بعض ما يشتهر فضله من الأزمان أو الأماكن أو الأشخاص قد يكون غيره أفضل منه إما مطلقا أو لخصوصية فيه لا يتفطن لها أكثر الناس فيشتغلون بالمشهور عنه ويفوتون تحصيل فضيلة ما ليس بمشهور عندهم.

** وفيه دليل على استحباب عمارة أوقات غفلة الناس بالطاعة , وأن ذلك محبوب لله عز وجل ,

** كما كان طائفة من السلف يستحبون إحياء ما بين العشاءين بالصلاة ويقولون: هي ساعة غفلة

** ولذلك فضل القيام في وسط الليل لشمول الغفلة لأكثر الناس فيه عن الذكر وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: “إن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الليلة فكن” ولهذا المعنى كان النبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يؤخر العشاء إلى نصف الليل وإنما علل ترك ذلك لخشية المشقة على الناس ولما خرج على أصحابه وهم ينتظرونه لصلاة العشاء قال لهم: “ما ينتظرها أحد من أهل الأرض غيركم”

** وفي هذا إشارة إلى فضيلة التفرد بذكر الله في وقت من الأوقات لا يوجد فيه ذاكر له .

** ولهذا ورد في فضل الذكر في الأسواق ما ورد من الحديث المرفوع والآثار الموقوفة حتى قال أبو صالح: إن الله ليضحك ممن يذكره في السوق وسبب ذلك أنه ذكر في موطن الغفلة بين أهل الغفلة . . .

** وقد قيل في صوم شعبان معنى آخر: أن صيامه كالتمرين على صيام رمضان لئلا يدخل في صوم رمضان على مشقة وكلفة بل قد تمرن على الصيام واعتاده ووجد بصيام شعبان قبله حلاوة الصيام ولذته فيدخل في صيام رمضان بقوة ونشاط . . . . الخ , )
وقد تقدم . اهـ

وفي (شرح النووي على مسلم), (8/ 37):

** فَإِنْ قِيلَ سَيَأْتِي قَرِيبًا فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ أَنَّ أَفْضَلَ الصَّوْمِ بَعْدَ رَمَضَانَ صَوْمُ الْمُحَرَّمِ فَكَيْفَ أَكْثَرَ مِنْهُ فِي شَعْبَانَ دُونَ الْمُحَرَّمِ فَالْجَوَابُ لَعَلَّهُ لَمْ يَعْلَمْ فَضْلَ الْمُحَرَّمِ إِلَّا فِي آخِرِ الْحَيَاةِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ صَوْمِهِ أَوْ لَعَلَّهُ كَانَ يَعْرِضُ فِيهِ أَعْذَارٌ تَمْنَعُ مِنْ إِكْثَارِ الصَّوْمِ فِيهِ كَسَفَرٍ وَمَرَضٍ وَغَيْرِهِمَا. اهـ

** وفي كتاب ( لطائف المعارف ) , لابن رجب (ص: 135)
يا من فرط في الأوقات الشريفة وضيعها وأودعها الأعمال السيئة وبئس ما استودعها.

مضى رجب وما أحسنت فيه
وهذا شهر شـعبان المبارك

فيا من ضيـع الأوقـات جـهلا بحرمتها أفق واحذر بوارك

فسوف تفارق اللذات قسرا ويخلي الموت كرها منك دارك

تدارك ما استطعت من الخطايا
بتوبة مخلص واجعـل مدارك

على طلب السلامة من جحيم
فخير ذوي الجرائم من تدارك

** والله الموفق.

** كتبها: أبوعبد الله أحمد بن ثابت الوصابي

** الإثنين 30/ 7 / 1439 هـ

** ومن أحب الاطلاع على الفوائد السابقة فمن الموقع الرسمي على الرابط :

====================

105 لا يقال: شعبان الأكرم

سلسة الفوائد اليومية:

105 لا يقال : شعبان الأكرم

** وفي كتاب : ( معجم المناهي اللفظية) لبكر بن عبد الله أبو زيد (ص: 308):

** (شعبان الأكرم)

** لا يعرف في السُّنَّة إثبات فضل لشهر شعبان إلا ما ثبت عن النبي – صلى الله عليه وسلم – من إكثار الصيام فيه.

** وأما حديث: ((فضل شعبان على سائر الشهور كفضلي على سائر الأنبياء)) فهو موضوع.

** قال ابن عاشور – رحمه الله تعالى -:

((ولعلَّ هذا الحديث هو الذي حمل الكُتاب على أن يُتْبِعُون اسم شعبان بوصف الأكرم، وهو فُضُوْلٌ زايد)) انتهى.

** والله الموفق.

** كتبها: أبوعبد الله أحمد بن ثابت الوصابي

** السبت 29/ 7 / 1439 هـ

** ومن أحب الاطلاع على الفوائد السابقة فمن الموقع الرسمي على الرابط :

https://binthabt.al3ilm.com/11613

====================

104 من حسن كلام العرب: توكيد الكلام بإتباع بعض الكلمات بما يشابهها من الألفاظ في الوزن وأكثر الحروف

سلسلة الفوائد اليومية: 

104 من حسن كلام العرب: توكيد الكلام بإتباع بعض الكلمات بما يشابهها من الألفاظ في الوزن وأكثر الحروف

 

(1) المراد بـ(الإِتباع) أن تتبع الكلمة بكلمة أخرى تشابهها في الوزن وأكثر الحروف، مثل قول العرب:(حسن بسن). و(عفريت نفريت) ونحوهما.

 

(2) ويصح في كلمة:(الإِتباع) فتح الهمزة وكسرها.

* فإن فتحت كانت جمعا مفردها:(تبع) بفتح التاء والباء، بمعنى التابع.

* وإن كسرت كانت مصدرا للفعل:(تبع)، بكسر الباء، بمعنى: جاء خلفه.

 

(3) والأكثر في (الإتباع) أن يكون بكلمة واحدة كما تقدم.

* وقد يكون بكلمتين نحو:(حسن بسن قسن) و(ثقة تقة نقة).

 

(4) والمراد من هذا الإتباع: تقوية المعنى أو تزيين اللفظ أو مجرد التلميح، أو السخرية، أو المدح، أو الذم، أو محض التَّصويت والتنغيم.

 

(5) اشترط بعضهم في (الإتباع) عدم توسط حرف العطف بين اللفظتين، فلا يقال:(هذا رجل حسن وبسن).

 

** واشترط بعض أخر عدم وجود معنى مستقل للفظة الثانية، أي أنها لا تنفرد بنفسها في تركيب آخر، فلا يقال:(هذا رجل بسن).

* فإن وجد حرف العطف، أو وجد للفظة الثانية معنى مستقل بنفسها في تركيب آخر، كان من باب التوكيد لا من باب الإتباع نحو:(حَيَّاك اللَّهُ وَبَيَّاكَ).

 

** قال أبو عُبيد القاسم بن سلاّم بن عبد الله الهروي البغدادي (المتوفى: 224هـ) في كتابه:(غريب الحديث)، (2/ 279):

(… وبعض النَّاس يرويهِ:(حارّ يارّ) وَأكْثر كَلَامهم بِالْيَاءِ.

** قَالَ الْكسَائي وَغَيره:(حَار) من الْحَرَارَة و(يارّ)إتباع كَقَوْلِهِم:

(عطشان نطشان)، و(جائع نائع)، و(حسن بسن)، وَمثله كثير فِي الْكَلَام.

** وَإِنَّمَا سمي إتباعا لِأَن الْكَلِمَة الثَّانِيَة إِنَّمَا هِيَ تَابِعَة للأولى على وَجه التوكيد لَهَا وَلَيْسَ يتَكَلَّم بهَا مُنْفَرِدَة فَلهَذَا قيل: إتباع.

** وَأما حَدِيث آدم عَلَيْهِ السَّلَام حِين قتل ابْنه فَمَكثَ مائَة سنة لَا يضْحك ثمَّ قيل لَهُ: حياك اللَّه وبياك فَقَالَ: وَمَا بياك قيل: أضْحكك.

وَقَالَ بعض النَّاس فِي بَيّاك: إِنَّمَا هُوَ إتباع وَهُوَ عِنْدِي [على -] مَا جَاءَ تَفْسِيره فِي الحَدِيث أَنه لَيْسَ بِاتِّبَاع؛ وَذَلِكَ أَن الإتباع لَا [يكَاد -] يكون بِالْوَاو وَهَذَا بِالْوَاو.

** وَمن ذَلِك قَول الْعَبَّاس [بْن عبد الْمطلب -] فِي زَمْزَم: [إِنِّي -] لَا أحلهَا لمغتسل وَهِي لشارب حِلّ وبِلّ. وَيُقَال أَيْضا: إِنَّه إتباع وَلَيْسَ هُوَ عِنْدِي كَذَلِك لمَكَان الْوَاو…الخ).

 

** وقال أبو الطيب الحلبي، اللغوي عبد الواحد بن علي

(المتوفى: 351هـ) في كتابه:(الإتباع)، (ص: 2):

(… وإنما قرنا الإتباع بالتوكيد لأن أهل اللغة اختلفوا،

** فبعض جعلوها واحداً، وأكثرهم اختاروا الفرق بينهما:

** فجعلوا الإتباع: مالا تدخل عليه الواو نحو قولهم:(عطشان نطشان)، و(شيطان ليطان).

** والتوكيد: ما دخل عليه الواو نحو قولهم:(هو في حلٍّ وبلٍّ)، و(أخذ في كلِّ فن وفنن).

** ونحن بحمد الله نذهب إلى أن الإتباع ما لم يختص به بمعنى يمكن إفراده به.

** والتوكيد: ما اختص بمعنى وجاز إفراده.

والدليل على صحة قولنا هذا أنَّهم يقولون:(هذا جائع نائع) فهو عندهم إتباع، ثم يقولون في الدُّعاء على الإنسان: (جُوعاً ونُوعاً) فيدخلون الواو وهو مع ذلك إتباع: إذ كان محالاً أن تكون الكلمة مَرَّةً إتباعاً ومرة غير إتباع فقد وضح أنَّ الاعتبار ليس بالواو وثبت ما حددناه به. اهـ المراد

 

** وقال السيوطي في كتابه:(المزهر)، (1/ 330)

** (… وقال قوم: هذه الألفاظُ تسمى تأكيدا وإتباعا.

** وزعم قوم: أن التأكيد غير الإتباع واخُتِلف في الفرق فقال قوم: الإتباع منها ما لم يحسن فيه واو نحو حَسن بَسَن وقَبِيح شَقِيح.

** والتأكيد يحسنُ فيه الواو نحو حِلّ وبِلّ.

** وقال قوم: الإتباع للكلمة التي يختص بها معنى ينفرد بها من غير حاجة إلى متبوع). اهـ

 

** وقال عباس حسن في كتابه:(النحو الوافي)، (3/ 469):

** نرى في بعض الأساليب الواردة عن العرب كلمة زائدة، لا تنفرد بنفسها في جملة، دون أن تسبقها – مباشرة في هذه الجملة كلمة أخرى مسموعة تماثلها في وزنها، وفي أكثر حروفها الهجائية ”

** أي: أنه ليس لهذه الكلمة المتأخرة الزائدة، المسموعة في الأسلوب الوارد استقلالٌ بنفسها في جملة ما، ولا استغناءٌ عن كلمة سابقة توافقها في وزنها وفي أكثر حروفها”.

** وأيضًا ليس لهذه الكلمة الزائدة المسموعة معنى تَجلبه، ولا حُكم إعرابيّ خاصّ بها تُوصف معه بأنها مبتدأ، أو فاعل، أو نعت، أو مفعول، أو غير ذلك..، أو أنها معربة أو مبنية؛

** فهي – لكل ما تقدم – خارجة عن نطاق الاستقلال بنفسها، وصوغها، خالية في معنى لغويّ تؤديه، وبعيدة من الاتّصاف بالإعراب أو البناء، أو التأثر بالعوامل.

** وإنما تزاد لمجرد التلميح، أو السخرية، أو المدح، أو محض التَّصويت والتنغيم. وتسمَّى هذه الكلمة الزائدة الواردة في الأسلوب السّماعيّ هي ونظائرها: “الأَتباع” – بفتح الهمزة – جمع: “تَبَع” – بمعنى التابع-

** ويراد به: كل لفظ مسموع، لا يستقل بنفسه في جملة،

** وإنما يجيء بعد كلمة تسبقه مباشرة “بغير فاصل”

** فيسايرها في وزنها، وفي ضبط آخرها، ويماثلها في أكثر حروفها، دون أنْ يكون له معنى خاص ينفرد به في هذه الجملة،

** ولا نصيبٌ في الإعراب أو البناء؛ مثل “بَسَن” في قولهم: “محمد حسَنٌ بَسَنٌ”. ومثل: “نَيْطان، ونِفْريت” في قولهم، اللصّ شيطانٌ نَيْطانٌ، أو: اللصّ عِفريتٌ نِفريتٌ…

** وعند إعراب هذا اللفظ الزائد نقول: إنه تابع للكلمة التي قبله مباشرة، أي: من أتباعها في الوزن، وضبط الآخر، والمشاركة في معظم الحروف الهجائية، دون أن يكون لهذه التبعية العارضة بوصفها السالف علاقة بالتوابع الأصلية الأربعة المعروفة “وهي: النعت، التوكيد، العطف بنوعيه، البدل” كما سبقت الإشارة؛ إذ لا يجري شيء من أوصاف هذه التوابع الأربعة الأصلية وأحكامها على التابع العارض المذكور فيما سبق؛ حيث يقتصر حكمه على أمر واحد، هو: أنه مثل الكلمة التي قبله مباشرة في وزنها، وأكثر حروفها، وضبط آخرها، دون بقية أحكامها النحوية، أو غير النحوية…. اهـ المراد

 

(6) يفرق بين التابع والتأكيد: أن التابع يُشترط فيه: أن يكون على وزن متبوعه مثل: ” حسن بسن ” و” شيطان ليطان “، ونحوهما.

** أما التأكيد مع المؤكد فلا يشترط ذلك فيه، مثل: ” جاء زيد نفسه “.

 

(7) يفرق بين التابعٍ والمرادف: أن التابع لا يفيد شيئا غير تقوية الأول، فلا يفيد بدون المتبوع.

أما اللفظان المترادفان: فإن كل واحد منهما يفيد المعنى لو انفرد؛ لأنه مثل مرادفه في الرتبة، مثل: ” الليث والأسد”.

 

 

(8) (الإِتباع) ليس خاصا بكلام العرب، بل قد شاركتهم الْعَجم في ذلك.

** قال السيوطي في كتابه: (الإتباع)، (ص: 88):

** قَالَ ابْن فَارس فِي فقه اللُّغَة: للْعَرَب الإتباع، وَهُوَ أَن تتبع الْكَلِمَة الْكَلِمَة على وَزنهَا، أَو رويها إشباعاً وتوكيداً.

** وَقد شاركت الْعَجم الْعَرَب فِي هَذَا الْبَاب.اهـ المراد

وانظر: (الصاحبي في فقه اللغة العربية)، لابن فارس (ص: 209)

و(البلغة الى أصول اللغة) لأبي الطيب محمد صديق خان (ص: 120)

و(المزهر في علوم اللغة وأنواعها)، (1/ 324)

 

 

(9) ذكر جملة من الألفاظ من باب الإتباع.

 

** قال أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي (المتوفى: 597هـ) في كتابه:(المدهش)، (ص: 37):

 

** وَمن عاداتهم ـ (أي العرب) ـ تَكْرِير الْكَلَام وَفِي الْقُرْآن {فَبِأَي آلَاء رَبكُمَا تُكَذِّبَانِ}

** وَقد يُرِيدُونَ تَكْرِير الْكَلِمَة ويكرهون إِعَادَة اللَّفْظ فيغيرون بعض الْحُرُوف وَذَلِكَ يُسمى:(الِاتِّبَاع) فَيَقُولُونَ:

** وَمن عاداتهم ـ (أي العرب) ـ تَكْرِير الْكَلَام وَفِي الْقُرْآن {فَبِأَي آلَاء رَبكُمَا تُكَذِّبَانِ}

** وَقد يُرِيدُونَ تَكْرِير الْكَلِمَة ويكرهون إِعَادَة اللَّفْظ فيغيرون بعض الْحُرُوف وَذَلِكَ يُسمى:(الِاتبَاع) فَيَقُولُونَ:

** (أُسْوَانُ أَتْوَانُ) أَي حَزِين، وَ (شَيْء تَافِهٌ نَافِهٌ)، وَ (انه ثَقِفٌ لَقِفٌ)،

و(جَايِعٌ نَايِعٌو(حِلٌّ وبِلٌّ)، و(حَيَّاك اللَّهُ وَبَيَّاكَ)، و(حَقِيرٌ نَقِيرٌ)،

وَ (عَيْنٌ حَدْرَةٌ بَدْرَةٌ) أَي: عَظِيمَة، و(نضر مُضر)، و(سَمْجٌ لَمْجٌ)،

و(سيغ ليغ)، و(شَكِسٌ لَكِسٌ)، وَ (شَيْطَانٌ لَيْطَانٌ)، و(تفرقوا شَذَرٌ مَذَرٌ، وَشَغَرٌ بَغَرٌ)، وَ (يَوْم عَكٌّ لَكٌّ)، إِذا كَانَ حارا

** و(عَطْشَانُ نَطْشَانُ) و(عِفْرِيتٌ نِفْرِيتٌ)، وَ (كَثِيرٌ بَثِيرٌ) و(كز لز)، وَ (كن أَن)، و(حار جَار يار)، و(قَبِيحٌ لَقِيحٌ شَقِيحٌ)، و(ثِقَةٌ تِقَةٌ نِقَةٌ)، وَ (هُوَ أَشَقٌّ أَمَقٌّ حَبِقٌ) للطويل، وَ (حَسَنٌ بَسَنٌ قَسَنٌ)، وَ (فعلت ذَلِك على رَغْمِهِ وَدَغْمِهِ وشَغْمِهِ)، وَ (مررت بهم أَجْمَعِينَ اكتعين أبصعين). اهـ

 

(10) ذكر تفسير بعض هذه الكلمات.

 

** (أُسْوَانُ أَتْوَانُ)

** أي حزين متردد يَذْهب ويجيء من شدة الحزن. اهـ من كتاب:

(المزهر) للسيوطي (1/ 326)

 

 

** وَ (شَيْء تَافِهٌ نَافِهٌ)

** للشِّيءِ إِذا كانَ قليلاً حقيراً. اهـ من كتاب:

(الإتباع) لأبي الطيب الحلبي، (ص: 93)

 

 

** وَ (إنه ثَقِفٌ لَقِفٌ)

** وَرَجُلٌ ثَقِفٌ لَقِفٌ وثَقْفٌ لَقْف أَي خَفِيف حاذِق،

** وَقِيلَ: سريعُ الفَهْم لِما يُرمى إِلَيْهِ مِنْ كَلَامٍ بِاللِّسَانِ وَسَرِيعُ الأَخذ لِمَا يُرْمَى إِلَيْهِ بِالْيَدِ،

** وَقِيلَ: هُوَ إِذَا كَانَ ضَابِطًا لِمَا يَحْويه قَائِمًا بِهِ،

** وَقِيلَ: هُوَ الْحَاذِقُ بصِناعته. اهـ من كتاب: (لسان العرب) (9/ 320)

 

 

** و(جَائِعٌ نَائِعٌ)

** يُقالُ:(رَجُلٌ جَائِعٌ نَائِعٌ)،

** والنَّائعُ زَعَمُوا: المُتمايلَ مِنْ ضَعفِ الجُوعِ، مِنْ قَولِكَ: نَاعَ الغُصْنُ، إِذا مالَ،

** قالَ الرَّاجِزُ:

مَيَّالةٌ مِثلُ القَضيبِ النائِعِ

** وبعضُهُم يَقولُ: النَّائعُ العَطْشانُ ولا نَعْلَمُهُمْ يَقولونَ: رَجُلٌ نَائِعٌ مَفرداً، ويُقالُ في الدُّعاءِ على الرَّجُلِ: جُوعاً لَهُ ونُوعاً!. اهـ من كتاب:

(الإتباعلأبي الطيب الحلبي، (ص: 92)

 

** وفي كتاب:(الزاهر في معاني كلمات الناس) (2/ 47):

554 – وقولهم: فلان جائعٌ نائعٌ

** قال أبو بكر: في النائع قولان:

** قال أكثر أهل اللغة: النائع هو الجائع، وقالوا: هذا إتباع، كقولهم:(شيطان ليطان)، و(حَسَن بَسَن)، و(عطشان نطشان).

** وقال بعضهم: النائع: العطشان. واحتج بقول الشاعر: (347)

(لَعَمْرُ بني شهاب ما أقاموا *** صدورَ الخيلِ والأسَلَ النياعا)

** فالأسل: أطراف الأسِنة، والنياع: العِطاش إلى الدَّم. اهـ من كتاب:

(الزاهر في معاني كلمات الناس)، (2/ 47)

 

** و(حِلٌّ بِلٌّ)

** و(البِلُّ)، بِالْكَسْرِ: الشِّفاءُ من قَوْلهم:(بَلَّ الرجُلُ مِن مَرضِه): إِذا بَرأ، وَبِه فَسَّر أَبُو عبيد حَدِيث زَمْزم:( لَا أُحِلُّها لِمُغْتَسِلٍ، وَهِي لِشارِبٍ حِلٌّ وبِلٌّ).

** قِيل: البِلُّ هُنَا: المُباحُ، نقلَه ابنُ الأثِير، وغيرُه من أئمّة الغَرِيب.

ويُقال:(حِلٌّ وبلٌّ) أَي حَلالٌ ومُباحٌ. أَو هُوَ إتْباعٌ وَيمْنَعُ مِن جَوازِه الواوُ،

** وَقَالَ الأصمَعِي: كنت أرى أنّ(بِلّاً) إتْباعٌ، حتّى زَعم المُعْتَمِرُ بن سُليمان أَن:(بِلاًّ) فِي لُغة حِمْير: مُباحٌ، وكَرَّر لاخْتِلَاف اللَّفْظ، توكيداً.

** قَالَ أَبُو عبيد: وَهُوَ أَوْلَى لأنّا قَلَّما وجدنَا الإتْباعَ بواو العَطْف. اهـ

(تاج العروس) (28/ 107)

 

 

** و(حَيَّاك اللَّهُ وَبَيَّاكَ)

** ويُدْعَى للرَّجُلِ فيقال:(حَيَّاك اللهُ وبَيَّاكَ)! قالَ الأصمعيُّ: (بَيَّاكَ) أَضْحَكَكَ، وقالَ أبو عُبيدة: بَيَّاكَ: مَلَّكَكَ، وقالَ أبو زَيد وابن الأَعرابيّ يُقال: اعْتمدَكَ بالتحيةِ. اهـ

** (الإتباع)لأبي الطيب الحلبي، (ص: 24)

 

 

** و(حَقِيرٌ نَقِيرٌ)

** وَقَالَ يَعْقُوب: قَالَ الغنوي: عنز نقرة، وتيس نقر، وَلم أر كَبْشًا نقراً، وَهُوَ ظلع يَأْخُذ الْغنم، ثمَّ قيل لكل حقير متهاون بِهِ: حقر نقر، وحقير نقير، وحقر نقر،

** وَيجوز أَن يُرَاد بِهِ النقير الذي فِي النواة، فَيكون مَعْنَاهُ حَقِيرًا متناهياً فِي الحقارة، وَالْمذهب الأول أَجود. اهـ من كتاب: (الإتباع) لأبي علي القالي (ص: 78)

 

 

** وَ (عَيْنٌ حَدْرَةٌ بَدْرَةٌ)

** وقالوا:(عَينٌ حَدْرَةٌ بَدْرَةٌ، أَيْ: عَظيمةٌ، والبَدرةُ الكاملةُ التامةُ، ومنهُ سُمِّي البدرُ لتمامِهِ. اهـ ** (الإتباع)لأبي الطيب الحلبي (ص: 26)

 

 

** و(خَضِرٌ مَضِرٌ)

وَيَقُولُونَ:(ذهب دَمه خضرًا مضراً)، و(خضرا مضراً)، أى بَاطِلا،

** فالخضر: الْأَخْضَر، وَيُقَال: مَكَان خضر، وَيُمكن أَن يكون مُضر لُغَة فِي نضر،

** وَيكون معنى الْكَلَام: أَن دَمه بَطل كَمَا يبطل الْكلأ الَّذِي يحصده كل من قدر عَلَيْهِ، أَو يُمكن أَن يكون خضر من قَوْلهم: عشب أَخْضَر، إِذا كَانَ رطبا، وَمُضر: أَبيض، لِأَن المضر إِنَّمَا سمى مضراً لبياضه، وَمِنْه مضيرة الطبيخ، فَيكون مَعْنَاهُ أَن دَمه بَطل طرياً، فَكَأَنَّهُ لما لم يثأر بِهِ فيراق لأَجله الدَّم بقى أَبيض. اهـ من كتاب: (الإتباع) لأبي علي القالي (ص: 78)

 

** وفي كتاب: (الإتباع والمزاوجةلابن فارس (ص: 45)

** ويقولون:(دَمٌ خَضِرٌ مَضِرٌ)، وذلكَ إذا طُلَّ فَذَهَبَ.

** وبعضُ العَرَبِ يقول:(هو لك خَضِراً مَضِراً)، أي: هنيئاً مريئاً. اهـ

 

 

** و(سَمْجٌ لَمْجٌ)

** (سمج): سَمُجَ الشيءُ، بِالضَّمِّ: قَبُحَ، يَسْمُجُ سَماجَةً إِذا لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَلاحَةٌ، وَهُوَ سَمِيجٌ لَمِيجٌ، وسَمْجٌ لَمْجٌ. وَقَدْ سَمَّجَه تَسْمِيجاً إِذا جَعَلَهُ سَمْجاً؛. اهـ من كتاب:

(لسان العرب) (2/ 300)

 

** وَيَقُولُونَ (سمج لمج)، فاللمج: الْكثير الْأكل الَّذِي يلمج كل مَا وجده، أَي يَأْكُلهُ. اهـ من كتاب:(الإتباع) لأبي علي القالي (ص: 79)

 

 

** و(سيغ ليغ)

** و(سَيْغٌ لَيْغ)، و(سائِغٌ لائغ) وهو [الطعام] الذي يَسُوغ سهلا في الحَلْق. اهـ من كتاب:(المزهر في علوم اللغة وأنواعها) (1/ 327)

 

** وفي كتاب: (مجمل اللغة) لابن فارس (ص: 799)

** (ليغ): [يقال] : سيغٌ ليغٌ: إتباع، وهو السَّهْل الخُلُق. اهـ

 

 

** و(شَكِسٌ لَكِسٌ)

** وَيَقُولُونَ:(شكس لكس)، فـ(الشكس): السَّيئ الْخلق، و(اللكس): العسير [قَليل الانْقِيادِ]. اهـ من كتاب: (الإتباع) لأبي علي القالي (ص: 78)

 

 

** وَ (شَيْطَانٌ لَيْطَانٌ)

** وهُوَ الَّذي يَلْزَقُ بالشَّرِّ مِنْ قولِكَ: مَا يَلِيطُ بي هذا: أَيْ مَا يَلزَقُ. اهـ من كتاب:

(الإتباع) لأبي الطيب الحلبي، (ص: 75)

 

** وفي كتاب: (الإتباع) لأبي علي القالي (ص: 72)

** وَيَقُولُونَ:(شَيْطَان ليطان)، فـ(ليطان): مَأْخُوذ من قَوْلهم: لَاطَ حَبَّة بقلبي يلوط ويليط، أى لصق،

** وَيُقَال: للْوَلَد فِي الْقلب لوطة، أى حب لازق،

** وَيَقُولُونَ: هُوَ ألوط بقلبي مِنْك وأليط، أَي ألزق،

** وَيُقَال: مَا يليط هَذَا بقلبي، وَمَا يلتاط، أَي مَا يلصق،

** وَيُقَال: ألاط القَاضِي فلَانا بفلان، أَي ألحقهُ بِهِ،

** فَمَعْنَى قَوْلهم:(شَيْطَان ليطان)، شَيْطَان لصوق. اهـ

 

 

 

** و(تفرقوا شَذَرٌ مَذَرٌ، وَشَغَرٌ بَغَرٌ)

** وَكَذَلِكَ:(تَفَرَّقَ الْقَوْمُ شَغَرَ بَغَر، وشَذَرَ مَذَرَ) أَي فِي كُلِّ وَجْهٍ، وَلَا يُقَالُ ذَلِكَ فِي الإِقبال. اهـ من كتاب: (لسان العرب) (4/ 418)

 

 

** وَ (يَوْم عَكٌّ أَكٌّ)

** ويُقال:(يومٌ عكيكٌ أكيكٌ)، و(يومٌ عَكٌّ أكٌّ): إِذا كانَ شَديدَ الحَرِّ.

** و:(الأَكيكُ) بمعنَى العكيكِ، إلاَّ أَنَّهُ لا يُفْرَدُ،

** قالَ الرَّاجز:

يَومٌ عَكيكٌ، يَعْصِرُ الجُلودَا *** يَتْرُكُ حُمْرانَ الرِّجالِ سُودا

ولَيلةٌ غامِدة غُمودا *** سَوداءُ تُغْشِي النَّجْمَ والفُرْقودا.

اهـ من كتاب: (الإتباع) لأبي الطيب الحلبي، (ص: 8)

 

 

** و(عَطْشَانُ نَطْشَانُ)

** و(عَطْشان نَطْشَان): إِتباع لَهُ لَا يُفْرد. اهـ من كتاب: (لسان العرب) (6/ 319)

 

** وفي كتاب: (الإتباع) لأبي علي القالي (ص: 71)

** وَيَقُولُونَ: عَطْشَان نَطْشَان فنَطْشان مَأْخُوذ من قَوْلهم مَا بِهِ نَطيش أَي مَا بِهِ حركةٌ فَمَعْنَاه عَطْشَانٌ قلِقٌ. اهـ

 

 

** و(عِفْرِيتٌ نِفْرِيتٌ)

** أَبُو عُبيد: رَجُل عِفْرٌ نِفْرٌ، وعِفْريَةٌ نِفْرِيَةٌ، وعِفْريتٌ نِفْريتٌ، وعُفَارِيَةٌ نُفَاريَةٌ، إِذا كَانَ خَبِيثاً مارداً. اهـ من كتاب: (تهذيب اللغة) (15/ 152)

 

 

** وَ (كَثِيرٌ بَثِيرٌ)

** و:(إِنَّهُ لَكَثِيرٌ بَثِيرٌ بَذِيرٌ بَجيرٌ)، كُلُّهُ إتبَاعٌ، و(البَثِيرُ) من قَولِهم: ماءٌ بَثْرٌ: أيْ كثيرٌ؛ إِلاّ أَنَّهُ لا يُقالُ: شَيءٌ بَثِيْرٌ أَي كثيرٌ إِلا عَلى وَجهِ الإِتْباعِ. اهـ من كتاب:

(الإتباع) لأبي الطيب الحلبي (ص: 13)

 

 

** و(كز لز)

** و:(كَزٌّ لَزٌّ)، إِتباعٌ لَهُ، قَالَ أَبو زَيْدٍ:(إِنه لَكَزٌّ لَزٌّ)، إِذا كَانَ مُمْسِكًا. اهـ من كتاب:

(لسان العرب) (5/ 405)

 

** وفي كتاب: (الإتباع) لأبي علي القالي (ص: 83)

** وَيَقُولُونَ: كز لز، فاللز: اللاصق بالشي، من قَوْلهم: لززت الشَّيْء بالشَّيْء، إِذا أَلْصَقته بِهِ وقرنته إِلَيْهِ، وَالْعرب تَقول: هُوَ لزاز شَرّ، ولزيز شَرّ، ولز شَرّ. اهـ

 

 

** و(حار جَار يار)

** قالَ أبو مَالكٍ يُقالُ: حَارٌّ يَارٌّ جَارٌّ، ويُقالُ: رَجُلٌ حَرَّانُ يَرَّانُ جَرَّانُ: إِذا أَصابتْهُ مَصيبَةٌ. اهـ من كتاب: (الإتباع)لأبي الطيب الحلبي، (ص: 35)

 

 

** و(قَبِيحٌ لَقِيحٌ شَقِيحٌ)

** وَيَقُولُونَ:(قَبِيح شقيح)، فالشقيح مَأْخُوذ من قَوْلهم:(شقيح الْبُسْر) إِذا تَغَيَّرت خضرته بحمرة أَو صفرَة، وَهُوَ حِينَئِذٍ اقبح مَا يكون، وَتلك البسرة تسمى شقحة، وَحِينَئِذٍ يُقَال: أشقح النّخل، فَمَعْنَى قَوْلهم: قَبِيح شقيح، متناهى الْقبْح،

** وَيُمكن أَن يكون بِمَعْنى مشقوح، من قَول الْعَرَب: لأشقحنك شقح الْجَوْز بالجندل، أَي لأكسرنك، فَيكون مَعْنَاهُ قبيحاً مكسوراً.

** وَقَالَ اللحياني: شقيح لقيح، فالشقيح هَا هُنَا: المكسور على مَا ذكرنَا،

** واللقيح: مَأْخُوذ من قَوْلهم: لقحت النَّاقة، ولقح الشّجر، ولقحت الْحَرْب، فَمَعْنَاه: مكسور حَامِل للشر. اهـ من كتاب: (الإتباع) لأبي علي القالي (ص: 74)

 

 

** و(ثِقَةٌ تِقَةٌ نِقَةٌ)

 ** (و) قَالُوا: (ثِقَةٌ} نِقَةٌ) وَهُوَ (إتْباعٌ) كأنَّهم حَذَفُوا وَاو {نِقْوَة، حَكَى ذلكَ ابنُ الأعْرابي. اهـ من كتاب:(تاج العروس)، (40/ 125)

 

 

** وَ (هُوَ أَشَقٌّ أَمَقٌّ حَبِقٌ) للطويل

** [شَقِقَ]: الأَشَقُّ: الطويل. يقال: فرس أشق، والأنثى شقّاء.

قال الأصمعي: سمعت عقبة بن رؤبة يصف فرساً فقال:

أَشَقّ أَمَقّ حَبَقّ.

** وقال بعضهم: الأشق من الخيل: الذي يميل في أحد شقيه عند عدوه. اهـ من كتاب:

** (شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم)، لنشوان بن سعيد الحميرى اليمني (المتوفى: 573هـ)، (6/ 3345)

 

** وفي كتاب:(تهذيب اللغة)، لأبي منصور محمد بن أحمد الأزهري الهروي، (المتوفى:370هـ)، (7/ 22):

** (خبق): أَبُو عبيد عَن الأصمعيِّ قَالَ: الْخِبِقُّ: الطَّوِيل.

** ورَوَى غيرهُ عَنهُ أنَّه قَالَ: سَمِعتُ عُقبَةَ بنَ رُؤبَةَ يصفُ فَرَساً فَقَالَ: أَشَقُّ أَمَقُّ خِبَقُّ.

** قَالَ: وَقيل: (خِبَقُّ) إتْباعٌ للأشق الأَمَقِّ.

** وَالْقَوْل: أَنه يُفْرَدُ بالنعت للطويل.

** أَبُو العبَّاس عَن ابْن الأعرابيِّ قَالَ: خُبَيْقٌ تصغيرُ خَبْقٍ، وَهُوَ الطَّول، وَرجل خِبِقٌّ: طَوِيل.

** وَقَالَ غيرُه: يُقَال:(حَبَقَ وخَبَقَ) إِذا ضَرِطَ. اهـ

 

 

** وَ(حَسَنٌ بَسَنٌ قَسَنٌ)

مَعْنَاه: حسن كَامِل الْحسن.

 

 

** وَ (فعلت ذَلِك على رَغْمِهِ وَدَغْمِهِ وشَغْمِهِ)

** يُقالُ في الدُّعَاءِ عَلى الرَّجُلِ:(لا باركَ اللهُ فيهِ ولا تَاركَ ولا دَارَكَ)!.

** ودُعَاءٌ آخَرُ:(أَرغَمَهُ اللهُ وأَدْغَمهُ)! (ولهُ مِنّي مَا يُرْغِمُهُ ويَدْغِمُهُ)، ويَقولونَ:(رَغْمَاً دَغْمَاً)!؛ و(فَعلتُ ذَاكَ عَلى رَغْمِهِ ودَغْمِهِ). اهـ من كتاب:(الإتباع) لأبي الطيب الحلبي، (ص: 41)

** وقال في (ص: 58)

** ويُسَبُّ الرَّجُلُ فَيُقالُ:(رَغْماً دَغْماً شِنّغْماً! (وفَعَلْتُ ذَاك عَلى رَغْمِهِ ودَغْمِهِ وشَنَّغْمِهِ؛). اهـ

 

** وفي كتاب :(المخصص)، لابن سيده (4/ 89):

(أدغمه الْأَمر): سَاءَهُ وأرغمه، وَمن دُعَائِهِمْ: رَغْماً دَغْماً شِنَّغْماً، ويروى بِالْعينِ غير مُعْجمَة،

 

 

** وَ (مررت بهم أَجْمَعِينَ أكتعين أبصعين). اهـ

** و (رأَيت الْقَوْمَ أَجمعين أَكْتَعِين أَبْصَعِينَ أَبتعين)، تُوكَّدُ الْكَلِمَةُ بِهَذِهِ التواكِيدِ كُلِّهَا،

** وَلَا يُقَدَّمُ (كُتَعُ) عَلَى جُمَعَ فِي التأْكيد، وَلَا يُفْرَدُ لأَنه إِتباع لَهُ،

** وَيُقَالُ إِنه مأْخوذ مِنْ قَوْلِهِمْ: (أَتى عَلَيْهِ حَوْلٌ كَتِيعٌ) أَي تامٌّ. اهـ من كتاب:

(لسان العرب) (8/ 305)

 

** وفي (شرح الكافية الشافية)، لابن مالك (3/ 1172):

** وقد يجاء بعد “أجمع”1 بـ”أكتع”.

** وبعد “جمعاء” بـ”كتعاء”.

** وبعد “أجمعين” بـ”أكتعين”.

** وبعد “جمع” بـ”كتع”.

** وقد يجاء بعد “أكتع” و”كتعاء” و”أكتعين” و”كتع”.بـ”أبصع” و”بصعاء” وأبصعين” و”بصع”.

** وزاد الكوفيون بعد “أبصع” و”بصعاء” و”أبصعين” و”بصع”: “أبتع” و”بتعاء” و “أبتعين” و”بتع”.

** ولا يجاء بـ”أكتع” وأخواته -غالبا- إلا بعد “أجمع”. وأخواته على الترتيب.

** وشذ قول بعضهم: “أجمع أبصع”.

** وإنما حق “أبصع” إن يجيء بعد “أكتع”.

** وأشذ من “أجمع أبصع”1 قول بعضهم: “جمع بتع”.

** وإنما حق “أبتع” و”بتعاء” و”أبتعين” و”بتع” أن يجاء بهن آخرًا….الخ). اهـ

 

** والله الموفق.

 

** كتبها: أبوعبد الله أحمد بن ثابت الوصابي

** الجمعة 6/ 3 / 1438 هـ

 

** ومن أحب الاطلاع على الفوائد السابقة فمن الموقع الرسمي على الرابط:

https://binthabt.al3ilm.com/11613

==========================

103 من أعظم ما يسأل العبد ربه: العفو والعافية في الدنيا والآخرة

سلسلة الفوائد اليومية: 

من أعظم ما يسأل العبد ربه

العفو والعافية في الدنيا والآخرة

 

** عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ رضي الله عنه، قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ عَلِّمْنِي شَيْئًا أَدْعُو بِهِ، فَقَالَ: ” سَلِ اللهَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ ” قَالَ: ثُمَّ أَتَيْتُهُ مَرَّةً أُخْرَى، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ عَلِّمْنِي شَيْئًا أَدْعُو بِهِ، قَالَ: فَقَالَ: ” يَا عَبَّاسُ، يَا عَمَّ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، سَلِ اللهَ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ” رواه أحمد وغيره, وصححه الألباني.

** عَنْ مُعَاذ بْن رِفَاعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَامَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، عَلَى الْمِنْبَرِ ثُمَّ بَكَى فَقَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ الأَوَّلِ عَلَى الْمِنْبَرِ ثُمَّ بَكَى فَقَالَ: اسْأَلُوا اللَّهَ العَفْوَ وَالعَافِيَةَ، فَإِنَّ أَحَدًا لَمْ يُعْطَ بَعْدَ اليَقِينِ خَيْرًا مِنَ العَافِيَةِ. رواه الترمذي وغيره، وصححه الألباني.

** تحفة الأحوذي (9/ 348)

** قَوْلُهُ (أسْأَلُهُ اللَّهَ) أَيِ أَطْلُبُهُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى

(سَلِ اللَّهَ الْعَافِيَةَ) فِي أَمْرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْعَبَّاسِ بِالدُّعَاءِ بِالْعَافِيَةِ بَعْدَ تَكْرِيرِ الْعَبَّاسِ سُؤَالَهُ بِأَنْ يُعَلِّمَهُ شَيْئًا يَسْأَلُ اللَّهَ بِهِ دَلِيلٌ جَلِيٌّ بِأَنَّ الدُّعَاءَ بِالْعَافِيَةِ لَا يُسَاوِيهِ شَيْءٌ مِنَ الْأَدْعِيَةِ وَلَا يَقُومُ مَقَامَهُ شَيْءٌ مِنَ الْكَلَامِ الَّذِي يُدْعَى بِهِ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ.

** وَقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ مَعْنَى (الْعَافِيَةِ): أَنَّهَا دِفَاعُ اللَّهِ عَنِ الْعَبْدِ.

** فَالدَّاعِي بِهَا قَدْ سَأَلَ رَبَّهُ دِفَاعَهُ عَنْ كُلِّ مَا يَنْوِيهِ.

** وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُنْزِلُ عَمَّهُ الْعَبَّاسَ مَنْزِلَةَ أَبِيهِ وَيَرَى لَهُ مِنَ الْحَقِّ مَا يَرَى الْوَلَدُ لِوَالِدِهِ فَفِي تَخْصِيصِهِ بِهَذَا الدُّعَاءِ وَقَصْرِهِ عَلَى مُجَرَّدِ الدُّعَاءِ بِالْعَافِيَةِ تَحْرِيكٌ لِهِمَمِ الرَّاغِبِينَ عَلَى مُلَازَمَتِهِ وَأَنْ يَجْعَلُوهُ مِنْ أَعْظَمِ مَا يَتَوَسَّلُونَ بِهِ إِلَى رَبِّهِمْ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَيَسْتَدْفِعُونَ بِهِ فِي كُلِّ مَا يُهِمُّهُمْ.

** ثُمَّ كَلَّمَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ:(سَلِ اللَّهَ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ)

** فَكَانَ هَذَا الدُّعَاءُ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ قَدْ صَارَ عُدَّةً لِدَفْعِ كُلِّ ضُرٍّ وَجَلْبِ كُلِّ خَيْرٍ.

** وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ جِدًّا.

** قَالَ الْجَزَرِيُّ فِي (عِدَّةِ الْحِصْنِ الْحَصِينِ): لَقَدْ تَوَاتَرَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم دعاءه بِالْعَافِيَةِ، وَوَرَدَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لفظا ومعنى من نحو من خَمْسِينَ طَرِيقًا. اهـ

** قال الشاعر، وهو منصور الفقيه:

رأيت البلاء كقطر السَّماء  ***  وما تنبت الأرض من ناميه

فلا  تسألنّ  إذا  ما سألت   ***  إلهك  شيئاً  سوى   العافية

** والله الموفق.

** كتبها: أبوعبد الله أحمد بن ثابت الوصابي

** الأربعاء 4/ 3 / 1439 هـ

** ومن أحب الاطلاع على الفوائد السابقة فمن الموقع الرسمي على الرابط:

https://binthabt.al3ilm.com/11613

==========================

102 الْجَزَاءُ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ

سلسلة الفوائد اليومية: 

الْجَزَاءُ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ

 

** إن من أعظم القواعد الشرعية والسنن الربانية التي لا تتخلف ولا تتغير قاعدة:(الْجَزَاءُ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ)، وهي أن يجازي الله العبد من جنس عمله في الخير والشر؛ ليعرف العباد عدل الله وحكمته ورحمته، وليرغبوا في فعل الطاعات ويحذروا من ارتكاب المعاصي والمنكرات؛ فإن الْجَزَاءً مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ.

** قال الله تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ}

** وفي الحيث: [يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا، فَلْيَحْمَدِ اللهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ، فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ»] رواه مسلم (4/ 1994) برقم:(2577) عَنْ أَبِي ذَرٍّ، رضي الله عنه. 

 

** وقد دلت الأدلة الكثيرة المتكاثرة من الكتاب والسنة على هذه القاعدة العظيمة.

** فمن ذلك قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}

 

** أي: إن تنصروا دين الله وشريعته بالعمل بها، فعلا للمأمورات وتركا للمنهيات، ينصركم الله على أنفسكم، وأعدائكم من شياطين الجنّ والإنس، فإن الجزاء من جنس العمل.

 

** وقوله تعالى: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ}

** وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ}.

** وقوله تعالى: {لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ}

** وقوله تعالى: {وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا}

** وقوله تعالى: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ”

** وقوله تعالى:”وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ}

** وقَوْله تَعَالَى {وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ}

** وقوله تعالى:{إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}

 

** وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ، يَسَّرَ اللهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَاللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ . . . ) الحديث رواه مسلم (4/ 2074)برقم:(2699)

 

** وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً “

 

** وعَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” مَنْ لَا يَرْحَمْ لَا يُرْحَمْ، وَمَنْ لَا يَغْفِرْ لَا يُغْفَرْ لَهُ ” رواه أحمد وصححه الألباني

 

** قال ابن القيم في كتابه:(إعلام الموقعين),(1/ 150):

** وَلِذَلِكَ كَانَ الْجَزَاءُ مُمَاثِلًا لِلْعَمَلِ مِنْ جِنْسِهِ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ،

فَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ،

** وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ،

** وَمَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ،

** وَمَنْ أَقَالَ نَادِمًا أَقَالَهُ اللَّهُ عَثْرَتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ،

** وَمَنْ تَتَبَّعَ عَوْرَةَ أَخِيهِ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ،

** وَمَنْ ضَارَّ مُسْلِمًا ضَارَّ اللَّهُ بِهِ،

** وَمَنْ شَاقَّ شَاقَّ اللَّهُ عَلَيْهِ،

** وَمَنْ خَذَلَ مُسْلِمًا فِي مَوْضِعٍ يَجِبُ نُصْرَتُهُ فِيهِ خَذَلَهُ اللَّهُ فِي مَوْضِعٍ يَجِبُ نُصْرَتُهُ فِيهِ،

** وَمَنْ سَمَحَ سَمَحَ اللَّهُ لَهُ،

** وَالرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمْ الرَّحْمَنُ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ،

** وَمَنْ أَنْفَقَ أَنْفَقَ عَلَيْهِ،

** وَمَنْ أَوْعَى أَوْعَى عَلَيْهِ،

** وَمَنْ عَفَا عَنْ حَقِّهِ عَفَا اللَّهُ لَهُ عَنْ حَقِّهِ،

وَمَنْ تَجَاوَزَ تَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهُ،

** وَمَنْ اسْتَقْصَى اسْتَقْصَى اللَّهُ عَلَيْهِ؛

** فَهَذَا شَرْعُ اللَّهِ وَقَدَرُهُ وَوَحْيُهُ وَثَوَابُهُ وَعِقَابُهُ كُلُّهُ قَائِمٌ بِهَذَا الْأَصْلِ، وَهُوَ إلْحَاقُ النَّظِيرِ بِالنَّظِيرِ، وَاعْتِبَارُ الْمِثْلِ بِالْمِثْلِ. اهـ المراد

 

 

** وما أحسن هذه الأبيات- وتنسب للأمام الشافعي,رحمه الله تعالى:

 

عِفُّواْ تَعِفَّ نِسَاؤُكُمْ في المحْرَمِ *** وَتَجَنَّبُواْ  مَا  لاَ  يَلِيقُ  بِمُسْلِمِ

مَنْ يَزْنِ  في بَيْتٍ  بألفَي درهمٍ *** في  بَيْتِهِ  يُزْنَى  بِدُونِ  دَرَاهِمِ

مَنْ  يَزْنِ  يُزْنَ بِهِ وَلَوْ بجِدَارِهِ *** إِنْ  كُنْتَ  يَا  هَذَا  لَبِيبَاً  فَافْهَمِ

إِنَّ  الزِّنَا  دَيْنٌ  فإِنِ   اقْرَضْتهُ *** كَانَ الوَفَا مِن أَهْلِ بَيْتِكَ فَاعْلَمِ

 

** وقال آخر:

وَمَا مِنْ يَدٍ  إِلَّا يَدُ اللَّهِ  فَوْقَهَا *** وَلَا  ظَالِمٍ  إِلَّا  سَيُبلَى   بِظَالِمٍ

 

** وقال آخر:

اصبر على الظلم و لا تنتصر*** فالظلم مردود على الظالم

 

** وقال آخر:

و كم من حافر حفرة لامرئ*** سيصرعه البغي فيما احتفر

 

** وقال آخر:

قضى الله أن البغي يصرع أهله *** و أن على الباغي تدور الدوائر

ومن يحتفر  بئراً  ليوقع  غيره *** سيوقع في البئر الذي هو حافر

 

** وقال آخر:

ومن يبغ أو يسعى إلى الناس ظالما*** يقع غير شك لليدين وللفم

 

** وأنشد الأزدي:

وقِّر مشايخ أهل العلم قاطبة * * *  حتى تُوقَّرَ إن أفضى بك الكبرُ

واخدم أكابرهم حتى تنال به * * *  مثلاً بمثلٍ إذا ما شارف العُمُرُ

 

** والله الموفق.

 

** كتبها: أبوعبد الله أحمد بن ثابت الوصابي

** السبت 29/ 2 / 1439 هـ

 

** ومن أحب الاطلاع على الفوائد السابقة فمن الموقع الرسمي على الرابط:

https://binthabt.al3ilm.com/11613

==========================

101 ذكر بعض الأحاديث الضعيفة والموضوعة في الطب

سلسلة الفوائد اليومية: 

ذكر بعض الأحاديث الضعيفة والموضوعة في الطب

 

 

** (ذكر بعض الأحاديث الضعيفة والموضوعة في الطب)

** قال الله تعالى: {قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ}

** وقال تعالى: {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ (*) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}

** وقال تعالى: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً}

** وعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شعبة رضي اللَّهُ عَنْهُ، قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ، فَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» متفق عليه.

** وعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «مَنْ حَدَّثَ عَنِّي بِحَدِيثٍ يُرَى أَنَّهُ كَذِبٌ، فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبِينَ»

رواه مسلم وغيره.

** وفي (شرح النووي على مسلم),(1/ 64):

** فَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:(يُرَى أَنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبِينَ) ضَبَطْنَاهُ (يُرَى) بِضَمِّ الْيَاءِ وَ(الْكَاذِبِينَ) بِكَسْرِ الْبَاءِ وَفَتْحِ النُّونِ عَلَى الْجَمْعِ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي اللَّفْظَتَيْنِ.

** قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: الرِّوَايَةُ فِيهِ عِنْدنَا (الْكَاذِبِينَ) عَلَى الْجَمْعِ، وَرَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ الْأَصْبَهَانِيُّ فِي كتابه المستخرج على صحيح مسلم في حَدِيثُ سَمُرَةَ (الْكَاذِبَيْنِ) بِفَتْحِ الْبَاءِ وَكَسْرِ النُّونِ على التثنية، واحتج به على أن الراوي له يُشَارِكَ الْبَادِئَ بِهَذَا الْكَذِبِ ثُمَّ رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ رِوَايَةِ الْمُغِيرَةِ (الْكَاذِبَيْنِ أَوِ الْكَاذِبِينَ) عَلَى الشَّكِّ فِي التَّثْنِيَةِ وَالْجَمْعِ.

** وَذَكَرَ بَعْضُ الأئمة جواز فتح الياء من (يُرَى) وَهُوَ ظَاهِرٌ حَسَنٌ

** فَأَمَّا مَنْ ضَمَّ الْيَاءَ فَمَعْنَاهُ يَظُنُّ، وَأَمَّا مَنْ فَتَحَهَا فَظَاهِرٌ وَمَعْنَاهُ وَهُوَ يَعْلَمُ،

** وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى يَظُنُّ أَيْضًا فَقَدْ حُكِيَ رَأَى بِمَعْنَى ظَنَّ.

** وَقُيِّدَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَأْثَمُ إِلَّا بِرِوَايَتِهِ مَا يَعْلَمُهُ أَوْ يَظُنُّهُ كَذِبًا،

** أَمَّا مَا لَا يَعْلَمُهُ وَلَا يَظُنُّهُ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ فِي رِوَايَتِهِ وَإِنْ ظَنَّهُ غَيْرُهُ كَذِبًا أَوْ عَلِمَهُ.

** وَأَمَّا فِقْهُ الْحَدِيثِ: فَظَاهِرٌ، فَفِيهِ تَغْلِيظُ الْكَذِبِ وَالتَّعَرُّضُ لَهُ وَأَنَّ مَنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ كَذِبُ مَا يَرْوِيهِ فَرَوَاهُ كَانَ كَاذِبًا، وَكَيْفَ لَا يَكُونُ كَاذِبًا وَهُوَ مُخْبِرٌ بِمَا لَمْ يَكُنْ.

** وَسَنُوَضِّحُ حَقِيقَةَ الْكَذِبِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِالْكَذِبِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرِيبًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. اهـ

 

** قال ابن قيم الجوزية في كتابه: (المنار المنيف في الصحيح والضعيف) (ص: 43):

** فَصْلٌ-5-

** وَسُئِلْتُ: هَلْ يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ الْحَدِيثِ الْمَوْضُوعِ بِضَابِطٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُنْظَرَ فِي سَنَدِهِ؟

** فَهَذَا سُؤَالٌ عَظِيمُ الْقَدْرِ وَإِنَّمَا يَعْلَمُ ذَلِكَ مَنْ تَضَلَّعَ فِي مَعْرِفَةِ السَّنَنِ الصَّحِيحَةِ وَاخْتَلَطَتْ بِلَحْمِهِ وَدَمِّهِ وَصَارَ لَهُ فِيهَا مَلَكَةٌ وَصَارَ لَهُ اخْتِصَاصٌ شَدِيدٌ بِمَعْرِفَةِ السُّنَنِ وَالآثَارِ وَمَعْرِفَةِ سِيرَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهَدْيِهِ فِيمَا يَأْمُرُ بِهِ وَيَنْهَى عَنْهُ وَيُخْبِرُ عَنْهُ وَيَدْعُو إِلَيْهِ وَيُحِبُّهُ وَيَكْرَهُهُ وَيُشْرِعُهُ لِلأُمَّةِ بحيث كَأَنَّهُ مُخَالِطٌ لِلرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَوَاحِدٍ مِنَ أَصَحَابِهِ.

** فَمِثْلُ هَذَا يَعْرِفُ مِنْ أَحْوَالِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهَدْيِهِ وَكَلامِهِ وَمَا يَجُوزُ أَنْ يُخْبِرَ بِهِ وَمَا لا يَجُوزُ مَا لا يَعْرِفُهُ غَيْرُهُ

** وَهَذَا شَأْنُ كُلِّ مُتَّبِعٍ مَعَ مَتْبُوعِهِ فَإِنَّ لِلأَخَصِّ بِهِ الْحَرِيصَ عَلَى تَتَبُّعِ أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ مِنَ الْعِلْمِ بِهَا وَالتَّمْيِيزِ بَيْنَ مَا يَصِحُّ أَنْ يُنْسَبَ إِلَيْهِ وَمَا لا يَصِحُّ مَا لَيْسَ لِمَنْ لا يَكُونُ كَذَلِكَ وَهَذَا شَأْنُ الْمُقَلِّدِينَ مَعَ أَئِمَّتِهِمْ يَعْرِفُونَ أَقْوَالَهُمْ وَنُصُوصَهُمْ وَمَذَاهِبَهُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. اهـ

 

** وقال أيضا المنار في (ص: 51)

فَصْلٌ-7-

وَمِنْهَا: 2-تَكْذِيبُ الْحِسِّ لَهُ كَحَدِيثِ:

** “الْبَاذِنْجَانُ لِمَا أُكِلَ لَهُ”.

** “وَالْبَاذِنْجَانُ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ”. قَبَّحَ اللَّهُ وَاضِعَهُمَا فَإِنَّ هَذَا لَوْ قَالَهُ يُوحَنِّسُ أَمْهَرُ الأَطِبَّاءِ لسخر النَّاسُ مِنْهُ وَلَوْ أُكِلَ الْبَاذِنْجَانُ للحمى والسوداء الغالبة وَكَثِيرٍ مِنَ الأَمْرَاضِ لَمْ يَزِدْهَا إِلا شِدَّةً وَلَوْ أَكَلَهُ فَقِيرٌ لِيَسْتَغْنَى لَمْ يُفِدْهُ الْغِنَى أَوْ جَاهِلٌ لِيَتَعَلَّمَ لَمْ يُفِدْهُ الْعِلْمُ.

 

** وقال أيضا المنار في (ص: 64)

فَصْلٌ-14-

وَمِنْهَا: 9-أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ بوصف الأطباء والطرقية أشبه وأليق.

كحديث “الهريسة تشد الظهر”.

** وكحديث “أكل السمك يوهن الجسد”.

** وَحَدِيثِ “الَّذِي شَكَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِلَّةَ الْوَلَدِ فَأَمَرَهُ أَنْ يَأْكُلَ الْبَيْضَ والبصل”.

** وحديث “أتاني جبريل بهريسة من الْجَنَّةِ فَأَكَلْتُهَا فَأُعْطِيتُ قُوَّةَ أَرْبَعِينَ رَجُلا فِي الجماع”.

** وَحَدِيثِ “الْمُؤْمِنُ حُلْوٌ يحب الحلاوة”.

** وَرَوَاهُ الْكَذَّابُ الأَشَرُّ بِلَفْظٍ آخَرَ “الْمُؤْمِنُ حُلْوِيٌّ والكافر خمري”.

** وَحَدِيثِ “كُلُوا التَّمْرَ عَلَى الرِّيقِ فَإِنَّهُ يَقْتُلُ الدود”.

** وَحَدِيثِ “أَطْعِمُوا نِسَاءَكُمْ فِي نِفَاسِهِنَّ التمر”.

** وَحَدِيثِ “مَنْ لَقَّمَ أَخَاهُ لُقْمَةً حُلْوَةً صَرَفَ اللَّهُ عَنْهُ مَرَارَةَ الموقف”.

** وَحَدِيثِ “مَنْ أَخَذَ لُقْمَةً مِنْ مَجْرَى الْغَائِطِ أَوِ الْبَوْلِ فَغَسَلَهَا ثُمَّ أَكَلَهَا غُفِرَ لَهُ”.

** وَحَدِيثِ “النَّفْخُ فِي الطَّعَامِ يُذْهِبُ البركة”.

** وَحَدِيثِ “إِذَا طَنَّتْ أُذُنُ أَحَدِكُمْ فَلْيُصَلِّ عَلَيَّ وَلْيَقُلْ: ذَكَرَ اللَّهُ مَنْ ذَكَرَنِي بِخَيْرٍ” وَكُلُّ حَدِيثٍ فِي طَنِينِ الأُذُنِ فَهُوَ كِذْبٌ. اهـ المراد

 

**((تنبيه)): الْهَرِيسَةُ عند العرب: طَعَامٌ يُتَّخَذُ مِنَ الْحَبُّ الْمَدْقُوق وَاللَّحْمِ، وَأَطْيَبُهُ مَا يُتَّخَذُ مِنَ الْحِنْطَةِ وَلَحْمِ الدِّيكِ.

وعند المتأخرين: نَوع من الْحَلْوَى يصنع من الدَّقِيق وَالسمن وَالسكر.

 

** انظر: (المصباح المنير في غريب الشرح الكبير)، (2/ 637)

و(المعجم الوسيط)، (2/ 981)

و(عون المعبود وحاشية ابن القيم)، (1/ 99)

 

 

** وهذه بعض الأحاديث الضعيفة والموضوعة من كتاب:(ضعيف الجامع الصغير وزيادته)

 

 

3753 – (عليكم بالأترج فإنه يشد الفؤاد).

** (ضعيف) (رواه الديلمي في ” مسند الفردوس “) عن عبد الرحمن بن دلهم معضلا.

 

3754 -(عليكم بألبان الإبل والبقر فإنها ترم من الشجر كله وهو دواء من كل داء).

** (ضعيف) (رواه ابن عساكر) عن طارق بن شهاب.

 

3758 – (عليكم بالحجامة في جوزة القمحدوة فإنها دواء من اثنين وسبعين داء وخمسة أدواء: من الجنون والجذام والبرص ووجع الأضراس).  

** (ضعيف) (رواه الطبراني وابن السني أبو نعيم) عن صهيب.

 

وفي كتاب:(التيسير بشرح الجامع الصغير), (2/ 140):

** (عَلَيْكُم بالحجامة فِي جوز القمحدوة) بِفَتْح الْقَاف وَالْمِيم وَسُكُون الْمُهْملَة وَضم الدَّال الْمُهْملَة وَفتح الْوَاو نقرة الْقَفَا

** (فَإِنَّهَا دَوَاء من اثْنَيْنِ وَسبعين دَاء وَخَمْسَة أدواء من الْجُنُون والجذام والبرص ووجع الأضراس)

أَي وَخَمْسَة أدواء زِيَادَة على ذَلِك فَذكر خَمْسَة وعد أَرْبعا فَكَأَن الْخَامِسَة سَقَطت من بعض الروَاة أَو من بعض النساخ. اهـ

 

3760 – (عليكم بالحناء فإنه ينور رءوسكم ويطهر قلوبكم ويزيد في الجماع وهو شاهد في القبر)

** (ضعيف) (رواه ابن عساكر) عن واثلة.

 

3761 – (عليكم بالزبيب فإنه يكشف المرة ويذهب بالبلغم ويشد العصب ويذهب بالعياء ويحسن الخلق ويطيب النفس ويذهب بالهم).

** (موضوع) (رواه أبو نعيم) عن علي.

 

3764 – (عليكم بالسواك فنعم الشيء السواك, يذهب بالحفر وينزع البلغم ويجلو البصر ويشد اللثة ويذهب بالبخر ويصلح المعدة ويزيد في درجات الجنة ويحمد الملائكة ويرضي الرب ويسخط الشيطان).

** (ضعيف) (رواه عبد الجبار الخولاني في تاريخ داريا) عن أنس.

 

3765 – (عليكم بالشفاءين: العسل والقرآن).

** (ضعيف) (رواه البيهقي والحاكم) عن ابن مسعود.

 

3772 – (عليكم بالقرع فإنه يزيد في الدماغ وعليكم بالعدس فإنه قدس على لسان سبعين نبيا).   (ضعيف) (الطبراني) عن واثلة.

 

3773 – (عليكم بالقرع فإنه يزيد في العقل ويكبر الدماغ).

** (موضوع) (رواه البيهقى فى شعب الإيمان) عن عطاء مرسلا.

 

3776 – (عليكم بالكحل فإنه ينبت الشعر ويشد العين).

** (موضوع) (رواه البغوي في مسند عثمان) عن جابر.

 

3784 – (عليكم بزيت الزيتون فكلوه وادهنوا به فإنه ينفع من الباسور).

** (موضوع) (رواه ابن السني) عن عقبة بن عامر.

 

3785 – (عليكم بسيد الخضاب الحناء يطيب البشرة ويزيد في الجماع).

** (ضعيف) (رواه ابن السني وأبو نعيم) عن أبي رافع.

 

3794 – (عليكم بهذه الشجرة المباركة زيت الزيتون فتداووا به فإنه مصحة من الباسور).

** (ضعيف) (رواه الطبراني وأبو نعيم) عن عقبة بن عامر.

 

4606 – (كان يكره الكي والطعام الحار ويقول: عليكم بالبارد فإنه ذو بركة ألا وإن الحار لا بركة له).

** (موضوع) (رواه أبو نعيم في الحلية) عن أنس.

 

1637 – (إن الله تعالى لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم).

** (ضعيف جدا) (رواه الطبراني) عن أم سلمة.

 

2756 – (الحجامة في الرأس شفاء من سبع إذا ما نوى صاحبها: من الجنون والصداع والجذام والبرص والنعاس ووجع الضرس وظلمة يجدها في عينيه).

** (ضعيف) (رواه الطبراني وأبو نعيم) عن ابن عباس.

 

2759 – (الحجامة يوم الأحد شفاء).

** (موضوع) (رواه الديلمي في ” مسند الفردوس “) عن جابر و(عبد الملك بن حبيب في الطب النبوي) عن عبد الكريم الحضرمي معضلا.

 

2969 – (درهم حلال يشترى به عسل ويشرب بماء المطر شفاء من كل داء).

** (ضعيف جدا) (رواه الديلمي في ” مسند الفردوس “) عن أنس.

 

3360 – (السواك شفاء من كل داء إلا السام والسام الموت).

** (ضعيف) (رواه الديلمي في ” مسند الفردوس “) عن عائشة.

 

3904 – (غبار المدينة شفاء من الجذام).

** (ضعيف) (رواه أبو نعيم في الطب) عن ثابت بن قيس بن شماس.

 

3951 – (فاتحة الكتاب شفاء من كل داء).

** (موضوع) (رواه البيهقى فى شعب الإيمان) عن عبد الملك بن عمير مرسلا.

 

4202 – (كلوا الزيت وادهنوا به فإن فيه شفاء من سبعين داء منها الجذام).

** (ضعيف) (رواه أبو نعيم في الطب) عن أبي هريرة.

 

5518 – (من تداوى بحرام لم يجعل الله فيه شفاء).

** (ضعيف) (رواه أبو نعيم في الطب) عن أبي هريرة.

 

1139 – (أكل السفرجل يذهب بطخاء القلب).

** (ضعيف) (رواه القالي في أماليه) أنس.

 

4002 – (في السواك عشر خصال: يطيب الفم ويشد اللثة ويجلو البصر ويذهب البلغم ويذهب الحفر ويوافق السنة ويفرح الملائكة ويرضي الرب ويزيد في الحسنات ويصحح المعدة).

** (ضعيف) (رواه أبو الشيخ في الثواب أبو نعيم في كتاب السواك) عن ابن عباس.

 

4201 – (كلوا التين فلو قلت: إن فاكهة نزلت من الجنة بلا عجم لقلت هي التين وإنه يذهب بالبواسير وينفع من النقرس).

** (ضعيف) (رواه ابن السني أبو نعيم فر) عن أبي ذر.

 

2374 – (البطيخ قبل الطعام يغسل البطن غسلا ويذهب بالداء أصلا).

** (ضعيف) (رواه ابن عساكر) عن بعض عمات النبي صلى الله عليه وسلم وقال: شاذ لا يصح.

 

وفي كتاب:(كشف الخفاء) لأبي الفداء إسماعيل بن محمد العجلوني (2/ 518):

** وباب فضل العدس والباقلاء والجبن والجوز والباذنجان والرمان

والزبيب؛ لم يصح فيه شيء.

** وإنما وضع الزنادقة في هذه الأبواب أحاديث وأدخلوها في كتب المحدثين شينًا للإسلام – خذلهم الله.

** وباب فضل اللحم، وأن أفضل طعام الدنيا والآخرة اللحم؛ لم يثبت فيه شيء.

** وباب النهي عن قطع اللحم بالسكين؛ لم يثبت فيه شيء.

** وباب فضل الهريسة؛ لم يثبت فيه شيء، والجزء المشهور في ذلك؛ مجموع مفترى.

** وباب النهي عن أكل الطين؛ لم يثبت فيه شيء.

** وباب الأكل في السوق؛ لم يثبت فيه شيء.

** وباب فضائل البطيخ؛ لم يثبت فيه شيء، وأحاديث كتاب البطيخ؛ مجموعها باطل وموضوع،

** والثابت من تلك الجملة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأكل البطيخ.

** وباب فضائل النرجس والمردقوش والبنفسج والبان؛ لم يثبت فيه حديث، وحديث “من شم الورد”، وحديث “خلق الورد من عرقي”، وأمثال هذا؛ كلها موضوعة باطلة.

** وباب فضائل الديك الأبيض؛ لم يثبت فيه شيء والحديث المسلسل المشهور فيه: “الديك الأبيض صديقي”؛ باطل موضوع.

** وباب فضائل الحناء؛ ليس فيه شيء صحيح. اهـ

 

** والله الموفق.

 

** كتبها: أبوعبد الله أحمد بن ثابت الوصابي

** الخميس 27/ 2 / 1439 هـ

 

** ومن أحب الاطلاع على الفوائد السابقة فمن الموقع الرسمي على الرابط:

https://binthabt.al3ilm.com/11613

==========================

100 خذ من الأمور أيسرها واترك ما عسر منها

سلسلة الفوائد اليومية: 

خذ من الأمور أيسرها واترك ما عسر منها

 

** عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «يَسِّرُوا وَلاَ تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا، وَلاَ تُنَفِّرُوا» متفق عليه

** عَنْ مِحْجَنِ بْنِ الأَدْرَعِ رضي الله عنه أَنّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ رَضِيَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ الْيُسْرَ وَكَرِهَ لَهَا الْعُسْرَ قَالَهَا ثَلاثَ مَرَّاتٍ. رواه الطبراني وصححه الألباني.

** عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَيْسَرُ مِنَ الْآخَرِ، إِلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا، مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا، فَإِنْ كَانَ إِثْمًا، كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ» متفق عليه، وهذا لفظ مسلم.

 

** وفي كتاب:(مجمع الحكم والأمثال) لأحمد قبش (8/ 325):

قال: أبو سليمان الغنوي

فـسـلِ الـفـقـيـهَ تـكـنْ فـقـيـهـاً مـثـلـهُ *** لا خـيـرَ فـي عـلـمٍ بـغـيـر تـدبـرِ

وإِذا تـعـسـرتِ الأمـورُ   فـأرجـهـا *** وعـليـكَ بـالأمـرِ الـذي لم يَعْسُرِ

 

** وفي كتاب:(الاستيعاب في معرفة الأصحاب)، لابن عبد البر

(1/ 373):

وكان عمرو بن معد يكرب شاعراً محسناً، ومما يستحسن من شعره قوله:

إِذَا لَـمْ تَـسْـتَـطِـعْ شَـيْـئًا فَـدَعْهُ***    وَجَـاوِزْهُ إِلَـى مَا تَسْتَطِيعُ

 

** وفي كتاب:(وفيات الأعيان) -لابن خلكان (2/ 247)

ويحكى عنه [يعني: الخليل بن أحمد الفراهيدي] أنه قال: كان يتردد إلىّ شخص يتعلم العروض وهو بعيد الفهم، فأقام مدة ولم يعلق على خاطره شيء منه، فقلت له يوماً: قطع هذا البيت:

 

إِذَا   لَـمْ   تَـسْـتَـطِـعْ   شَـيْـئًا   فَـدَعْهُ *** وَجَـاوِزْهُ   إِلَـى   مَا   تَسْتَطِيعُ

 

فشرع معي في تقطيعه على قد معرفته، ثم نهض ولم يعد يجيء إلي، فعجبت من فطنته لما قصدته في البيت مع بعد فهمه. اهـ

** والله الموفق.

 

** كتبها: أبوعبد الله أحمد بن ثابت الوصابي

** الإثنين 24/ 2 / 1439 هـ

 

** ومن أحب الاطلاع على الفوائد السابقة فمن الموقع الرسمي على الرابط:

https://binthabt.al3ilm.com/11613

==========================

99 ذكر غزوات النبي صلى الله عليه وسلم وَبُعُوثِهِ وَسَرَايَاهُ

سلسلة الفوائد اليومية: 

99 ذكر غزوات النبي صلى الله عليه وسلم وَبُعُوثِهِ وَسَرَايَاهُ

 

** قال ابن القيم في كتابه القيم :(زاد المعاد)، (1/ 125):

[فَصْلٌ فِي غَزَوَاتِهِ وَبُعُوثِهِ وَسَرَايَاهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ]

 

** غَزَوَاتُهُ كُلُّهَا وَبُعُوثُهُ وَسَرَايَاهُ كَانَتْ بَعْدَ الْهِجْرَةِ فِي مُدَّةِ عَشْرِ سِنِينَ، فَالْغَزَوَاتُ سَبْعٌ وَعِشْرُونَ،

** وَقِيلَ: خَمْسٌ وَعِشْرُونَ،

** وَقِيلَ: تِسْعٌ وَعِشْرُونَ،

وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ،

 

** قَاتَلَ مِنْهَا فِي تِسْعٍ: بَدْرٍ، وَأُحُدٍ، وَالْخَنْدَقِ، وَقُرَيْظَةَ، وَالْمُصْطَلِقِ، وَخَيْبَرَ، وَالْفَتْحِ، وَحُنَيْنٍ، وَالطَّائِفِ.

** وَقِيلَ: قَاتَلَ فِي بَنِي النَّضِيرِ، وَالْغَابَةِ، وَوَادِي الْقُرَى مِنْ أَعْمَالِ خَيْبَرَ.

 

** وَأَمَّا سَرَايَاهُ وَبُعُوثُهُ، فَقَرِيبٌ مِنْ سِتِّينَ،

 

** وَالْغَزَوَاتُ الْكِبَارُ الْأُمُّهَاتُ سَبْعٌ: بَدْرٌ، وَأُحُدٌ، وَالْخَنْدَقُ، وَخَيْبَرُ، وَالْفَتْحُ، وَحُنَيْنٌ، وَتَبُوكُ.

 

** وَفِي شَأْنِ هَذِهِ الْغَزَوَاتِ نَزَلَ الْقُرْآنُ:

** فَسُورَةُ (الْأَنْفَالِ) سُورَةُ بَدْرٍ، وَفِي أُحُدٍ آخِرُ سُورَةِ (آلِ عِمْرَانَ) مِنْ قَوْلِهِ: {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ) تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ} [آل عمران: 121] [آلِ عِمْرَانَ 121] إِلَى قُبَيْلِ آخِرِهَا بِيَسِيرٍ،

** وَفِي قِصَّةِ الْخَنْدَقِ، وَقُرَيْظَةَ، وَخَيْبَرَ صَدْرُ (سُورَةِ الْأَحْزَابِ) ،

** وَسُورَةُ (الْحَشْرِ) فِي بَنِي النَّضِيرِ،

** وَفِي قِصَّةِ الْحُدَيْبِيَةِ وَخَيْبَرَ سُورَةُ (الْفَتْحِ) وَأُشِيرَ فِيهَا إِلَى الْفَتْحِ،

** وَذُكِرَ الْفَتْحُ صَرِيحًا فِي سُورَةِ (النَّصْرِ).

 

** وَجُرِحَ مِنْهَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ أُحُدٌ،

 

** وَقَاتَلَتْ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مِنْهَا فِي بَدْرٍ وَحُنَيْنٍ،

 

** وَنَزَلَتِ الْمَلَائِكَةُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، فَزَلْزَلَتِ الْمُشْرِكِينَ وَهَزَمَتْهُمْ، وَرَمَى فِيهَا الْحَصْبَاءَ فِي وُجُوهِ الْمُشْرِكِينَ فَهَرَبُوا،

 

** وَكَانَ الْفَتْحُ فِي غَزْوَتَيْنِ: بَدْرٍ، وَحُنَيْنٍ.

 

** وَقَاتَلَ بِالْمَنْجَنِيقِ مِنْهَا فِي غَزْوَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهِيَ الطَّائِفُ،

 

وَتَحَصَّنَ فِي الْخَنْدَقِ فِي وَاحِدَةٍ، وَهِيَ الْأَحْزَابُ أَشَارَ بِهِ عَلَيْهِ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. اهـ

 

** والله الموفق.

 

** كتبها: أبوعبد الله أحمد بن ثابت الوصابي

** الخميس 29/ 1 / 1438 هـ

 

** ومن أحب الاطلاع على الفوائد السابقة فمن الموقع الرسمي على الرابط:

https://binthabt.al3ilm.com/11613

==========================

98 مدح الشعر الحسن وذم القبيح منه، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم بشاعر، ولا ينبغي له ذلك

سلسلة الفوائد اليومية: 

98 مدح الشعر الحسن وذم القبيح منه، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم بشاعر، ولا ينبغي له ذلك

 

** الشعر كلام موزون مقفى، وهو كغيره من منثور الكلام حسنه حسن، وقبيحه قبيح.

 

** قال تعالى: {وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ*وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ*إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ}

 

** وقال تعالى: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ*وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ*وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ*تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ}

 

** وقال تعالى: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ}

 

** وعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حِكْمَةً» خ

 

** وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَعَلَ يَتَكَلَّمُ بِكَلَامٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ مِنَ البَيَانِ سِحْرًا، وَإِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حُكْمًا» رواه أبو داود وغيره، [وصححه الألباني]

 

** وفي كتاب:(النهاية في غريب الحديث والأثر)، (1/ 419):

(هـ) وَفِيهِ «إنَّ مِنَ الشِّعْر لحُكْمًا» أَيْ إِنَّ مِنَ الشِعر كَلَامًا نَافِعًا يَمْنَعُ مِنَ الْجَهْلِ والسَّفَه، ويَنهَى عَنْهُمَا.

قِيلَ: أَرَادَ بِهَا الموَاعِظ وَالْأَمْثَالَ الَّتِي يَنْتَفِعُ بِهَا النَّاسُ.

والحُكْم: العلْمُ وَالْفِقْهُ وَالْقَضَاءُ بِالْعَدْلِ، وَهُوَ مَصْدَرُ حَكَمَ يَحْكُم. ويُروَى «إِنَّ مِنَ الشِّعر لَحِكْمَة» وَهِيَ بِمَعْنَى الحُكْم. اهـ

 

** وفي كتاب:(فيض القدير)، (2/ 524):

2457 -(إن من البيان سحرا) أي إن بعض البيان سحرا لأن صاحبه يوضح المشكل ويكشف بحسن بيانه عن حقيقته فيستميل القلوب كما يستمال بالسحر فلما كان في البيان من صنوف التركيب وغرائب التأليف ما يجذب السامع إلى حد يكاد يشغله عن غيره شبه بالسحر الحقيقي قال صعصعة: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن الرجل يكون عليه الحق وهو ألحن بحجته من صاحبه فيسحر القوم ببيانه فيذهب بالحق.

(وإن من الشعر حكما) جمع حكمة أي قولا صادقا مطابقا للحق موافقا للواقع وذلك ما كان منه من قبيل المواعظ وذم الدنيا والتحذير من غرورها ونحو ذلك.

فبين المصطفى صلى الله عليه وسلم أن جنس البيان وإن كان محمودا ففيه ما يذم للمعنى السابق وجنس الشعر وإن كان مذموما ففيه ما يحمد لاشتماله على الحكمة وعبر بمن إشارة إلى أن بعضه ليس كذلك وفيه رد على من كره مطلق الشعر وأصل الحكمة المنع وبها سمي اللجام لأنه يمنع الدابة. اهـ

 

** وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا شَاعِرٌ كَلِمَةُ لَبِيدٍ:

[البحر الطويل]

أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللهَ بَاطِلٌ

وَكَادَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ أَنْ يُسْلِمَ» مسلم

 

** وعَنْ الشَّرِيدِ بن سويد الثقفي، رضي الله عنه قَالَ: رَدِفْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا، فَقَالَ: «هَلْ مَعَكَ مِنْ شِعْرِ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ شَيْءٌ؟» قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: «هِيهْ» فَأَنْشَدْتُهُ بَيْتًا، فَقَالَ: «هِيهْ» ثُمَّ أَنْشَدْتُهُ بَيْتًا، فَقَالَ: «هِيهْ» حَتَّى أَنْشَدْتُهُ مِائَةَ بَيْتٍ.  خ

 

** وعَنْ جُنْدُبِ بْنِ سُفْيَانَ رضي الله عنه، قال: بَيْنَمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْشِي إِذْ أَصَابَهُ حَجَرٌ، فَعَثَرَ، فَدَمِيَتْ إِصْبَعُهُ، فَقَالَ:

«هَلْ أَنْتِ إِلَّا إِصْبَعٌ دَمِيتِ … وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيتِ» متفق عليه

** وفي (شرح النووي على مسلم)، (12/ 118):

** قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:(أنا النبي لا كذب أنا بن عَبْدِ الْمُطَّلِبْ)

** قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: قَالَ الْمَازِرِيُّ: أَنْكَرَ بَعْضُ النَّاسِ كَوْنَ الرَّجَزِ شِعْرًا لِوُقُوعِهِ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى: {ومَا عَلَّمْنَاهُ الشَّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي له}، وَهَذَا مَذْهَبُ الْأَخْفَشِ وَاحْتُجَّ بِهِ عَلَى فَسَادِ مَذْهَبِ الْخَلِيلِ فِي أَنَّهُ شِعْرٌ.

** وَأَجَابُوا عَنْ هَذَا: بِأَنَّ الشِّعْرَ هُوَ مَا قُصِدَ إِلَيْهِ، وَاعْتَمَدَ الْإِنْسَانُ أَنْ يُوقِعَهُ مَوْزُونًا مُقَفًّى يَقْصِدُهُ إِلَى الْقَافِيَةِ.

** وَيَقَعُ فِي أَلْفَاظِ الْعَامَّةِ كَثِيرٌ مِنَ الْأَلْفَاظِ الْمَوْزُونَةِ، وَلَا يَقُولُ أَحَدٌ: إِنَّهَا شِعْرٌ، وَلَا صَاحِبُهَا شَاعِرٌ،

** وَهَكَذَا الْجَوَابُ عَمَّا فِي الْقُرْآنِ مِنَ الْمَوْزُونِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {لَنْ تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون}، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ}، ** وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا لَا يُسَمِّيهِ أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ شِعْرًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ تُقْصَدْ تَقْفِيَتُهُ وجعله شعرا.

** قَالَ: وَقَدْ غَفَلَ بَعْضُ النَّاسِ عَنْ هَذَا الْقَوْلِ، فَأَوْقَعَهُ ذَلِكَ فِي أَنْ قَالَ: الرِّوَايَةُ (أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبَ) بِفَتْحِ الْبَاءِ حِرْصًا مِنْهُ عَلَى أَنْ يُفْسِدَ الرَّوِيَّ فَيَسْتَغْنِيَ عَنِ الِاعْتِذَارِ، وَإِنَّمَا الرِّوَايَةُ بِإِسْكَانِ الْبَاءِ، هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي عَنِ الْمَازِرِيِّ.

** قُلْتُ: وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي جَعْفَرِ بْنِ عَلِيٍّ السَّعْدِيُّ الصَّقَلِّيُّ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْقَطَّاعِ فِي كتابه:(الشافي في علم القوافي):

قد رأي قَوْمٍ مِنْهُمُ الْأَخْفَشُ وَهُوَ شَيْخُ هَذِهِ الصِّنَاعَةِ بَعْدَ الْخَلِيلِ أَنَّ مَشْطُورَ الرَّجَزِ وَمَنْهُوكَهُ لَيْسَ بِشِعْرٍ كَقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(اللَّهُ مَوْلَانَا وَلَا مَوْلَى لَكُمْ)،

** وَقَوْلِهِ صَلَّى الله عليه وسلم:(هل أنت إلا أصبع دَمِيتِ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيتِ) ,

** وَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:(أَنَا النَّبِيُّ لَا كذب أنا بن عبد المطلب) وأشباه هذا،

** قال بن الْقَطَّاعِ: وَهَذَا الَّذِي زَعَمَهُ الْأَخْفَشُ وَغَيْرُهُ غَلَطٌ بَيِّنٌ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الشَّاعِرَ إِنَّمَا سُمِّيَ شَاعِرًا لِوُجُوهٍ:

** مِنْهَا: أَنَّهُ شَعَرَ الْقَوْلَ وَقَصَدَهُ وَأَرَادَهُ وَاهْتَدَى إِلَيْهِ وَأَتَى بِهِ كَلَامًا مَوْزُونًا عَلَى طَرِيقَةِ الْعَرَبِ مُقَفًّى.

** فَإِنْ خَلَا مِنْ هَذِهِ الْأَوْصَافِ أَوْ بَعْضِهَا لَمْ يَكُنْ شِعْرًا، وَلَا يَكُونُ قَائِلُهُ شَاعِرًا، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ كَلَامًا مَوْزُونًا عَلَى طَرِيقَةِ الْعَرَبِ وَقَصَدَ الشِّعْرَ، أَوْ أَرَادَهُ وَلَمْ يُقَفِّهِ لَمْ يُسَمَّ ذَلِكَ الْكَلَامُ شِعْرًا، وَلَا قَائِلُهُ شَاعِرًا بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ وَالشُّعَرَاءِ.

** وَكَذَا لَوْ قَفَّاهُ وَقَصَدَ بِهِ الشِّعْرَ وَلَكِنْ لَمْ يَأْتِ بِهِ مَوْزُونًا لَمْ يَكُنْ شِعْرًا ** وَكَذَا لَوْ أَتَى بِهِ مَوْزُونًا مُقَفًّى لَكِنْ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ الشِّعْرَ لَا يَكُونُ شِعْرًا، ** وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يَأْتُونَ بِكَلَامٍ مَوْزُونٍ مُقَفًّى غَيْرَ أَنَّهُمْ مَا قَصَدُوهُ وَلَا أَرَادُوهُ وَلَا يُسَمَّى شِعْرًا.

** وَإِذَا تُفُقِّدَ ذَلِكَ وُجِدَ كَثِيرًا فِي كَلَامِ النَّاسِ كَمَا قَالَ بَعْضُ السُّؤَّالِ: اخْتِمُوا صَلَاتَكُمْ بِالدُّعَاءِ وَالصَّدَقَةِ، وَأَمْثَالُ هَذَا كَثِيرَةٌ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْكَلَامَ الْمَوْزُونَ لَا يَكُونُ شِعْرًا إِلَّا بِالشُّرُوطِ الْمَذْكُورَةِ وَهِيَ الْقَصْدُ وَغَيْرُهُ مِمَّا سَبَقَ.

** وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَقْصِدْ بِكَلَامِهِ ذَلِكَ الشِّعْرَ وَلَا أَرَادَهُ فَلَا يُعَدُّ شِعْرًا وَإِنْ كَانَ مَوْزُونًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ. اهـ المراد

 

** وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ نَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْعَرْجِ إِذْ عَرَضَ شَاعِرٌ يُنْشِدُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «خُذُوا الشَّيْطَانَ، أَوْ أَمْسِكُوا الشَّيْطَانَ لَأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ رَجُلٍ قَيْحًا خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا» مسلم

 

** وفي (شرح النووي على مسلم)، (15/ 14):

** قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ وَالْغَرِيبِ:(يَرِيهِ) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الرَّاءِ مِنَ الْوَرْيِ، وَهُوَ دَاءٌ يُفْسِدُ الْجَوْفَ، وَمَعْنَاهُ: قَيْحًا يَأْكُلُ جَوْفَهُ وَيُفْسِدُهُ.

** قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: قَالَ بَعْضُهُمْ: الْمُرَادُ بِهَذَا الشِّعْرِ شِعْرٌ هُجِيَ بِهِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

** قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ وَالْعُلَمَاءُ كَافَّةً: هَذَا تَفْسِيرٌ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْمَذْمُومَ مِنَ الْهِجَاءِ أَنْ يَمْتَلِئَ مِنْهُ دُونَ قَلِيلِهِ،

** وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الْكَلِمَةَ الواحدة من هجاء النبي صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُوجِبَةٌ لِلْكُفْرِ.

** قَالُوا: بَلِ الصَّوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنْ يَكُونَ الشِّعْرُ غَالِبًا عَلَيْهِ مُسْتَوْلِيًا عَلَيْهِ بِحَيْثُ يَشْغَلُهُ عَنِ الْقُرْآنِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ وَذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهَذَا مَذْمُومٌ مِنْ أَيِّ شِعْرٍ كَانَ

** فَأَمَّا إِذَا كَانَ الْقُرْآنُ وَالْحَدِيثُ وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ هُوَ الْغَالِبُ عَلَيْهِ فَلَا يَضُرُّ حِفْظُ الْيَسِيرِ مِنَ الشِّعْرِ مَعَ هَذَا؛ لِأَنَّ جَوْفَهُ لَيْسَ مُمْتَلِئًا شِعْرًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

** وَاسْتَدَلَّ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى كَرَاهَةِ الشِّعْرِ مُطْلَقًا قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ وَإِنْ كَانَ لَا فُحْشَ فِيهِ، وَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:(خُذُوا الشَّيْطَانَ

** وَقَالَ الْعُلَمَاءُ كَافَّةً: هُوَ مُبَاحٌ مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ فُحْشٌ وَنَحْوُهُ.

** قَالُوا: وَهُوَ كَلَامٌ، حَسَنُهُ حَسَنٌ وَقَبِيحُهُ قَبِيحٌ.

** وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ فَقَدْ سَمِعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الشِّعْرَ ,وَاسْتَنْشَدَهُ وَأَمَرَ بِهِ حَسَّانَ فِي هِجَاءِ الْمُشْرِكِينَ,

** وَأَنْشَدَهُ أَصْحَابُهُ بِحَضْرَتِهِ فِي الْأَسْفَارِ وَغَيْرِهَا

** وَأَنْشَدَهُ الْخُلَفَاءُ وَأَئِمَّةُ الصَّحَابَةِ وَفُضَلَاءُ السَّلَفِ، وَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى إِطْلَاقِهِ، وَإِنَّمَا أَنْكَرُوا الْمَذْمُومَ مِنْهُ وَهُوَ الْفُحْشُ وَنَحْوُهُ.

** وَأَمَّا تَسْمِيَةُ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي سَمِعَهُ يَنْشُدُ:(شَيْطَانًا) فَلَعَلَّهُ كَانَ كَافِرًا أَوْ كَانَ الشِّعْرُ هُوَ الْغَالِبُ عليه أَوْ كَانَ شِعْرُهُ هَذَا مِنَ الْمَذْمُومِ ** وَبِالْجُمْلَةِ فَتَسْمِيَتُهُ:(شَيْطَانًا) إِنَّمَا هُوَ فِي قَضِيَّةِ عَيْنٍ تَتَطَرَّقُ إِلَيْهَا الِاحْتِمَالَاتُ الْمَذْكُورَةُ وَغَيْرُهَا وَلَا عُمُومَ لَهَا فَلَا يُحْتَجُّ بِهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

** قَوْلُهُ:(يَسِيرُ بِالْعَرْجِ) هُوَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ وَبِالْجِيمِ وَهِيَ قَرْيَةٌ جَامِعَةٌ مِنْ عَمَلِ الْفَرْعِ عَلَى نَحْوِ ثَمَانِيَةٍ وَسَبْعِينَ مِيلًا مِنَ الْمَدِينَةِ. اهـ

 

 ** قال السيوطي في كتابه: (المزهر في علوم اللغة وأنواعها)

(2/ 398)

** النوع التاسع والأربعون

** (معرفة الشعر والشعراء)

 

** قال ابن فارس في فقه اللغة: الشعرُ كلام موزونٌ مقفى، دال على معنى، ويكون أكثرَ من بيت.

** وإنما قلنا هذا لأنه جائز اتفاق سطر واحد بوزن يشبه وزنَ الشعر عن غير قصد، فقد قيل: إنَّ بعض الناس كَتَبَ في عُنوان كتاب:

(للإمام المسيِّب بن زُهَيْرٍ … من عِقَالِ بن شَبَّة بن عِقال) فاستوى هذا في الوزن الذي يسمى الخفيف، ولعل الكاتب لم يقصِد به شعرا.

** وقد ذكر نَاسٌ في هذا كلمات من كتاب الله تعالى: كَرِهْنَا ذِكْرَها،

** وقد نزه الله سبحانه كتابَه عن شَبَهِ الشعر، كما نزَّه نبيه صلى الله عليه وسلم عن قوله.

** فإن قال قائل: فما الحكمةُ في تنزيه الله تعالى نَبيّه عن الشعر؟

** قيل له: أولُ ما في ذلك حكم الله تعالى بأنَّ {الشُّعَرَاءَ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ} ، وأنَّهُمْ {في كلِّ وَادٍ يَهيمُونَ وأنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ} .

ثم قال: {إلاَّ الذين آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات}، ورسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وإن كان أفضلَ المؤمنين إيمانا، وأكثر الصالحين عملا للصالحات) فلم يكن ينبغي له الشِّعر بحال، لأن للشعر شرائط لا يسمَّى الإنسان بغيرها شاعرا،

** وذلك أن إنسانا لو عمل كلاما مستقيما موزونا، يتحرَّى فيه الصدق من غير أن يُفْرِط، أو يتعدى أو يَمين، أو يأتي فيه بأشياء لا يمكن كونها بَتَّة لما سماه الناس شاعرا، ولكان ما يقوله مَخْسولاً ساقطا.

** وقد قال بعض العقلاء -وسئل عن الشعر- فقال: إن هَزل أضْحك، وإن جَدَّ كذب.

** فالشاعر بين كذب وإضحاك وإذ كان كذا فقد نزه الله نبيه صلى الله عليه وسلم عن هاتين الخَصلتين وعن كل أمر دَنِيّ.

** وبعد فإنا لا نكاد نرى شاعرا إلا مادحا ضارعا، أو هاجيا ذا قَذَع، وهذه أوصافٌ لا تصلح لنبي.

** فإن قال: فقد يكونُ من الشعر الحكمة كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن من البيان لسِحْراً، وإن من الشِّعْر لحكمة) أو قال: حُكْماً ** قيل له: إنما نزه الله نبيه عن قيل الشعر لما ذكرناه، فأما الحكمةُ فقد آتاه الله من ذلك القِسْمَ الأجزل، والنصيبَ الأوفر في الكتاب والسُّنَّة.

** ومعنى آخر في تنزيهه عن قيل الشعر: أن أهل العَرُوض مُجْمِعُون على أنه لا فرق بين صناعة العَرُوض وصناعة الإيقاع، إلاّ أن صناعة الإيقاع تقسيم الزمان بالنَّغَم وصناعة العروض تقسم الزمان بالحروف المسموعة فلما كان الشعر ذا ميزان يناسب، الإيقاع، والإيقاعُ ضرب من الملاهي لم يصلح ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما أنَا من دَدٍ ولا دَدٌ مِني).

 

** ثم قال ابن فارس: والشعر ديوان العرب، وبه حفظت الأنساب وعُرِفت المآثر، ومنه تُعُلِّمت اللغة، وهو حُجَّة فيما أشكل من غريب كتاب الله، وغريب حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وحديث صحابته والتابعين، وقد يكون شاعرٌ أشعر، وشِعْرٌ أحلى وأظرف فأما أن تتفاوت الأشعار القديمة حتى يتباعد ما بينهما في الجودة فلا وبكلٍّ يُحتج، وإلى كل يُحتاج،

** فأما الاختيارُ الذي يراه الناس للناس فشهوات كلٌّ يستحسن شيئا.

 

** والشعراء أُمَراء الكلام، يَقْصرون الممدود، ويَمُدُّون المقصور، ويُقَدِّمون ويؤخرون، ويومِئون ويشُيرون، ويختلسون ويُعيرون ويَسْتعيرون.

** فأما لحنٌ في إعراب، أو إزالة كلمة عن نَهج صواب فليس لهم ذلك.

** وقال ابن رشيق في العمدة: العرب أفضل الأمم، وَحِكْمَتُها أشرف الحِكَم كفضل اللسان على اليد.

 

** وكلام العرب نوعان: منظوم ومنثور لكل نوع منهما ثلاث طبقات: جيدة ومتوسطة ورديئة، فإذا اتفقت الطبقتان في القَدْر، وتساوتا في القيمة ولم يكن لإحداهما فضل على الأخرى كان الحكم للشعر ظاهرا في التسمية لأن كل منظوم أحسنُ من كل منثور من جنسه في معترف العادة ألا ترى أن الدُّرَّ وهو أخو اللفظ ونسيبُه، وإليه يقاس وبه يشبه إذا كان منظوما يكون أظهر لحسنه، وأصْونَ له.

** وكذلك اللفظ إذا كان منثورا تَبَدَّد في الأسماع، وتَدَحْرَجَ في الطباع، ولم يستقر منه إلا المفرطة في اللطف فإذا أخذه سِلْكُ الوَزْنِ وعِقْد القافية تألفت أشْتاته، وازدوجت فرائده، وأمن السرقة والغَصب.

 

** وقد أجمع الناس على أن المنثور في كلامهم أكثر، وأقل جيدا محفوظا، وأن الشعرَ أقلُّ، وأكثر جيدا محفوظا لأن في أدناه من زينة الوزن والقافية ما يقارب به جَيِّد المنثور.

 

** وكان الكلامُ كله منثورا، فاحتاجت العرب إلى الغِناء بمكارم أخلاقها، وطَيِّب أعراقها، وذكرِ أيامها الصالحة، وأوطانها النازحة، وفُرسَانها الأَنجاد، وسمحائها الأجواد لتهز نفوسها إلى الكرم، وتدل أبناءها على حسن الشيم فتوهموا أعاريض فعملوها موازين للكلام، فلما تم لهم وزنه سموه شعرا، لأنهم قد شَعروا به أي فَطِنوا له.

 

** وقال: ما تكلمت به العرب من جيد المنثور أكثر مما تكلمت به من جيد الموزون، فلم يُحفظ من المنثور عُشْره ولا ضاع من الموزون عشره.

 

** فإن احتج أحد على تفضيل النثر على الشعر بأن القرآن منثور وقد قال تعالى: {وَمَا عَلَّمْنَاه الشِّعرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ}،

** قيل له: إن الله بعث رسوله آية وحجة على الخلْق، وجعل كتابه منثورا ليكون أظهر برهانا بفضله على الشعر الذي من عادة صاحبه أن يكون قادرا على ما يحب من الكلام، وتحدَّى جميع الناس من شاعر وغيره بعمل مثله، فأعجزهم ذلك فكما أن القرآن أعجَز الشعراء وليس بِشِعْر، كذلك أعجزَ الخطباء وليس بخُطبة، والمترسلين وليس بترسل، وإعجازُه الشعراء أشدُّ برهانا ألا ترى العرب كيف نسبوا النبي صلى الله عليه وسلم إلى الشعر لَمَّا غُلِبوا وتبين عجزهم فقالوا: هو شاعر لمَا في قلوبهم من هيبة الشعر وفخامته، وأنه يقع منه ما لا يُلحَق والمنثور ليس كذلك، فمن هنا قال تعالى: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ} أي لتقوم عليكم الحجة ويصح قِبَلكم الدليل.

 

** قال ابنُ رشيق: وكانت القبيلة من العرب إذا نبغ فيها شاعر أتت القبائل فهنَّأتها بذلك وصنعت الأطعمة، واجتمع النساء يلعبْن بالمزَاهِر كما يصنعن في الأعراس، وتتباشر الرجال والولْدَان لأنه حِماية لأعراضهم، وذَبٌّ عن أحسابهم، وتخليد لمآثرهم، وإشادَةٌ لِذِكْرِهِمْ وكانوا لا يهنئون إلا بغلام يولد، أو شاعر ينبغ فيهم، أو فرس تُنتج.

 

** وقال محمد بن سلام الجمحي في طبقات الشعراء: لا يحاط بشعر قبيلة واحدة من القبائل العرب، وكان الشِّعْر في الجاهلية عند العرب ديوانَ علمهم، ومنتهى حكمتهم، به يأخذون وإليه يصيرون.

 

** قال ابن عوف عن ابن سِيرين: قال: قال عمرُ بن الخطاب رضي الله عنه: كان الشِّعْرُ علم قوم لم يكن لهم علم أصح منه، فجاء الإسلام فتشاغلت عنه العرب، وتشاغلوا بالجهاد وغزو فارس والروم ولَهَتْ عن الشعر وروايته فلما كثر الإسلام وجاءت الفتوح، واطمأنَّ العرب بالأمصار، راجعوا رواية الشعر، فلم يَئِلُوا إلى ديوان مُدَوَّن، ولا كتاب مكتوب، وألفوا ذلك وقد هلك من العرب مَنْ هلك بالموت والقتل، فحفظوا أقلَّ ذلك وذهب عنهم منه كثير،

** وقد كان عند آل النعمان بن المنذر منه ديوان فيه أشعار الفحول، وما مُدِح به هو وأهل بيته، فصار ذلك إلى بني مروان أو صار منه.

 

** قال يونس بن حبيب: قال أبو عمرو بن العلاء: ما انتهى إليكم مما قالت العرب إلا أقلُّه ولو جاءكم وافرا لجاءكم عِلْمٌ وشِعر كثير.

 

** قال محمد بن سلام الجُمَحي: ومما يدل على ذهاب الشعر وسقوطه قلةُ ما بأيدي الرواة المصحِّحين لطرفة وعَبيد اللَّذين صحَّ لهما قصائد بقدر عشر وإن لم يكن لهما غيرهن فليس موضعهما حيث وضعا من الشهرة والتَّقْدِمة، وإن كان ما يروي من الغث لهما فليسا يستحقان مكانهما على أفواه الرواة، ويروى أن غيرهما قد سقط من كلامه كلام كثير، غير أن الذي نالهما من ذلك أكثر، وكانا أقدم الفحول، فلعل ذلك لذلك. فلما قل كلامهما حمل عليهما حملا كثيرا. اهـ

 

 (فائدتان: الأولى):

** قال الحافظ ابن حجر في كتابه:(فتح الباري)، (1/ 9):

** وَقَدِ اسْتَقَرَّ عَمَلُ الْأَئِمَّةِ الْمُصَنِّفِينَ عَلَى افْتِتَاحِ كُتُبِ الْعِلْمِ بِالْبَسْمَلَةِ، وَكَذَا مُعْظَمُ كُتُبِ الرَّسَائِلِ.

** وَاخْتَلَفَ الْقُدَمَاءُ فِيمَا إِذَا كَانَ الْكِتَابُ كُلُّهُ شِعْرًا.

** فَجَاءَ عَنِ الشَّعْبِيِّ مَنْعُ ذَلِكَ.

** وَعَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: مَضَتِ السُّنَّةُ أَنْ لَا يُكْتَبَ فِي الشِّعْرِ:(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ).

** وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ جَوَازُ ذَلِكَ، وَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ الْجُمْهُورُ، وَقَالَ الْخَطِيبُ هُوَ الْمُخْتَارُ. اهـ

 

(الثانية):

** من كتاب (في تاريخ الأدب الجاهلي)، (ص: 287)، لعلي الجندي:

** (. . . فطريق الشعر طويل وشاق يحتاج إلى موهبة وكفاءات ومؤهلات، والشعراء يختلفون في الجودة والمكانة،

** وبعضهم يجعل الشعراء أربعة أنواع:

  • شاعر خنذيذ، وهو الذي يجمع إلى جودة شعره رواية الجيد من شعر غيره.
  • شاعر مفلق، وهو الذي لا رواية له، لكنه مجيد.
  • شاعر فقط، وهو فوق الرديء بدرجة.
  • شعرور، وهو لا شيء.

 

** ومن أطراف ما قيل في ذلك شعرًا:

الشعراء     فاعلمنّ      أربعَهْ***فَشَاعِرٌ يجري ولاَ يُجْرَى مَعَهْ

وشاعرٌ يخوض وسطَ المعمعَهْ***وشاعرٌ لا تشتهي أن تَسْمَعَهْ

وشاعر لا تستحي أن تَصْفَعَهْ. اهـ

 

(تنبيه):

** الحديث الذي ذكره السيوطي 🙁 ما أنَا من دَدٍ ولا دَدٌ مِني).

رواه البيهقي في كتاب:(الآداب)، (ص: 258) برقم:(630)

من حديث أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رضي عنه مرفوعا بلفظ: «لَسْتُ مِنْ دَدٍ وَلَا دَدٌ مِنِّي» ,

** وضعفه العلامة الألباني رحمه الله في ضعيف الجامع برقم: (4673)

 

** والله الموفق.

 

** كتبها: أبو عبد الله أحمد بن ثابت الوصابي

** الأربعاء 28 / 1/ 1438 هـ

 

** ومن أحب الاطلاع على الفوائد السابقة فمن الموقع الرسمي على الرابط:

 

https://binthabt.al3ilm.com/11613

=======================

97 تأليف الكتب: أنواعه وأسبابه

سلسلة الفوائد اليومية: 

97 تأليف الكتب: أنواعه وأسبابه

 

 قال العلامة أبو الطيب محمد صديق خان الحسيني البخاري القِنَّوجي(المتوفى:1307هـ) في كتابه:(أبجد العلوم) (ص:107):

 اعلم أن كتب العلم كثيرة؛ لاختلاف أغراض المصنفين في الوضع والتأليف، ولكن تنحصر من جهة المعنى في قسمين:

 الأول: إما أخبار مرسلة، وهي كتب التواريخ، وإما أوصاف وأمثال ونحوها قيدها النظم، وهي دواوين الشعر.

 والثاني: قواعد علوم وهي تنحصر من جهة المقدار في ثلاثة أصناف:

 الأول: مختصرات تجعل تذكرة لرؤوس المسائل ينتفع بها المنتهي للاستحضار، وربما أفادت بعض المبتدئين الأذكياء لسرعة هجومهم على المعاني من العبارات الدقيقة.

 والثاني: مبسوطات تقابل المختصرات، وهذه ينتفع بها للمطالعة.

 والثالث: متوسطات وهذه نفعها عام.

 

  ثم إن التأليف على سبعة أقسام:

لا يؤلف عالم عاقل إلا فيها وهي:

 

 إما شيء لم يسبق إليه فيخترعه.

 أو شيء ناقص يتممه.

 أو شيء مغلق يشرحه.

 أو شيء طويل يختصره دون أن يخل بشيء من معانيه.

أو شيء متفرق يجمعه.

أو شيء مختلط يرتبه

أو شيء أخطأ فيه مصنفه فيصلحه.

اهـ المراد

 

   وفي كتاب:(أزهار الرياض في أخبار القاضي عياض),(3/ 34) لشهاب الدين أحمد بن محمد بن أحمد بن يحيى، أبي العباس المقري التلمساني (المتوفى: 1041هـ):

 

 ورأيت بخط بعض الأكابر ما نصه: المقصود بالتأليف سبعة:

شيء لم يسبق إليه فيؤلف،

أو شيء ألف ناقصا فيكمل،

أو خطأ فيصحح،

أو مشكل فيشرح،

أو مطول فيختصر،

أو مفترق فيجتمع،

أو منثور فيرتب.

  

 وقد نظمها بعضهم فقال:

 

ألا فاعلمن أنّ التآليف سبعة

لكلّ لبيب في النّصيحة خالصِ

 

فشرحُ لإغلاق وتصحيح مُخطئ

وإبداعُ حِبْرٍ مُقْدِمٍ غير ناكصِ

 

وترتيب مَنثورٍ وجمع مُفَرَّقِ

وتقصير تطويلٍ وتتميم ناقصِ.

 اهـ

 

 ونظمها بعضهم في بيت واحد فقال:

 

في سبعة حصروا مقاصد العقلا

من التآليف فاحـفظها تنل أمـلا

 

أبدع، تمام، بيان، لاختصارك في

جمع، ورتب، وأصلح يا أخي الخللا

 

والله الموفق.

 

 كتبها: أبوعبد الله أحمد بن ثابت الوصابي

 الاثنين 26/ 1 / 1438 هـ

 

 ومن أحب الاطلاع على الفوائد السابقة فمن الموقع الرسمي على الرابط:

https://binthabt.al3ilm.com/11613

=======================

96 ذكر مواليد بعض أئمة النحو ووفياتهم

سلسلة الفوائد اليومية: 

96 ذكر مواليد بعض أئمة النحو ووفياتهم

 

 قال السيوطي في كتابه: (المزهر في علوم اللغة وأنواعها)

(2/ 392):

 النوع الثامن والأربعون

 (معرفة المواليد والوفيات)

 

 أبو الأسود الدؤلي:

 قال أبو الطيب: قال أبو حاتم: ولد في الجاهلية،

 وقال غيره: مات في طاعون الجارف سنة تسع وستين.

 

  أبو عمرو بن العلاء:

 [[ولد بالحجاز، سنة سبعين، وقيل: اثْنَتَيْنِ وَسبعين.]]

 مات سنة أربع.

 وقيل: سنة تسع وخمسين، ومائة بطريق الشام.

 

 عيسى بن عُمَر الثَّقَفِي:

 مات سنة تسع وأربعين وقيل: سنة خمسين ومائة.

 

  يونس بن حبيب الضبَّي:

 ولد سنة تسعين، ومات سنة اثنين وثمانين ومائة.

 

 الخليل بن أحمد:

 [[ولد في البصرة سنة مائة.]]

 مات سنة خمس وسبعين ومائة،

 وقيل: سنة سبعين، وقيل: سنة ستين، وله أربع وسبعون سنة.

 

 

 الأصمعي:

 ولد سنة ثلاث وعشرين ومائة، ومات في صفر سنة ست عشرة، وقيل: خمس عشرة ومائتين.

 

 سيبويه:

 [[ولد سيبويه بقرية من قرى شيراز، يقال لها: “البيضاء” من عَمَل فارِس، سنة أربعين ومائة

 وقيل: ثمان وأربعين ومائة]]

 

 مات بِشِيرَاز، وقيل: بالبيضا سنة ثمانين ومائة، وعمره اثنتان وثلاثون سنة، قاله الخطيب البغدادي.

 وقيل: نَيَّف على الأربعين.

 وقيل مات بالبصرة سنة إحدى وستين.

 وقيل: سنة ثمان وثمانين.

 وقال ابن الجوزي: مات بساوَة سنة أربع وتسعين.

 

 قُطْرُب:

 مات سنة ست ومائتين.

 

 أبو الحسن الأخفش:

 مات سنة عشر، وقيل خمس عشرة، وقيل إحدى وعشرين ومائتين.

 

 الكِسائي:

 [[ولد في حدود سنة عشرين ومئة.]]

 مات بالرِّي سنة تسع وثمانين ومائة، جزم به أبو الطيب ,

 وقيل سنة اثنتين وثمانين،

 وقيل سنة ثلاث وثمانين،

 وقيل سنة اثنتين وتسعين.

 

 الفراء:

 [[بالكوفة سنة 144 للهجرة]]

 مات بطريق مكة سنة سبع ومائتين، وله سبع وستون سنة.

 

 أبو عمر الجَرْمي:

 مات سنة خمس وعشرين ومائتين.

 

 المازني:

 [[ولد بمكة سنة 70 للهجرة]]

 مات سنة تسع أو ثمان وأربعين ومائتين، كذا قال الخطيب.

وقال غيره: سنة ثلاثين.

 

 المبرِّد:

 ولد سنة عشر ومائتين، ومات سنة اثنتين،

 وقيل: خمس وثمانين ومائتين.

 

 ثعلب:

 ولد سنة مائتين، ومات في جمادى الآخرة سنة إحدى وتسعين.

 

 الزَّجَّاج:

 [[ولد ببغداد سنة 241 للهجرة]]

 مات سنة إحدى عشرة وثلثمائة.

 

 أبو جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل النحاس:

 [[ولد بمصر سنة 260 للهجرة تقريبا]]

 مات غريقا في النيل سنة سبع، أو ثمان وثلاثين وثلثمائة.

 

 أبو علي الحسين بن أحمد الفارسي:

 [[ولد في فسا (من أعمال فارس) سنة 288 للهجرة]]

 مات سنة سبع وسبعين وثلثمائة.

 

 محمد بن سعيد السِّيرافي الفالي:

 ولد قبل السبعين ومائتين، ومات ببغداد في رجب سنة ثمان وستين وثلثمائة.

 

 أبو محمد بن دَرَسْتَويْه:

 ولد سنة ثمان وخمسين ومائتين، ومات سنة سبع وأربعين وثلثمائة.

 

 أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي:

 [[تلميذ الشيخ أبي إسحاق الزّجاج إِبْرَاهِيم بْن السّري المتقدم ذكره، نسب إِلَيْهِ للزومه إياه، ولد بنهاوند]]

 مات بطبَرية سنة تسع وثلاثين، وقيل: أربعين وثلثمائة.

 

 أبو الفتح عثمان بن جني:

 ولد قبل الثلاثين وثلثمائة، ومات سنة اثنتين وتسعين.

 

 علي بن عيسى الرماني:

 ولد سنة ست وسبعين ومائتين، ومات سنة أربع وثمانين وثلثمائة.

 

 ابن بابشاذ النحوي:

 مات سنة تسع وستين وأربعمائة.

 

 الكمال بن الأنبار:

 [[ولد سنة 531 للهجرة]]

 مات سنة سبع وسبعين وخمسمائة.

 

 أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري:

 ولد سنة سبع وستين وأربعمائة، ومات سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة.

 

 ابن الشَّجَري:

 ولد سنة خمسين وأربعمائة، ومات سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة.

 

 جمال الدين بن مالك:

 ولد سنة ستمائة، ومات في شعبان سنة اثنتين وسبعين وستمائة.

 

 الرضي الشاطبي:

 ولد سنة إحدى وستمائة، ومات بالقاهرة المُعزية سنة أربع وثمانين.

 

 أبو حَيَّان الإمام أثير الدين:

 ولد سنة أربع وخمسين وستمائة، ومات في صفر سنة خمس وأربعين وسبعمائة.

 

 

  والله الموفق.

 

  كتبها: أبو عبد الله أحمد بن ثابت الوصابي

  السبت 24 / 1/ 1438 هـ

 

** ومن أحب الاطلاع على الفوائد السابقة فمن الموقع الرسمي على الرابط:

 

https://binthabt.al3ilm.com/11613

=======================

95 ذكر ألقاب بعض أئمة اللغة والنحو، وسبب تلقيبهم

سلسلة الفوائد اليومية: 

95 ذكر ألقاب بعض أئمة اللغة، وسبب تلقيبهم

 

** قال السيوطي في كتابه: (المزهر في علوم اللغة وأنواعها)

 (2/ 364)

 

الفصل الثالث: في معرفة الألقاب وأسبابها.

 

** وهي قسمان: [القسم الأول: أئمة اللُّغة والنحو]

 

** (عَنْبسة الفيل):

** [[اسمه: عنبسة بن مَعْدان مولى مَهْرَة، وهو المعروف بالفيل.]]

** قال الزمخشري في ربيع الأبرار: لقب بذلك لأن مَعْدان أباه كان يروض فيلا للحجاج.

** قلت: فينبغي أن يكون اللقب لأبيه لا له.

 

** (سيبويه):

** [[اسمه: عمرو بن عثمان بن قنبر مولى بني الحارث بن كعب , ويكنى أبا بشر]].

** لَقب إمام النحو، وهو لفظ فارسي، معناه رائحة التفاح.

** قيل: كانت أمه ترقصه بذلك في صغره،

** وقيل: كان من يلقاه لا يزال يَشَمُّ منه رائحة الطِّيب، فسمي بذلك،

** وقيل: كان يعتاد شم التفاح،

** وقيل: لُقِّب بذلك لِلَطَافَتِه لأن التفاح من لطيف الفواكة.

** البَطَلْيَوْسِي في شرح الفصيح: الإضافة في لغة العجم مقلوبة كما قالوا: سيبويه، والسيب التفاح، وويْه رائحته والتقدير رائحة التفاح.

 

** (قُطْرُب):

** [[اسمه: محمد بن المستنير أبو علىّ المعروف بقطرب.]]

** لازم سيبويه، وكان يُدْلج إليه فإذا خرج رآه على بابه، فقال له: ما أنت إلا قُطْرُبُ ليل فلقب به.

 

** (المبرِّد):

** [[اسمه: محمد بن يزيد , أبو العباس المبرد.]]

** قال السِّيرافي: لما صنف المازني كتابه الألف واللام سأل المبرِّد عن دقيقِه وعويصهِ، فأجابه بأحسن جواب، فقال له: قم فأنت المبرِّد (بكسر الراء) أي المثْبِت للحق ,

** فغيَّره الكوفيون، وفتحوا الراء.

 

** (ثعلب):

** [[اسمه: أحمد بن يحيى بن زيد بن سيّار ، أبو العباس النحوىّ الشيبانىّ مولاهم المعروف بثعلب.]]

** إمام الكوفيين اسمه أحمد بن يحيى.

 

** (الأخفش): جماعة يأتون في نوع المتفق والمفترق.

[[لقب لأحد عشر نحويا , والمراد به عند الإطلاق: أبو الحسن سَعِيدُ بنُ مَسْعَدَةَ]].

 

** (السِّكِّيت):

** والد أبي يوسف يعقوب بن السِّكِّيت.

** قال الحافظ أبو بكر الشِّيرازي في كتاب الألقاب: قال علي بن إبراهيم القطان القَزويني: سئل ثعلب: هل رأيت السِّكيت فقال: نعم، وكان لي أخا أو شبيها بالأخ.

** وكان سكِّيتاً كما سمي.

 

** (شبة):

** والد عمر بن شبة، اسمه يزيد , وإنما لقب شَبّة لأن أمه كان ترقصه وتقول:

(يا بِأَبي وشبَّا… وعاش حتى دبا) // الرجز //

ذكره الشِّيرازي في الألقاب.

 

** (نِفْطَوَيْهِ): اسمه إبراهيم بن محمد بن عرفة، لقب بذلك تشبيها بالنِّفط لدَمَامَتِه وأدمته، وجعل على مثال سيبيويه في النحو إليه.

** قال الزَّمْلكانيّ في شرح المفصل: نِفْطَوَيْه يجوز فتح نونه، والأكثر كسرها.

** وقال ياقوت الحموي: قد جعله ابن بسام بضم الطاء وسكون الواو وفتح الياء.

 

** (النبَّاح):

** [[اسمه: اسمه صالح بن إسحاق , ويكنى أبا عمر , وهو مولى لجرم بن زمان , وجرم من قبائل اليمن.]]

** قال ابن دَرَسْتويه في شرح الفصيح: كان أبو عمر الجَرْمي يلقب النباح لكثرة مناظرته في النحو وصياحه.

 

** (سُبُّخْت):

** هو لقب لأبي عبيدة مَعْمر بن المُثَنَّى , أنشد ثعلب:

(فخذ من سلح كيسان… ومن أظفار سبخت) // الهزج //

 

** (أبو القُنْدَيْن):

** لقب الأصمعي، قال أبو حاتم: قيل له ذلك لكبر خُصْييه.

ذكره ابن سيده في المحكم.

** [[واسم الأصمعي: عبد الملك بن قريب بن عبد الملك بن علىّ بن أصمع , منسوب إلى جدّه أصمع , ويكنى أبا سعيد.]]

 

** (مُعاذ الهَرّاء):

** [[اسمه: معاذ بن مسلم الهراء، أبو مسلم.]]

** قال في الصِّحاح: قيل له ذلك، لأنه كان يبيع الثياب الهَرَوية.

 

تنبيه:

انتهى بتصرف مع زيادة ما بين المكوفين .

 

** والله الموفق.

** كتبها: أبوعبد الله أحمد بن ثابت الوصابي

** الثلاثاء 20/ 1 / 1438 هـ

 

** ومن أحب الاطلاع على الفوائد السابقة فمن الموقع الرسمي على الرابط:

https://binthabt.al3ilm.com/11613

=======================

94 ذكر بعض كنى الحيوانات التي كنتها بها العرب

سلسلة الفوائد اليومية: 

94 ذكر بعض كنى الحيوانات التي كنتها بها العرب

 

** قال السيوطي في كتابه: (المزهر في علوم اللغة وأنواعها)

 (1/ 394)

 

** النوع السادس والثلاثون

** (معرفة الآباء والأمهات…)

 

** أبو الحِسْل الّضبِّ، والحِسل ولده.

 

** أبو الحصَيْن، وأبو الحِنْبِص، وأبو خالد: الثعلب.

 

** وأبو جعدة، وأبو جعادة، وأبو عَسْلة، وأبو مَذْقَة، وأبو ثمامة: الذئب.

 

** أبو خَدْرة: طائر بالحجاز.

 

** أبو الحارث، وأبو فِراس، وأبو الأبطال، وأبو جرو، وأبو الأخياس، وأبو التأمور، وأبو الجراء، وأبو حفص الخدر، وأبو رزاح، وأبو الزَّعفران، وأبو شِبل، وأبو ليث، وأبو لبد، وأبو الغَريف، وأبو محراب، وأبو محطم، وأبو الخنحس، وأبو الوليد، وأبو الهَيْصم، وأبو العباس: كُنْية الأسد.

 

** وأبو الأبرد، وأبو الأسود، وأبو جَلْعَد، وأبو جَهْل، وأبو خطار، وأبو رَقاش: النمر.

 

** أبو الأبَد: النسر.

 

** وأبو الأثقال، وأبو الأشحج: البَغْل.

 

** وأبو الأخبار، وأبو روح: الهُدْهُد.

 

** وأبو الأخذ: الباشق.

 

** وأبو الأخطل: البِرْذَون.

 

** وأبو الأشعث: البازي.

 

** وأبو الأشيم، وأبو حُسبان: العقاب.

 

** وأبو أيوب: الجَمَل، وأبو بحر: السَّرطان.

 

** وأبو بَحير: التَّيْس.

 

** وأبو البختري: الحية.

 

** وأبو برائل، وأبو حماد: الديك.

 

** وأبو بُريد: العَقعَق.

 

** وأبو ثقل: الضَّبُع.

 

** وأبو جاعرة: الغداف من الغِرْبان.

 

** وأبو الجَرّاح، وأبو حدر، وأبو زاجر: الغراب.

 

** وأبو الجلاح، وأبو جُهينة، وأبو حُميد: الدب.

 

** وأبو حاتم، وأبو خالد: الكلب.

 

** وأبو الحجاج: العُقاب والفِيل.

 

** وأبو الحرماز وأبو دَغْفَل: الفيل.

 

** وأبو الحُسن: الطَّاووس.

 

** وأبو الحسين: الغَزَال.

 

** وأبو حيان: الفَهْد.

 

** وأبو خبيب، وأبو راشد: القِرد.

 

** وأبو خداش: السِّنَّور، والأرنب.

 

** وأبو دُلَف: الخِنْزير.

 

** وأبو زُرعة: الخِنزير، والثور.

 

** وأبو زفير: الأوز.

 

** وأبو زِياد، وأبو صابِر: الحِمار.

 

** وأبو شُجاع وأبو طالِب: الفَرَس.

 

** وأبو طامِر وأبو عدي: البُرْغُوث.

 

** وأبو عاصِم: الزُّنبور.

 

** وأبو العرمض: الجاموس.

 

** وأبو عِكْرِمة: الحمام.

 

** وأبو العَوّام: السَّمَك.

 

** وأبو يعقوب: العُصْفور.

 

 

 

 

** وأم حِلْس وأم تَوْلَب، وأم الهِنْبِر: الأتان.

** والهِنْبِر: هو الجَحْش.

 

** أم عَوْف: الجَرَادة.

 

** أم الهِنْبِر في لغة فَزَارة: الضبع، وهي تكنى: أم رعال، بالراء، [ وأم عامر ].

 

** أم عِرْيَط: العقرب.

 

** أم رَاشِد: كنية الفأرة.

 

** وأم حَفْصة، وأم إحدى وعشرين: الدجاجة.

 

** وأم أدْرَاص: اليَرْبوع وولد اليَرْبوع يقال له الدِّرص والجمع أدراص.

 

** أم قَشْعَم: العنكبوت.

 

** وأم الأشعث: الشاة.

 

** وأم الأسود: الخنفساء.

 

** وأم تَوْبة: النملة.

 

** وأم ثلاثين: النعامة.

 

** وأم حَفْصَة: الدجاجة والبطة والرَّخمة.

 

** وأم خِدَاش: الهِرَّة.

 

** وأم خِشَف: الظبية.

 

** وأم شِبل: اللبوة.

 

** وأم طِلْحَة: القملة.

 

** وأم عافية وأم عثمان: الحية.

 

** وأم عيسى: الزرافة.

 

** وأم يَعْفور: الكلْبة.

 

** اهـ بتصرف.

 

 

** والله الموفق.

 

** كتبها: أبوعبد الله أحمد بن ثابت الوصابي

 

** السبت 16/ 1 / 1438 هـ

 

** ومن أحب الاطلاع على الفوائد السابقة فمن الموقع الرسمي على الرابط:

https://binthabt.al3ilm.com/11613

=======================

93 أطول سند في الأمهات الست

سلسلة الفوائد اليومية:

 

93 أطول سند في الأمهات الست

 

 ** أطول سند وقع في الأمهات الست سند عشاري، أي أن بين المصنف وبين النبي صلى الله عليه وسلم عشرة رواة.

أخرجه بهذا الطول النسائي والترمذي.

 

** قال الإمام أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ النسائي في سننه (2/ 171):

996 -أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَ: حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ هِلَالِ بْنُ يِسَافٍ، عَنْ رَبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ امْرَأَةٍ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ثُلُثُ الْقُرْآنِ»

 

** قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: مَا أَعْرِفُ إِسْنَادًا أَطْوَلَ مِنْ هَذَا.

 

** وقال في كتابه:(عمل اليوم والليلة)، (ص:424) بعد أن ذكر هذا الحديث بهذا الإسناد: لَا أعرف فِي الحَدِيث الصَّحِيح إسنادا أطول من هَذَا.

** [وقال الألباني: صحيح]

 

 

** وقال الإمام الترمذي في سننه / ت شاكر (5/ 167):

 

2896 -حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ قَالَ: حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ، عَنْ رَبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنِ امْرَأَةٍ وَهِيَ امْرَأَةُ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقْرَأَ فِي لَيْلَةٍ ثُلُثَ القُرْآنِ؟ مَنْ قَرَأَ: اللَّهُ الوَاحِدُ الصَّمَدُ فَقَدْ قَرَأَ ثُلُثَ القُرْآنِ ”

** [وقال الألباني: صحيح]

 

 

 

** وأخرج الإمام البخاري في صحيحه حديثا واحدا بسند تساعي، وهو أطول سند عنده.

 

** قال الإمام البخاري في صحيحه (9/ 61):

7135 – حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، ح وحَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي أَخِي، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَتِيقٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ، حَدَّثَتْهُ عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَيْهَا يَوْمًا فَزِعًا يَقُولُ: «لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ فُتِحَ اليَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ، وَحَلَّقَ بِإِصْبَعَيْهِ الإِبْهَامِ وَالَّتِي تَلِيهَا»، قَالَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ: «نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الخُبْثُ».

 

 

** قال الحافظ ابن حجر في كتابه:(فتح الباري)، (13/ 107):

** وَهَذَا السَّنَدُ كُلُّهُ مَدَنِيُّونَ، وَهُوَ أَنْزَلُ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ بِدَرَجَتَيْنِ،

** وَيُقَالُ: إِنَّهُ أَطْوَلُ سَنَدًا فِي الْبُخَارِيِّ؛ فَإِنَّهُ تُسَاعِيٌّ.

** وَغَفَلَ الزَّرْكَشِيُّ فَقَالَ: فِيهِ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ صَحَابِيَّاتٍ، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ، بَلْ فِيهِ ثَلَاثَةٌ كَمَا قَدَّمْتُ إِيضَاحَهُ فِي أَوَائِلِ الْفِتَنِ فِي بَابِ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (وَيْلٌ لِلْعَرَبِ)،

** وَذَكَرْتُ هُنَاكَ الِاخْتِلَافَ عَلَى سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ فِي زِيَادَةِ حَبِيبَةَ بِنْتِ أُمِّ حَبِيبَةَ فِي الْإِسْنَادِ. اهـ

 

 

 

** والله الموفق.

 

** كتبها: أبو عبد الله أحمد بن ثابت الوصابي

 

** الخميس 15 / 11/ 1438 هـ

 

** ومن أحب الاطلاع على الفوائد السابقة فمن الموقع الرسمي على الرابط:

 

https://binthabt.al3ilm.com/11613

=======================

92 ذكر بعض الألفاظ المولدة الدخيلة في كلام العرب

سلسلة الفوائد اليومية: 

92 ذكر بعض الألفاظ المولدة الدخيلة في كلام العرب

 

** قال السيوطي في كتابه: (المزهر في علوم اللغة وأنواعها)، (1/242):

 

** النوع الحادي والعشرون

** (معرفة المولد)

 

** وهو ما أحْدثه المولَّدون الذين لا يُحْتجّ بألفاظهم والفرق بينه وبين المصنوع أن المصنوع يُورده صاحبه على أنه عربي فصيح وهذا بخلافه.

 

** وفي مختصر العين للزبيدي: المولد من الكلام المحدَث.

 

** وفي ديوان الأدب للفارابي يقال: هذه عربية وهذه مولَّدة.

 

** ومن أمثلته: قال في الجمهرة: (الحُسْبان) الذي ترمى به هذه السهامُ الصغار مولد.

 

** وقال: كان الأصمعي يقول: (النّحْريرُ) ليس من كلام العرب وهي كلمة مولدة.

 

……………

 

** وقال ابن دُريد في الجمهرة: قال الأصمعي: (المَهْبُوت): طائر يُرْسَل على غير هداية وأحسبها مَولّدة.

** وقال: (أخُّ) كلمةٌ تقال عند التأوه، وأحسبها مُحْدَثة.

** وفي ذيل الفصيح للموفق البغدادي: يقال عند التألم: (أَحّ) بحاء مهملة وأما (أخُّ) فكلام العجم.

 

** وقال ابن دريد: (الكابوسُ) الذي يقعُ على النائم أحسبه مولدا.

 

** وقال الجوهري في الصحاح: (الطَّرَش) أهونُ الصمم يقال هو مولد.

……………

 

** وقال عبد اللطيف البغدادي في ذيل الفصيح: (الفطْرَة) لفظٌ مولد.

وكلام العرب (صدقة الفطر) مع أن القياس لا يدفعه، كالفرقة والنّغْبَة لمقدار ما يُؤخذ من الشيء.

 

** وقال: أجمع أهل اللغة على أن (التَّشْويش) لا أصل له في العربية وأنه مولد وخطَّؤوا الليث فيه.

 

** قال: وقولهم: (سِتّي) بمعنى سيدتي مولد ولا يقال: (سِتّ) إلا في العدد.

 

** وقال: (فلانٌ قرابتي) لم يسمع، إنما سمع: قريبي أو ذو قَرَابتي.

 

** وجزم بأنَّ (أطْرُوشُ) مولد.

 

** وفي شرح الفصيح للمرزوقي: قال الأصمعي: إن قولهم: (كَلْبة صارِف) بمعنى مُشْتَهية للنكاح ليس في كلام العرب وإنما ولده أهل الأمصار.

** قال: وليس كما قال، فقد حكى هذه اللفظة أبو زيد وابن الأعرابي والناس.

 

** وفي الروضة للإمام النووي في باب الطلاق: أن (القَحْبة) لفظة مولدة ومعناها البغي.

** وفي القاموس: (القَحْبة): الفاجرة: وهي السعال لأنها تَسْعُل وتُنَحْنِحُ أي تَرْمُزُ به، وهي مولدة.

 

** وفي تحرير التنبيه للنووي: (التفرج) لفظة مولدة لعلها من انفراج الغم وهو انكشافه.

 

……………

 

** وفي فقه اللغة للثعالبي: يقال للرجل الذي إذا أكل لا يُبقي من الطعام ولا يَذَر: (قَحْطِي) وهو من كلام الحاضرة دون البادية.

** قال الأزهري: أظنُّه يُنْسَب إلى القَحْط لكَثْره أكله كأنه نجا من القَحْط.

 

** وفيه: (الغَضَارَة) مولَّدة لأنها من خَزَف، وقِصَاعُ العرب من خشَب.

 

……………

 

** وقال أبو عبيد في الغريب المصنف: (الجَبَريّة) خلاف القَدَرية، وكذا في الصحاح، وهو كلام مولد.

 

** وقال المبرد في الكامل: جمع الحاجة (حاجٌ)، وتقديره فعله كما تقول: هامة وهام وساعة وساع.

** فأما قولهم في جمع حاجةٍ: (حَوَائج) فليس من كلام العرب على كثرته على أَلْسِنة المولَّدين ولا قياسَ له.

** وفي الصحاح: كان الأصمعي يُنْكِرُ جمع حاجة على حوائج، ويقول مولد.

 

** وفي شرح المقامات لسلامة الأنباري: قيل: (الطُّفَيْلي) لغة مُحدَثَة لا توجد في العتيق من كلام العرب.

** كان رجل بالكوفة يقال له طُفَيل يأْتي الولائم من غير أن يُدْعَى إليها فَنُسِب إليه.

 

** وفيه: قولهم للغَبيِّ والحَرِيف: (زَبُون) كلمة مولدة ليست من كلام أهل البادية.

** وفي شرح المقامات للمطرزي: (الزَّبُون): الغبي الذي يُزْبَن ويُغْبَن. وفي أمثال المولدين: الزَّبُون يفرح بلاَ شيء.

 

** وقال المطرزي أيضا في الشرح المذكور: (المخرقة) افتعال الكذب وهي كلمة مولدة وكذا في الصحاح.

 

……………

 

** وفي شرح الفصيح للبطليوسي: قد اشتقوا من بغداد فعلا فقالوا:

(تَبَغْدَدَ فلان).

 

** قال ابن سيده: هو مولد وفيه أيضا: (القَلَنْسُوَة) تقول لها العامة الشاشية، وتقول لصانعها (الشواشي)، وذلك من توليد العامة.

 

** وقال ابن خالويه في كتاب: (ليس): (الحوَامِيم) ليس من كلام العرب إنما هو من كلام الصبيان تقول: (تعلمنا الحواميم)، وإنما يقال:

(آل حاميم)

** كما قال الكميت: (من الطويل)

(وَجَدْنَا لَكُمْ في آل حاميمَ آية)

ووافقه في الصحاح.

** وقال الموفق البغدادي في ذيل الفصيح: يقال: (قرأتُ آلَ حاميم، وآل طاسين)، ولا تقل: (الحواميم).

 

……………

 

** وقال محمد بن المعلى الأزدي في كتاب المشاكهة: في اللغة العامة تقول لحديث يستطال: (بَسْ)، والْبَسُّ: الخلط،

** وعن أبي مالك: البس: (القطع)

** ولو قالوا لمحدثه (بسا) كان جيدا بالغا بمعنى المصدر، أي: بس كلامك بسا، أي: اقطعه قطعا

** وأنشد: (من الوافر):

 

يحدِّثنا عبيد ما لَقينا

فبسك يا عبيد من الكلام

 

** وفي كتاب العين: (بَسْ) بمعنى حَسْب.

** قال الزبيدي في استدراكه: (بَسْ)بمعنى: حَسْب، غير عربية.

 

……………

 

** وقال ابن دُريد في الجمهرة: (شُنْطَف) كلمةٌ عامية ليست بعربية مَحْضَة.

 

** قال: (وخمنت الشيء): قلت فيه: الحدس أحسبه، مولدا، حكاه عنه في المحكم.

 

** وفي كتاب: (المقصور والممدود) للأندلسي: (الكيمياء) لفظة مولدة يُراد بها الحِذْق.

 

** وقال السخاوي في (سِفر السعادة): (الرَّقيع) من الرجال: الواهن المغفل، وهي كلمة مولدة، كأنهم سموه بذلك لأن الذي يُرْقَع من الثياب الواهي الخَلَق.

 

** وفي القاموس: (الكُسُّ) للْحَرِ ليس من كلامهم إنما هو مولد.

** وقال سلامة الأنباري في شرح المقامات: (الكُسّ والسُّرْم) لغتان مولدتان وليستا بعربيتين، وإنما يقال: فرج ودبر.

** قلت: في لفظة (الكُس) ثلاثة مذاهب لأهل العربية:

** أحدها هذا،

** والثاني: أنه عربي، ورجَّحه أبو حيان في تذكرته، ونقله عن الأسنوي في المهمات، وكذا الصغاني في كتاب: (خلْق الإنسان)، ونقله عنه الزركشي في: (مهمات المهمات).

** والثالث: أنه فارسي معرب، وهو رأي الجمهور، منهم المطرزي في: (شرح المقامات).

** وقد نقلت كلامهم في الكتاب الذي ألَّفْته في (مراسم النكاح).

 

** وفي القاموس: (الفُشَار) الذي تستعمله العامة بمعنى الهذيان ليس من كلام العرب.

 

** وفي (المقصور والممدود) للقالي: قال الأصمعي: يقال: صلاة الظهر، ولم أسمع (الصلاة الأولى)، وإنما هي مولدة،

قال: وقيل لأعرابي فصيح: (الصلاة الأولى).

فقال: ليس عندنا إلا صلاة الهاجرة.

 

** وفي الصحاح: (كُنْهُ الشيء): نِهايتُه ولا يشتق منه فعل،

** وقولهم: (لا يَكتَنِهه الوصفُ) بمعنى: لا يبلغ كُنْهَه، كلام مولد.

 

 

** (فائدة)

 

** في أمالي ثعلب: سُئِل عن التغيير: فقال هو كلُّ شيء مولد.

 

** وهذا ضابط حسن، يقتضي أن كلَّ لفظ كان عربيَّ الأصل ثم غيرته العامة بهَمْزِ أو تَرْكه أو تسكينٍ أو تحريك أو نحو ذلك مولد،

 

** وهذا يجتمع منه شيء كثير.

 

** وقد مشى على ذلك الفارابي في ديوان الأدب، فإنه قال في الشَّمْع والشمْعة بالسكون: إنه مولد وإن العربي بالفتح.

 

** وكذا فعَل في كثير من الألفاظ.

 

… الخ) اهـ

 

 

 

** قال أبو عبد الله وفقه الله:

 

** ليس كل ما ذكر هنا أنه مولد متفقا عليه عند علماء أهل اللغة، فبعضها عربي فصيح وليس بمولد، كلفظة: (حوائج)؛ فإنه قد ورود بها السماع نثرًا وشعرًا:

** ففي صحيح البخاري (الطبعة الهندية) (ص: 2708):

** عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: خَرَجَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ لَيْلًا، فَرَآهَا عُمَرُ فَعَرَفَهَا، فَقَالَ: إِنَّكِ وَاللَّهِ يَا سَوْدَةُ مَا تَخْفَيْنَ عَلَيْنَا، فَرَجَعَتْ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ، وَهُوَ فِي حُجْرَتِي يَتَعَشَّى، وَإِنَّ فِي يَدِهِ لَعَرْقًا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَرُفِعَ عَنْهُ وَهُوَ يَقُولُ: «قَدْ أَذِنَ اللَّهُ لَكُنَّ أَنْ تَخْرُجْنَ لِحَوَائِجِكُنَّ»

 

** والأحاديث التي ذكرت فيها لفظة: (حوائج) كثيرة.

 

** وفي كتاب: (لسان العرب)، (2/ 243):

 

** وَكَانَ الأَصمعي يُنْكِرُهُ وَيَقُولُ هُوَ مولَّد؛

 

** قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وإِنما أَنكره لِخُرُوجِهِ عَنِ الْقِيَاسِ، وإِلَا فَهُوَ كَثِيرٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ؛ وَيَنْشُدُ:

 

نَهارُ المَرْءِ أَمْثَلُ، حِينَ تُقْضَى

حَوائِجُهُ، مِنَ اللَّيْلِ الطَّويلِ

 

** قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: إِنما أَنكره الأَصمعي لِخُرُوجِهِ عَنْ قِيَاسِ جَمْعِ حَاجَةٍ؛

 

** قَالَ: وَالنَّحْوِيُّونَ يَزْعُمُونَ أَنه جَمْعٌ لِوَاحِدٍ لَمْ يُنْطَقْ بِهِ، وَهُوَ حَائِجَةٌ.

 

** قَالَ: وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنه سُمِعَ (حائِجَةٌ) لُغَةٌ فِي الحاجةِ.

 

** قَالَ: وأَما قَوْلُهُ إِنه مُوَلَّدٌ فإِنه خطأٌ مِنْهُ؛ لأَنه قَدْ جَاءَ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَفِي أَشعار الْعَرَبِ الْفُصَحَاءِ.

 

** فَمِمَّا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ……

 

** وَمِمَّا جَاءَ فِي أَشعار الْفُصَحَاءِ قَوْلُ أَبي سَلَمَةَ الْمُحَارِبِيِّ:

 

ثَمَمْتُ حَوائِجِي ووَذَأْتُ بِشْراً

فبِئْسَ مُعَرِّسُ الرَّكْبِ السِّغابُ

 

** قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: ثَمَمْتُ أَصلحت؛

 

** وَفِي هَذَا الْبَيْتِ شَاهِدٌ عَلَى أَن حَوَائِجَ جَمْعُ حَاجَةٍ،

 

** قَالَ: وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: جَمْعُ حَائِجَةٍ لُغَةٌ فِي الحاجةِ؛

 

** وَقَالَ الشَّمَّاخِ:

 

تَقَطَّعُ بَيْنَنَا الحاجاتُ إِلَّا

حوائجَ يَعْتَسِفْنَ مَعَ الجَريء

 

……

 

** وَقَالَ سِيبَوَيْهِ فِي: (كِتَابِهِ): فِيمَا جَاءَ فِيهِ تَفَعَّلَ واسْتَفْعَلَ، بِمَعْنًى، يُقَالُ: (تَنَجَّزَ فلانٌ حوائِجَهُ، واسْتَنْجَزَ حوائجَهُ).

…… الخ) اهـ

 

 

** والله الموفق.

 

** كتبها: أبو عبد الله أحمد بن ثابت الوصابي

 

** الأربعاء 14 / 11/ 1438 هـ

 

** ومن أحب الاطلاع على الفوائد السابقة فمن الموقع الرسمي على الرابط:

 

https://binthabt.al3ilm.com/11613

=======================

91 توافق اللغات على بعض الكلمات، وليس في القران شيء بغير لغة العرب

سلسلة الفوائد اليومية:

 

91 توافق اللغات على بعض الكلمات، وليس في القران شيءٌ بغير لغةِ العرب

 

** قال السيوطي في كتابه: (المزهر في علوم اللغة وأنواعها)

 (1/ 209)

** النوع الثامن عشر

** معرفة توافق اللغات

 

** قال الجمهور: ليس في كتاب اللَّه -سبحانه- شيءٌ بغير لغةِ العرب لقوله تعالى: { إنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبيّاً }.

وقوله تعالى: {بِلِسَانٍ عَرَبيٍّ مُبين}.

** وادَّعى ناسٌ أن في القرآن ما ليس بلغةِ العرب حتى ذكروا لغةَ الروم، والقِبط، والنَّبط.

** قال أبو عبيدة: ومَن زعم ذلك فقد أكْبَرَ القول.

** قال: وقد يُوافق اللفظُ اللفظَ، ويقاربه ومعناهما واحدٌ وأحدهما بالعربية والآخر بالفارسية أو غيرها.

** قال: فمن ذلك الإسْتَبْرَق، وهو الغليظُ من الدِّيباج، وهو استبره، بالفارسية أو غيرها.

** قال: وأهلُ مكة يسمُّون المِسْح الذي يَجعَل فيه أصحاب الطعام البر (البِلاَس) وهو بالفارسية (بلاس) فأمالوها وأعربوها، فقاربت الفارسيةَ العربية في اللفْظ.

** ثم ذكر أبو عبيدة (البالِغاء) وهي الأكارع.

** وذكر (القَمَنْجَر) الذي يُصلح القسي.

** وذكر (الدَّسْت، والدَّشْت، والخِيم، والسَّخت).

** ثم قال: وذلك كلُّه من لغات العرب، وإن وافَقه في لفظه ومعناه شيء من غير لغاتهم.

** قال ابن فارس في فقه اللغة: وهذا كما قاله أبو عبيدة.

** وقال الإمام فخر الدين الرازي وأتباعه: ما وقع في القرآن من نحو: (المشكاة، والقسطاس، والإستبرق، والسجيل)،

ولا نُسَلِّم أنها غيرُ عربية، بل غايتُه أن وَضْع العرب فيها وافق لغة أخرى كالصابون والتنور فإن اللغات فيها متفقة.

** قلت: والفرق بين هذا النوع وبين المعَرَّب أن المعرَّب له اسم في لغة العرب غير اللفظ الأعجمي الذي استعملوه بخلاف هذا.

 

** وفي الصحاح: (الدشت): الصحراء قال الشاعر: // من الرجز //

(سُودِ نِعَاجٍ كَنِعَاجِ الدَّشْتِ)

وهو فارسيٌ أو اتفاقٌ وقعَ بين اللغتين.

** وقال ابنُ جني في الخصائص يقال: إن (التنُّور) لفظةٌ اشترَك فيها جميع اللغات من العرب وغيرهم، وإن كان كذلك فهو ظريف.

** وعلى كل حال فهو فَعوّل أو فعنول؛ لأنه جنسٌ.

** ولو كان أعجميا لا غير جاز تمثيلُه لِكَوْنه جنسا ولاَحقاً بالمعرب، فكيف وهو أيضا عربي لكونه في لغة العرب غير منقول إليها وإنما هو وِفاق وقع، ولو كان منقولا إلى اللغة العربية من غيرها لوَجب أن يكون أيضا وِفاقاً بين جميع اللغات غيرها ومعلومٌ سعة اللغات غير العربية، فإن جاز أن يكون مشتركا في جميع ما عدا العربية جاز أيضا أن يكون وِفاقاً فيها.

** قال: ويَبْعُدُ في نفسي أن يكون الأصلُ للغة واحدة ثم نُقِل إلى جميع اللغات لأنَّا لا نعرفُ له في ذلك نظيرا

** وقد يجوزُ أيضا أن يكون وِفاقاً وقع بين لغتين أو ثلاث أو نحو ذلك ثم انْتَشر بالنَّقل في جميعها.

** قال: وما أقرب هذا في نفسي لأنا لا نعرفُ شيئا من الكلام وقَع الاتفاقُ عليه في كل لغةٍ وعند كل أمة هذا كلُّه إذا كان في جميع اللغات هكذا، وإن لم يكن كذلك كان الخَطْبُ فيه أيسر.

انتهى.

** وقال الثعالبي في فقه اللغة: فصل في أسماء قائمة في لغتي العرب والفُرس على لفظٍ واحد: التنور الخمير الزمان الدِّين الكنز الدينار الدرهم. اهـ

 

 

** والله الموفق.

** كتبها: أبوعبد الله أحمد بن ثابت الوصابي

** الأحد 11/ 1 / 1438 هـ

 

** ومن أحب الاطلاع على الفوائد السابقة فمن الموقع الرسمي على الرابط:

https://binthabt.al3ilm.com/11613

=======================

90 أسماء الأيام والشهور في الجاهلية

سلسلة الفوائد اليومية: 

90 أسماء الأيام والشهور في الجاهلية

** قال السيوطي في كتابه: (المزهر في علوم اللغة وأنواعها)

, (1/ 174)


** أسماء الأيام في الجاهلية.

 

** قال في الجمهرة: أسماء الأيام في الجاهلية:

** السبت: شِيَار.

** والأحد: أَوّلُ.

** والاثنين: أَهْونَ، وأوْهَد.

** والثلاثاء: جُبَار.

** والأربعاء: دِبُار.

** والخميس: مُؤْنِس.

** والجمعة: عروبة.

 

** [[قلت: في كتاب: (جمهرة اللغة)، (3/ 1311):

** وَقَالَ بعض شعراء الْجَاهِلِيَّة:

أُؤَمِّلُ أَنْ أَعِيشَ وأَنَّ يَوْمِي *** بأَوَّلَ أَوْ بَأَهْوَنَ أَوْ جُبَارِ

أَوِ التَّالي دُبَارَ؛ فإن أَفُتْهُ *** فَمُؤْنِسَ أو عَرُوبةً أو شِيَارِ. اهـ]]

 

 

** (أسماء الشهور)

 

** وأسماء الشهور في الجاهلية:

** المحرم: وهو المُؤْتَمِر.

** وصفر: وهو ناجِر.

** وشهر ربيع الأول: وهو خَوَّان، وقالوا: خُوَّان.

** وربيع الآخر: وهو وَبْصَان.

** وجمادى الأولى: الحَنِين.

** وجمادى الآخرة: ربَّى.

** ورجب: الأَصَمّ.

** وشعبان: عادل.

** ورمضان: ناتِق.

** وشوَّالَ: وَعِلْ.

** وذو القعدة: ورنة.

** وذ الحجة: بُرَك.

 

** وقال الفراء في كتاب: (الأيام والليالي):

** (خُوَّانَ) من العرب من يخفِّفه، ومنهم من يشدده.

** والتثنية: (خوانان)، والجمع: (أخونه).

** و(ربصان)، منهم مَنْ يقُول: (بوصان)، على القَلْب،

** ومنهم مَنْ يُسقط الواو ويقول: (بُصَان)، مَضموم مخفف.

** (والحَنِينَ)، منهم مَنْ يفتح حاءه، ومنهم مَنْ يَضمّه.

** قال: و(جمادى الآخرة)، يسمى: (وَرْنَةَ)، ساكن الراء،

** ومنهم مَنْ يقول: (رِنة)، كزِنة.

** قال: (وذو القعدة)، يسمى: (هُوَاعاً).

 

** وقال ابن خالَويه: اختلف في (جمادى الآخرة)، فقال قُطْرب وابن الأنباري وابن دريد: هو رُبَّى بالباء.

** وقال أبو عمر الزاهد: هذا تصحيف إنما هو رنى.

** وقال أبو موسى الحامض: رِنَة.

** وقال القالي: في المقصور والَممدود: قال ابنُ الكلبي: كانت عاد تسمي جمادى الأولى: ربى، وجمادى الآخرة: حَنِيناً.

 

** وفي الصحاح: يقال: إنهم لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة سمَّوْها بالأزمنة التي وقعت فيها فوافق شهرُ رمضان أيامَ رَمَضَ الحر فسُمِّي بذلك. اهـ بزيادة ما بين المعكوفين.

 

 

** والله الموفق.

 

** كتبها: أبوعبد الله أحمد بن ثابت الوصابي

 

** الجمعة 9/ 1 / 1438 هـ

 

** ومن أحب الاطلاع على الفوائد السابقة فمن الموقع الرسمي على الرابط:

https://binthabt.al3ilm.com/11613

=======================

89 بيان الحكمة الداعية إلى وضْع اللغة

سلسلة الفوائد اليومية: 

بيان الحكمة الداعية إلى وضْع اللغة

 

** قال السيوطي في كتابه: (المزهر في علوم اللغة وأنواعها)، (1/ 32):

 

** -المسألة الثالثة- في بيان الحكمة الداعية إلى وضْع اللغة:

 

** قال الكِيَا الهَرَّاسي في تعليقه في أُصول الفقه:

 

** وذلك أن الإنسانَ لمَّا لم يكن مكتفيا بنفسه في معاشه ومُقِيمات معاشه لم يكن له بدٌّ من أن يسترفد المعاونة من غيره ولهذا اتَّخَذ الناسُ المدنَ ليجتمعوا ويتعاونوا.

 

** وقيل: إن الإنسان هو المتمدن بالطبع والتوحُّش دَأْبُ السباع ولهذا المعنى توزَّعَت الصنائع وانْقَسَمَت الحِرَف على الخَلْق فكلُّ واحدٍ قصَر وقتَه على حِرْفة يشتغل بها؛ لأن كلَّ واحد من الخَلْق لا يمكنُه أن يقوم بجُمْلَة مَقَاصِده فحينئذ لا يخْلُو من أن يكونَ محلُّ حاجته حاضرة عنده أو غائبة بعيدة عنه.

 

** فإن كانت حاضرة بين يديه أمكنه الإشارة إليها، وإن كانت غائبة فلا بدَّ له من أن يدلَّ على محل حاجاته وعلى مَقْصوده وغَرضه فوضعوا الكلامَ دلالة ووجدوا اللسانَ أسرعَ الأعضاءِ حركة وقبولا للترداد.

 

** وهذا الكلام إنما هو حرفٌ وصوتٌ فإن تركه سدى غفلا امتدَّ وطال وإن قطعه تقطَّع فقطَّعوه وجزؤوه على حركات أعضاءِ الإنسان التي يخرج منها الصوت وهو من أقصى الرِّئة إلى منتهى الفم فوجدوه تسعة وعشرين حرفا لا تزيد على ذلك.

** ثم قسَّموها على الحلْق والصَّدْر والشَّفَةِ واللثَّة.

** ثم رَأَوْا أن الكفاية لا تقعُ بهذه الحروف التي هي تسعةٌ وعشرون حرفا ولا يحصل له المقصود بإفرادها فركبوا منها الكلامَ ثُنائيّاً وثلاثيا ورباعيا وخماسيا هذا هو الأصل في التركيب وما زاد على ذلك يُستَثْقَل فلم يضعوا كلمة أصلية زائدة على خمسة أحرف إلا بطريق الإلْحاق والزيادة لحاجة.

 

** وكان الأصلُ أن يكون بإزاءِ كل معنى عبارةٌ تدلُ عليه غير أنه لا يمكنُ ذلك؛ لأَن هذه الكلمات متناهيةٌ،

 

** وكيف لا تكون متناهية ومَوَارِدها ومَصَادرها متناهية فدعت الحاجةُ إلى وضع الأسماء المشتَركة فجعلوا عبارة واحدة لمسَمَّيَاتٍ عِدَّة كالعَيْنِ والجَوْن واللون.

** ثم وضعوا بإزاء هذا على نقيضه كلماتٍ لمعنى واحد؛ لأن الحاجةَ تدعو إلى تأكيد المعْنى والتحريض والتقرير، فلو كُرّرَ اللفظ الواحد لسَمُجَ ومُجَّ.

** ويقال: الشيء إذا تكرر تكرَّج.

** والطِّباعُ مجبولةٌ على مُعَاداة المُعَادات فخالفوا بين الألفاظ والمعنى واحد.

** ثم هذا ينقسم إلى ألفاظ متواردة وألفاظ مترادفة:

** فالمتواردة: كما تسمى الخمر: عقارا، وصهباء، وقهوة، وسلسالا، والسبعُ: ليثا، وأسدا، وضِرْغاماً.

** والمترادفة: هي التي يقام لفظ مقام لفظ لمعان متقاربة يجمعها معنى واحد كما يقال: أصلح الفاسد، ولم الشعث، ورتق الفتق، وشعب الصدع.

** وهذا أيضا مما يَحْتَاجُ إليه البليغ في بلاغته فيقال: خطيبٌ مِصْقَع، وشاعر مُفْلِق، فَبِحُسْنِ الألفاظ واختلافها على المعنى الواحد ترصع المعاني في القلوب وتَلْتَصِق بالصدور.

** ويزيد حسنُه وحَلاوته وطَلاَوته بضَرْب الأمثلة به والتشبيهات المجازية، وهذا ما يَسْتَعْمِلُه الشعراء والخطباء والمترسِّلون.

** ثم رأوا أنه يضيقُ نِطاقُ النُّطق عن استعمال الحقيقة في كل اسمٍ فعدَلوا إلى المجاز والاستعارات.

** ثم هذه الألفاظ تنقسم إلى مشتركة وإلى عامَّة مطلقة وتسمى مستغرقة وإلى ما هو مفرد بإزاء مفرد وسيأتي بيان ذلك.

** وقال الإمام فخر الدين وأتباعه: السببُ في وضع الألفاظ أن الإنسان الواحد وحدَه لا يستقلُّ بجميع حاجاته بل لا بدَّ من التعاون ولا تعاونَ إلا بالتَّعارف ولا تعارفَ إلا بأسباب كحركات أو إشاراتٍ أو نقوش أو ألفاظٍ توضع بإزاء المقاصد، وأَيْسَرُها وأفيدُها وأعمُّها الألفاظ:

** أمَّا أنها أيسر: فِلأَنَّ الحروفَ كيفيَّاتٌ تَعْرِضُ لأصواتٍ عارضة للهواء الخارج بالتنفس الضروري الممدود من قبل الطبيعة دون تكلُّف اختياري.

** وأما أنها أفيدُ: فلأَنها موجودةٌ عند الحاجة معدومةٌ عند عَدَمها.

** وأما أنها أعمُّها فليس يمكن أن يكونَ لكل شيءٍ نَقْشٌ كذات الله تعالى والعلوم، أو إليه إشارة كالغائبات.

** ويمكن أن يكونَ لكل شيءٍ لفظٌ.

فلما كانت الألفاظُ أيسرَ وأفيدَ وأعمَّ صارت موضوعة بإزاء المعاني. اهـ

 

 ** والله الموفق.

** كتبها: أبوعبد الله أحمد بن ثابت الوصابي

** الخميس 8 / 1 / 1438 هـ.

88 فضل شهر الله المحرم، ويوم عاشوراء

سلسلة الفوائد اليومية: 

فضل شهر الله المحرم، ويوم عاشوراء

 

** الحمد لله رب العالمين، إله الأولين والآخرين، وقيوم السماوات والأرضين، أعز عباده المؤمنين وأذل أعداءه الكافرين من يهود ونصارى ومشركين،

** وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصاحين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله إمام المتقين، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

** أما بعد: فنحمد الله الكريم المنان، ذا الفضل والجود والإحسان، الذي مد في أعمارنا وأخر في آجالنا حتى أدركنا هذا العام الجديد،

** فهذه نعمة عظيمة ومنة جسيمة يجب علينا أن نشكر الله عليها، وأن نستغل ما بقي من أعمارنا في طاعة الله ربنا جل جلاله، فنتقرب إلى الله سبحانه وتعالى بفعل الطاعات رغبة في ثوابه، وترك المعاصي والمنكرات رهبة من عقابه.

** جاء في سنن الترمذي وغيره من حديث أَبِي بَكْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ، قَالَ: «مَنْ طَالَ عُمُرُهُ، وَحَسُنَ عَمَلُهُ»، قَالَ: فَأَيُّ النَّاسِ شَرٌّ؟ قَالَ: «مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَسَاءَ عَمَلُهُ»

 [قال الألباني: صحيح لغيره]

** وجاء في سنن النسائي وغيره من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمُ الْمَوْتَ، إِمَّا مُحْسِنًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَزْدَادَ خَيْرًا، وَإِمَّا مُسِيئًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعْتِبَ» صححه الألباني.

** فالعاقل اللبيب هو الذي يغتنم حياته ويستغل أوقاته في انتهاز الفرص والمواسم الإيمانية والنفحات الربانية التي تقربه من الله ورحمته وجنته، وتباعده من غضبه وسخطه وناره.

** جاء في مستدرك الحاكم من حديث ابن عباسٍ رضي الله عنْهما قال:

قال رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لِرَجلٍ وهو يَعِظُه:

“اغْتَنِمْ خَمْساً قبلَ خَمْسٍ: شبابَكَ قبلَ هَرمِكَ، وصِحَّتَك قبل سَقْمِكَ، وغِناكَ قبْلَ فقْرِكَ، وفَراغَك قَبْلَ شُغْلِكَ، وحياتَك قَبْلَ مَوْتِكَ”. صححه الألباني.

 

** أيها الأخوة: إن الله افتتح شهور العام بشهر حرام وهو شهر الله المحرم الذي هو أحد الأشهر الأربعة الحرم التي عظمها وشرفها ونهانا أن نظلم فيهن أنفسنا كما قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ}

 

** وظلم النفس نوعان: ترك الواجبات، وارتكاب المحرمات.

 

** وقد بين النبي صلى عليه وسلم فضل هذا الشهر الكريم، وذلك بأن أضافه إلى الله سبحانه وتعالى، وهذه الإضافة تقتضي التشريف والتكريم،

** وأخبر أن الصيام فيه من أفضل الأعمال فقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة -رضى الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم-: «أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمُ وَأَفْضَلُ الصَّلاَةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلاَةُ اللَّيْلِ».

 

** وفي كتاب: (شرح السيوطي) لسنن النسائي،(3/ 206):

** قال الحافظ أبو الفضل العراقي في شرح الترمذي: ما الحكمة في تسمية المحرم شهر الله، والشهور كلها لله؟

** يحتمل أن يقال: إنه لما كان من الأشهر الحرم التي حرم الله فيها القتال، وكان أول شهور السنة أضيف إليه إضافة تخصيص.

** ولم يصح إضافة شهر من الشهور إلى الله تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم الا شهر الله المحرم. اهـ.

 

** وقال السيوطي في كتابه:[الديباج شرح صحيح مسلم بن الحجاج] – (3 / 251):

** أقول: سئلت: لم خص المحرم بقولهم: شهر الله دون سائر الشهور، مع أن فيها ما يساويه في الفضل أو يزيد عليه كرمضان؟

** ووجدت ما يجاب به: أن هذا الاسم إسلامي دون سائر الشهور، فإن أسماءها كلها على ما كانت عليه في الجاهلية.

** وكان اسم المحرم في الجاهلية صفر الأول، والذي بعده صفر الثاني فلما جاء الإسلام سماه الله المحرم، فأضيف إلى الله بهذا الاعتبار

** وهذه الفائدة لطيفة رأيتها في الجمهرة.

** قال القرطبي: إنما كان صوم المحرم أفضل الصيام من أجل أنه أول السنة المستأنفة فكان استفتاحها بالصوم الذي هو أفضل الأعمال…الخ).

 

** وفي (شرح النووي على صحيح مسلم)، (4 / 185):

** قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أَفْضَل الصِّيَام بَعْد رَمَضَان شَهْر اللَّه الْمُحَرَّم) تَصْرِيح بِأَنَّهُ أَفْضَل الشُّهُور لِلصَّوْمِ،

** وَقَدْ سَبَقَ الْجَوَاب عَنْ إِكْثَار النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ صَوْم شَعْبَان دُون الْمُحْرِم، وَذَكَرنَا فِيهِ جَوَابَيْنِ:

** أَحَدهمَا: لَعَلَّهُ إِنَّمَا عَلِمَ فَضْلَهُ فِي آخِر حَيَاته، أي قبل التمكن من صومه)

** وَالثَّانِي: لَعَلَّهُ كَانَ يَعْرِض فِيهِ أَعْذَار، مَنْ سَفَرٍ أَوْ مَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِمَا.

اهـ

 

** وأعظم يوم في هذا الشهر العظيم هو يوم عاشوراء الذي خصه الله بمزيد فضل وعظيم أجر، ونصر فيه أولياءه المؤمنين، وهزم أعداءه الكافرين.

 

** وسنتكلم على هذا اليوم العظيم في هذه النقاط التالية:

 

(1) فضله:

** إن لهذا اليوم فضلا عظيما وأجرا كبيرا، ومما يدل على فضله:

 

(أ)أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتحراه غاية التحري لما له من المكانة، ففي صحيح البخاري من حديث ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَحَرَّى صِيَامَ يَوْمٍ فَضَّلَهُ عَلَى غَيْرِهِ إِلَّا هَذَا الْيَوْمَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَهَذَا الشَّهْرَ يَعْنِي شَهْرَ رَمَضَانَ.

 

** فقوله: (يتحرى) من التحري، وهو المبالغة في طلب الشيء،

 

(ب) – أنه كان يرغب الصحابة الكرام في صيامه ترغيبا حثيثا، ففي صحيح مسلم عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يأمرنا بصيام يوم عاشوراء، ويحثنا عليه، ويتعاهدنا عنده، فلما فرض رمضان لم يأمرنا، ولم ينهنا، ولم يتعاهدنا عنده)

 

** قوله: (يحثنا عليه) أي يحضنا

** وقوله: (ويتعاهدنا عنده) أي يراعي حالنا عند عاشر المحرم هل صمنا فيه أو لم نصم ]

 

(ج) -أنه كان يخبرهم أن صيامه سبب في تكفير سنة ماضية ففي صحيح مسلم من حديث أبي قتادةَ رضي الله عنه أن رجلاً سأل النبيَّ عن صيام يومِ عاشورا فقال: ((أحتسبُ على اللهِ أن يكفرَ السنةَ التي قبله))،

 

** وهذا من فضل الله علينا أن أعطانا بصيام يومٍ واحد تكفيرَ ذنوبِ سنةٍ كاملة، والله ذو الفضل العظيم.

 

** (فائدة):

 

** قال الحافظ ابن حجر في كتابه: (فتح الباري)- (6 / 286):

**… وَظَاهِره أَنَّ صِيَام يَوْم عَرَفَة أَفْضَل مِنْ صِيَام يَوْم عَاشُورَاء،

** وَقَدْ قِيلَ فِي الْحِكْمَة فِي ذَلِكَ: إِنَّ يَوْمَ عَاشُورَاء مَنْسُوبٌ إِلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام، وَيَوْمَ عَرَفَة مَنْسُوبٌ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلِذَلِكَ كَانَ أَفْضَلَ. اهـ

 

** وفي كتاب: (حاشية الجمل (8 / 317) لسليمان بن عمر، المعروف بالجمل (المتوفى: 1204هـ):

** إنَّمَا كَانَ عَرَفَةُ بِسَنَتَيْنِ وَعَاشُورَاءُ بِسَنَةٍ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ يَوْمٌ مُحَمَّدِيٌّ، وَالثَّانِيَ يَوْمٌ مُوسَوِيٌّ، وَنَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْضَلُ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ فَكَانَ يَوْمُهُ بِسَنَتَيْنِ. اهـ.

 

** وتكفير الذنوب الحاصل بصيام يوم عاشوراء المراد به الصغائر،

** أما الكبائر فتحتاج إلى توبة خاصة.

 

** قال النووي رحمه الله في: (المجموع شرح المهذب)، (6/ 382):

 ** يُكَفِّرُ (صيام يوم عرفة) كُلَّ الذُّنُوبِ الصَّغَائِرِ، وَتَقْدِيرُهُ: يَغْفِرُ ذُنُوبَهُ كُلَّهَا إلا الْكَبَائِرَ،…

** ثم قال رحمه الله: صَوْمُ يَوْمِ عَرَفَةَ كَفَّارَةُ سَنَتَيْنِ، وَيَوْمُ عَاشُورَاءَ كَفَّارَةُ سَنَةٍ، وَإِذَا وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ… كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ صَالِحٌ لِلتَّكْفِيرِ.

** فَإِنْ وَجَدَ مَا يُكَفِّرُهُ مِنْ الصَّغَائِرِ كَفَّرَهُ، وَإِنْ لَمْ يُصَادِفْ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً كُتِبَتْ بِهِ حَسَنَاتٌ وَرُفِعَتْ لَهُ بِهِ دَرَجَاتٌ، وَذَلِكَ كَصَلَوَاتِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَالصِّبْيَانِ وَصِيَامِهِمْ وَوُضُوئِهِمْ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ عِبَادَاتِهِمْ.

** وَإِنْ صَادَفَ كَبِيرَةً أَوْ كَبَائِرَ وَلَمْ يُصَادِفْ صَغَائِرَ، رَجَوْنَا أَنْ تُخَفِّفَ مِنْ الْكَبَائِرِ. اهـ

 

** وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في: (الفتاوى الكبرى)، (5/ 342):

** وتكفير الطهارة والصلاة وصيام رمضان وعرفة وعاشوراء للصغائر فقط، وكذا الحج، … الخ).

 

(2) الحكمة من صيام هذا اليوم: شكر الله جل وعلا:

** جاء في الصحيحين من حديث ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ:

قَدِمَ النَّبِيُّ الْمَدِينَةَ فَرَأَى الْيَهُودَ تَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا يَوْمٌ صَالِحٌ، هَذَا يَوْمٌ نَجَّى اللَّهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ عَدُوِّهِمْ، فَصَامَهُ مُوسَى، قَالَ: ((فَأَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ))، فَصَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ.

 

** وجاء في سنن ابن ماجه بلفظ: ((فصامه موسى شكرا)).

 

** قوله: (يوم صالح) أي وقع فيه خير وصلاح.

** قوله: (فَأَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ) أي أولى بالفرح والابتهاج بنجاته مِنْكُمْ.

 

 

** قال الشيخ ابن عثيمين في كتابه:(شرح رياض الصالحين)- (1 / 1443):

** فقال: (نحن أولى بموسى منكم)، لماذا؟

** لأن النبي والذين معه أولى الناس بالأنبياء السابقين {إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين أمنوا والله ولي المؤمنين}

** فرسول الله صلى الله عليه وسلم أحق بموسى من اليهود؛ لأن اليهود كفروا به، وكفروا بعيسى، وكفروا بمحمد. اهـ المراد

 

(3) حُكْمُ صيام يوم عاشورا:

** اتفق العلماءُ على أن صيامَه من مستحب وليس من بواجب.

 

** عَنْ عَبْد اللهِ بْن عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، أَنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يَصُومُونَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَأَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَامَهُ، وَالْمُسْلِمُونَ قَبْلَ أَنْ يُفْتَرَضَ رَمَضَانُ، فَلَمَّا افْتُرِضَ رَمَضَانُ، قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ عَاشُورَاءَ يَوْمٌ مِنْ أَيَّامِ اللهِ، فَمَنْ شَاءَ صَامَهُ وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ» متفق عليه، وهذا لفظ مسلم.

 

** قال ابن عبد البر في كتابه: (الاستذكار)، (3/ 327):

** لَا يَخْتَلِفُ الْعُلَمَاءُ أَنَّ يَوْمَ عَاشُورَاءَ لَيْسَ بِفَرْضٍ صِيَامُهُ. اهـ

 

** وفي: (شرح النووي على مسلم) (8/ 4):

** (اتَّفَقَ العلماء على أن صوم يوم عاشوراء اليوم سُنَّةٌ لَيْسَ بِوَاجِبٍ

** وَاخْتَلَفُوا فِي حُكْمِهِ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ حِينَ شُرِعَ صَوْمُهُ قَبْلَ صَوْمِ رَمَضَانَ… الخ) اهـ المراد

 

(4) استحباب صوم يوم التاسع قبله مخالفة لليهود.

** عن عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، قال: حِينَ صَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّهُ يَوْمٌ تُعَظِّمُهُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

«فَإِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ إِنْ شَاءَ اللهُ صُمْنَا الْيَوْمَ التَّاسِعَ»

قَالَ: فَلَمْ يَأْتِ الْعَامُ الْمُقْبِلُ، حَتَّى تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

رَوَاهُ مُسلم

 

(5) مراتبُ صيامِهِ:

** قال ابن القيمِ في كتابه: (زاد المعاد) (2/ 72):

** فَمَرَاتِبُ صَوْمِهِ ثَلَاثَةٌ:

** أَكْمَلُهَا أَنْ يُصَامَ قَبْلَهُ يَوْمٌ وَبَعْدَهُ يَوْمٌ،

** وَيَلِي ذَلِكَ أَنْ يُصَامَ التَّاسِعُ وَالْعَاشِرُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَحَادِيثِ،

** وَيَلِي ذَلِكَ إِفْرَادُ الْعَاشِرِ وَحْدَهُ بِالصَّوْمِ.

** وَأَمَّا إِفْرَادُ التَّاسِعِ فَمِنْ نَقْصِ فَهْمِ الْآثَارِ، وَعَدَمِ تَتَبُّعِ أَلْفَاظِهَا وَطُرُقِهَا، وَهُوَ بَعِيدٌ مِنَ اللُّغَةِ وَالشَّرْعِ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ. اهـ

 

** وفي: (فتح الباري) لابن حجر – (6 / 280):

(… وَقَالَ بَعْض أَهْل الْعِلْم: قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَحِيح مُسْلِم ” لَئِنْ عِشْت إِلَى قَابِل لَأَصُومَن التَّاسِعَ ” يَحْتَمِل أَمْرَيْنِ:

** أَحَدهمَا: أَنَّهُ أَرَادَ نَقْلَ الْعَاشِرِ إِلَى التَّاسِعِ،

** وَالثَّانِي: أَرَادَ أَنْ يُضِيفَهُ إِلَيْهِ فِي الصَّوْم،

** فَلَمَّا تُوُفِّيَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ بَيَانِ ذَلِكَ كَانَ الِاحْتِيَاطُ صَوْمَ الْيَوْمَيْنِ،

** وَعَلَى هَذَا فَصِيَام عَاشُورَاء عَلَى ثَلَاث مَرَاتِب:

** أَدْنَاهَا أَنْ يُصَامَ وَحْدَهُ، وَفَوْقَهُ أَنْ يُصَام التَّاسِعُ مَعَهُ، وَفَوْقَهُ أَنْ يُصَامَ التَّاسِعُ وَالْحَادِي عَشَرَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. اهـ

 

** (مسألة: حكم إفراد عاشوراء بالصيام):

 

** هل يجوز صيام اليوم العاشر فقط؟

 

** قال شيخ الإسلام في: (الفتاوى الكبرى)، (5/ 378):

** وَصِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ كَفَّارَةُ سَنَةٍ وَلَا يُكْرَهُ إفْرَادُهُ بِالصَّوْمِ. اهـ المراد

 

** وفي: (فتاوى اللجنة الدائمة) – 1 (10/ 401):

** السؤال الثاني من الفتوى رقم (13700)

** س2: هل يجوز صيام عاشورا يوما واحدا فقط؟

** ج2: يجوز صيام يوم عاشوراء يوما واحدا فقط، لكن الأفضل صيام يوم قبله أو يوم بعده، وهي السنة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع»

** قال ابن عباس رضي الله عنهما: (يعني مع العاشر).

** وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. اهـ

 

** (مسألة أخرى: حكم إفراد عاشوراء بالصيام إذا وافق يوم سبت أو يوم جمعة):

 

** في: (فتاوى اللجنة الدائمة) – 2 (9/ 313)

** س1: أنا شاب كنت مواظبا على صيام داود عليه السلام،

** لكن وجد من يقول لي: إذا وافق صومك يوم السبت أو يوم الجمعة فلا تفردهما بالصيام، وهذا قول الشيخ الألباني حفظه الله، كما قالوا،

** وبقيت أصوم وأنا في حالة اضطراب،

** فأرجو إفادتي بحكم إفراد يوم السبت ويوم الجمعة بالصوم إذا كان في صيام داود أو وافق يوم عرفة أو عاشوراء؟

** ج1: من صام صيام داود عليه السلام فلا حرج عليه في صيام يوم الجمعة أو يوم السبت إذا وافق ذلك صيامه الذي يصومه،

** وكذلك لا مانع من صيامهما إذا وافق ذلك يوم عرفة أو يوم عاشوراء،

** مع العلم بأن الحديث الخاص بالنهي عن صوم يوم السبت إلا فيما افترض علينا غير صحيح. اهـ

 

(6) لا يجوز تخصيص يوم عاشوراء بعبادة غير الصيام.

 

** وفي كتاب: (الفتاوى الكبرى)، لشيخ الإسلام (1/ 194):

15 – 15 – مَسْأَلَةٌ:

** وَسُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ، عَمَّا يَفْعَلُهُ النَّاسُ فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ مِنْ الْكُحْلِ، وَالِاغْتِسَالِ، وَالْحِنَّاءِ وَالْمُصَافَحَةِ، وَطَبْخِ الْحُبُوبِ وَإِظْهَارِ السُّرُورِ، وعزوا ذَلِكَ إلَى الشَّارِعِ:

** فَهَلْ وَرَدَ فِي ذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَمْ لَا؟ ** وَإِذَا لَمْ يَرِدْ حَدِيثٌ صَحِيحٌ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَهَلْ يَكُونُ فِعْلُ ذَلِكَ بِدْعَةً أَمْ لَا؟

** وَمَا تَفْعَلُهُ الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى مِنْ الْمَأْتَمِ وَالْحُزْنِ وَالْعَطَشِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ النَّدْبِ وَالنِّيَاحَةِ، وَقِرَاءَةِ الْمَصْرُوعِ، وَشَقِّ الْجُيُوبِ.

** هَلْ لِذَلِكَ أَصْلٌ، أَمْ لَا؟

 

** الْجَوَابُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

** لَمْ يَرِدْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا عَنْ أَصْحَابِهِ، وَلَا اسْتَحَبَّ ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ لَا الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، وَلَا غَيْرِهِمْ.

** وَلَا رَوَى أَهْلُ الْكُتُبِ الْمُعْتَمَدَةِ فِي ذَلِكَ شَيْئًا، لَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا الصَّحَابَةِ، وَلَا التَّابِعِينَ، لَا صَحِيحًا وَلَا ضَعِيفًا، لَا فِي كُتُبِ الصَّحِيحِ، وَلَا فِي السُّنَنِ، وَلَا الْمَسَانِيدِ،

** وَلَا يُعْرَفُ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ عَلَى عَهْدِ الْقُرُونِ الْفَاضِلَةِ.

** وَلَكِنْ رَوَى بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي ذَلِكَ أَحَادِيثَ مِثْلَ مَا رَوَوْا أَنَّ مَنْ اكْتَحَلَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ لَمْ يَرْمَدْ مِنْ ذَلِكَ الْعَامِ، وَمَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ لَمْ يَمْرَضْ ذَلِكَ الْعَامِ، وَأَمْثَالِ ذَلِكَ.

** وَرَوَوْا فَضَائِلَ فِي صَلَاةِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ،

** وَرَوَوْا أَنَّ فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ تَوْبَةَ آدَمَ، وَاسْتِوَاءَ السَّفِينَةِ عَلَى الْجُودِيِّ، وَرَدَّ يُوسُفَ عَلَى يَعْقُوبَ، وَإِنْجَاءَ إبْرَاهِيمَ مِنْ النَّارِ، وَفِدَاءَ الذَّبِيحِ بِالْكَبْشِ وَنَحْوَ ذَلِكَ.

** وَرَوَوْا فِي حَدِيثٍ مَوْضُوعٍ مَكْذُوبٍ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {أَنَّهُ مَنْ وَسَّعَ عَلَى أَهْلِهِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ سَائِرَ السَّنَةِ}.

** وَرِوَايَةُ هَذَا كُلِّهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَذِبٌ،… الخ).

اهـ المراد

 

** وفي كتاب: (الموضوعات)، لابن الجوزي (2/ 199):

** بَاب فِي ذكر عَاشُورَاءَ:

** قَدْ تمذهب قوم من الْجُهَّال بِمذهب أَهْل السّنة، فقصدوا غيظ الرافضة، فوضعوا أَحَادِيث فِي فضل عَاشُورَاءَ، وَنحن برَاء من الْفَرِيقَيْنِ.

** وَقَدْ صَحَّ أَن رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمر بِصَوْم عَاشُورَاءَ، إِذْ قَالَ: إِنَّهُ كَفَّارَة سنة، فَلم يقنعوا بِذَلِكَ حَتَّى أطالوا وأعرضوا وترقوا فِي الْكَذِب.

** فَمن الْأَحَادِيث الَّتِي وضعُوا: … الخ). اهـ

 

((والخلاصة)):

** أنه ينبغي لنا أن نفرح بهذا الخير العظيم والأجر العميم الذي يسر الله به، وأن نحث عليه أبنائنا وأزواجنا وإخواننا وجيراننا وغيرهم من المسلمين، فلا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه.

** ونحن – والله وبالله وتالله – لا نستغني عن الحسنة الواحدة، فذنوبنا كثيرة جدا لا يحصيها إلا الله، كما قال الله في الحديث القدسي الذي رواه مسلم عَنْ أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِيمَا رَوَى عَنِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ: «… يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ، …).

 

** فلنسارع ولنسابق إلى هذه الحسنات والأعمال الصالحات التي ترفع درجاتنا وتكفر عنا سيئاتنا.

** قال الله تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ}

** وعَنْ أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اتَّقِ اللَّهِ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ» رواه أحمد وغيره، وحسنه الألباني.

 

** ولنكن – في حب الخير والمسابقة إليه والحث عليه – مقتدين بالنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأصحابه الكرام رضوان الله عليهم، والتابعين لهم بإحسان.

** عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذِ ابْنِ عَفْرَاءَ رضي الله عنها، قَالَتْ: أَرْسَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَدَاةَ عَاشُورَاءَ إِلَى قُرَى الْأَنْصَارِ، الَّتِي حَوْلَ الْمَدِينَةِ: «مَنْ كَانَ أَصْبَحَ صَائِمًا، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، وَمَنْ كَانَ أَصْبَحَ مُفْطِرًا، فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ» فَكُنَّا، بَعْدَ ذَلِكَ نَصُومُهُ، وَنُصَوِّمُ صِبْيَانَنَا الصِّغَارَ مِنْهُمْ إِنْ شَاءَ اللهُ، وَنَذْهَبُ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَنَجْعَلُ لَهُمُ اللُّعْبَةَ مِنَ الْعِهْنِ، فَإِذَا بَكَى أَحَدُهُمْ عَلَى الطَّعَامِ أَعْطَيْنَاهَا إِيَّاهُ حَتَّى يَكُونَ عِنْدَ الْإِفْطَارِ ”

متفق عليه

 

 

** والله الموفق.

** كتبها: أبوعبد الله أحمد بن ثابت الوصابي

** الأربعاء 7 / 1 / 1438 هـ

(86) الحقوق الزوجية / الحلقة الرابعة / وصايا للزوجين

سلسلة الفوائد اليومية:

 

الحقوق الزوجية / الحلقة الرابعة / وصايا للزوجين

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وعلى آله وصبحه أجمعين.

أما بعد: فهذه بعض الوصايا النافعة للزوجين الكريمين، التي إذا امتثلاها سعدا – بإذن الله – في الدنيا والآخرة.

 

** الوصية الأولى:

 

** الوصية بتقوى الله جل وعلا؛ فإنها خير وصية نتوصى بها،

** إذ هي وصية الله سبحانه وتعالى للأولين والآخرين،

** ووصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته من بعده،

** ووصية عباد الله الصالحين بعضهم بعضا.

** قال الله تعالى: {وَللَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللَّهَ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ لِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا}

 

** وعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اتَّقِ اللَّهِ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ» رواه أحمد وغيره، [وحسنه الألباني]

 

 

** وفي كتاب: (جامع العلوم والحكم) ت الأرنؤوط (1/ 406):

(… وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى رَجُلٍ: أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ الَّتِي لَا يَقْبَلُ غَيْرَهَا، وَلَا يَرْحَمُ إِلَّا أَهْلَهَا، وَلَا يُثِيبُ إِلَّا عَلَيْهَا، فَإِنَّ الْوَاعِظِينَ بِهَا كَثِيرٌ، وَالْعَامِلِينَ بِهَا قَلِيلٌ، جَعَلَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ مِنَ الْمُتَّقِينَ…). اهـ

 

** فعلى الزوجين أن يتقيا الله في جميع أمورهما، وأن يعامل كل واحد منهما الآخر معاملة ترضي الله.

** فإن قصر أحد الزوجين في أداء الواجب الذي عليه فلا يقصر الطرف الآخر.

** قال الله تعالى: {وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ}

** قال تعالى: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}

** وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

«أَدِّ الْأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ»

رواه أبو داود (3/ 290)، وقال الألباني: [حسن صحيح]

 

 

** فمثلا: إذا علمت الزوجة أن زوجها زنى، فلا تقل: وأنا سأذهب وأزني مثله، أو قصر الزوج في حقها أو سبها أو منعها بعض حاجاتها، تقول: وأنا سأعاقبه، فتمنعه حقه أو تضيع ماله، أو نحو ذلك

 

 

 

** الوصية الثانية:

** الحرص الشديد على تحقيق التوحيد، وذلك بأن يعتمدا كل الاعتماد على الله وحده في جلب المنافع ودفع المضار،

** وأن يبتعدا كل البعد عن كل الشركيات والخرافات،

** فلا عزائم ولا تمائم، ولا حتليت، ولا ملح للجن، ولا جنبية أو عطيف (حجاب من الجن)، ولا ذبح للجن عند دخول الزوجة، ولا غير ذلك من الشركيات والخرافات التي يعملها كثير من الناس رجلا ونساء؛ فالنفع والضر، والسعادة والشقاوة، والصحة والمرض، والإنجاب والعقم، كله من عند الله سبحانه وتعالى.

 

كما قال الله – على لسان إبراهيم الخليل -: {فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ * الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ * وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ}

** وقال تعالى: {مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}

 

** وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “…

** وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلاَمُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ “.

رواه أحمد وغيره، وصححه الألباني.

 

 

 

** الوصية الثالثة:

** الوصية بطلب العلم النافع علم الكتاب والسنة الذي يعرف كلا من الزوجين بحقوق الآخر.

** قال الله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا)

** و(الْهُدَى): هو الْعِلْمِ النافع و(دِينُ الْحَقِّ): هو الْعَمَلِ الصالح.

 

** وعن معاوية رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين) متفق عليه

 

** فبالعلم تبنى الأسر والمجتمعات والدول بناء قويا، وبه تعرف الأحكام من الحلال والحرام.

** فخير الدنيا والآخرة مع العلم، وشر الدنيا والآخرة مع الجهل.

 

** وفي كتاب: (شرح السنة) للبغوي (1/ 279):

** وَقَالَ قَتَادَةُ: بَابٌ مِنَ الْعِلْمِ يَحْفَظُهُ الرَّجُلُ لِصَلاحِ نَفْسِهِ، وَصَلاحِ مَنْ بَعْدَهُ، أَفْضَلُ مِنْ عِبَادَةِ حَوْلٍ.

** وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: مَا عُبِدَ اللَّهُ بِمِثْلِ الْفِقْهِ. اهـ المراد

 

** قال الشاعر:

العلم يبني بيوتا لا أساس لها *** والجهل يهدم بيوت العز والشرف

 

 

 

** الوصية الرابعة:

** الحرص الشديد على المحافظة على الصلوات في أوقاتها، كما أراد الله سبحانه وتعالى، وكما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

** قال الله تعالى: {حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ}

 

** وعَنْ أَبِي سُلَيْمَانَ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي ” رواه البخاري

 

** فكثير من الزوجات لا يصلين في وقت العرس، بحجة أنها مشغولة بأمور العرس والزينة ونحو ذلك.

** وكثير من الأزواج لا يصلون في الشهر الأول من الزواج الذي يسمونه بشهر العسل، الذي حقه أن يسمى: (شهر الغفلة والبعد عن الله جل وعلا).

** فالبيت الذي لا يصلي أهله بيت خراب ودمار وشقاء ونكد؛ لأنه يكون – حينئذ – مأوى للشياطين.

 

** قال تعالى: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى}

** وقال تعالى عن نبيه إسماعيل عليه السلام: {وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا}

 

** بل إن النبي صلى الله عليه وسلم رغب الزوجين أن يتعاونا على قيام الليل، فكيف بالفرائض.

** عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّى، وَأَيْقَظَ امْرَأَتَهُ، فَإِنْ أَبَتْ، نَضَحَ فِي وَجْهِهَا الْمَاءَ، رَحِمَ اللَّهُ امْرَأَةً قَامَتْ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّتْ، وَأَيْقَظَتْ زَوْجَهَا، فَإِنْ أَبَى، نَضَحَتْ فِي وَجْهِهِ الْمَاءَ» رواه أحمد وغيره، وقال الشيخ الألباني: (حسن صحيح)، وقال شيخنا الوادعي: (هذا حديث حسن).

** وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنهما، قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا اسْتَيْقَظَ الرَّجُلُ مِنَ اللَّيْلِ وَأَيْقَظَ امْرَأَتَهُ فَصَلَّيَا رَكْعَتَيْنِ كُتِبَا مِنَ الذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ»

رواه أبو داود وغيره [وصححه الألباني]

 

** وهكذا ينبغي لهما أن يتعاونا على المحافظة على النوافل القبلية والبعدية، وصلاة الضحى؛ فإن فيها الأجر العظيم والنفع العميم.

 

** عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” إِنَّ اللَّهَ قَالَ: …

** وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ،

** وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ،

** فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا،

** وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، … ” رواه البخاري

 

** وعَنْ أَبِي أُمَامَةَ رضي الله عنه قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مُرْنِي بِعَمَلٍ، قَالَ: ” اعْلَمْ أَنَّكَ لَنْ تَسْجُدَ لِلَّهِ سَجْدَةً إِلَّا رَفَعَ اللهُ لَكَ بِهَا دَرَجَةً، وَحَطَّ عَنْكَ بِهَا خَطِيئَةً ” رواه أحمد وغيره، [وصححه الشيخان: الألباني والوادعي]

 

** وعَنْ أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ قَالَ: «يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلَامَى مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ، فَكُلُّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنِ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وَيُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ يَرْكَعُهُمَا مِنَ الضُّحَى» رواه مسلم.

 

 

 

** الوصية الخامسة:

** القناعة.

 

** وذلك أن يقنع كل منهما بالآخر: بصورته، وطوله أو قصره، ونحافته أو سمنه، وقليله أو كثيره، وغير ذلك.

** فإن في ذلك الراحة والطمأنينة والرضا بما كتبه الله للعبد.

** قال الله تعالى: {وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى}.

 

** وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ، وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ»

متفق عليه.

 

** وفي كتاب: (المفهم)، (9/ 62):

** قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: ((ليس الغنى عن كثرة العرض))- بفتح العين والراء -، وهو: حُطام الدنيا ومتاعها…).

** ومعنى هذا الحديث: أن الغنى النافع أو العظيم أو الممدوح، هو غنى النفس، وبيانه: أنه إذا استغنت نفسه كفّت عن المطامع، فعزّت وعظمت، فجعل لها من الحظوة والنزاهة والتشريف والمدح أكثر ممن كان غنيًا بماله، فقيرًا بحرصه وشرهه، فإن ذلك يورطه في رذائل الأمور، وخسائس الأفعال، لبخله ودناءة همّته، فيكثر ذامُّه من الناس، ويصغر قدره فيهم؛ فيكون أحقر من كل حقير، وأذل من كل صغير. اهـ

 

** وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رضي الله عنهما، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ، وَرُزِقَ كَفَافًا، وَقَنَّعَهُ اللهُ بِمَا آتَاهُ» رواه مسلم.

** وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اتَّقِ الْمَحَارِمَ تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ، وَارْضَ بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَكَ تَكُنْ أَغْنَى النَّاسِ،…) رواه أحمد وغيره، [وحسنه الألباني]

 

** وهذه قصة واقعية في القناعة وعدمها، وفيها لنا العظة والعبرة،

وهي قصة إسماعيل عليه السلام – في حديث طويل – عندما كبر وتزوج.

 

** عن ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما قال:…

وَشَبَّ الغُلاَمُ وَتَعَلَّمَ العَرَبِيَّةَ مِنْهُمْ، وَأَنْفَسَهُمْ وَأَعْجَبَهُمْ حِينَ شَبَّ،

** فَلَمَّا أَدْرَكَ زَوَّجُوهُ امْرَأَةً مِنْهُمْ [يعني: من قبيلة جرهم]، وَمَاتَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ،

** فَجَاءَ إِبْرَاهِيمُ بَعْدَمَا تَزَوَّجَ إِسْمَاعِيلُ يُطَالِعُ تَرِكَتَهُ، فَلَمْ يَجِدْ إِسْمَاعِيلَ، فَسَأَلَ امْرَأَتَهُ عَنْهُ فَقَالَتْ: خَرَجَ يَبْتَغِي لَنَا،

** ثُمَّ سَأَلَهَا عَنْ عَيْشِهِمْ وَهَيْئَتِهِمْ، فَقَالَتْ نَحْنُ بِشَرٍّ، نَحْنُ فِي ضِيقٍ وَشِدَّةٍ، فَشَكَتْ إِلَيْهِ،

** قَالَ: فَإِذَا جَاءَ زَوْجُكِ فَاقْرَئِي عَلَيْهِ السَّلاَمَ، وَقُولِي لَهُ يُغَيِّرْ عَتَبَةَ بَابِهِ،

** فَلَمَّا جَاءَ إِسْمَاعِيلُ كَأَنَّهُ آنَسَ شَيْئًا، فَقَالَ: هَلْ جَاءَكُمْ مِنْ أَحَدٍ؟

** قَالَتْ: نَعَمْ، جَاءَنَا شَيْخٌ كَذَا وَكَذَا، فَسَأَلَنَا عَنْكَ فَأَخْبَرْتُهُ، وَسَأَلَنِي كَيْفَ عَيْشُنَا، فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّا فِي جَهْدٍ وَشِدَّةٍ،

** قَالَ: فَهَلْ أَوْصَاكِ بِشَيْءٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ السَّلاَمَ، وَيَقُولُ غَيِّرْ عَتَبَةَ بَابِكَ،

** قَالَ: ذَاكِ أَبِي، وَقَدْ أَمَرَنِي أَنْ أُفَارِقَكِ، الحَقِي بِأَهْلِكِ، فَطَلَّقَهَا،

** وَتَزَوَّجَ مِنْهُمْ أُخْرَى، فَلَبِثَ عَنْهُمْ إِبْرَاهِيمُ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أَتَاهُمْ بَعْدُ فَلَمْ يَجِدْهُ، فَدَخَلَ عَلَى امْرَأَتِهِ فَسَأَلَهَا عَنْهُ، فَقَالَتْ: خَرَجَ يَبْتَغِي لَنَا،

** قَالَ: كَيْفَ أَنْتُمْ؟ وَسَأَلَهَا عَنْ عَيْشِهِمْ وَهَيْئَتِهِمْ، فَقَالَتْ: نَحْنُ بِخَيْرٍ وَسَعَةٍ، وَأَثْنَتْ عَلَى اللَّهِ، فَقَالَ: مَا طَعَامُكُمْ؟ قَالَتِ اللَّحْمُ، قَالَ فَمَا شَرَابُكُمْ؟ قَالَتِ المَاءُ. قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي اللَّحْمِ وَالمَاءِ،

** قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ يَوْمَئِذٍ حَبٌّ، وَلَوْ كَانَ لَهُمْ دَعَا لَهُمْ فِيهِ».

** قَالَ: فَهُمَا لاَ يَخْلُو عَلَيْهِمَا أَحَدٌ بِغَيْرِ مَكَّةَ إِلَّا لَمْ يُوَافِقَاهُ،

** قَالَ: فَإِذَا جَاءَ زَوْجُكِ فَاقْرَئِي عَلَيْهِ السَّلاَمَ، وَمُرِيهِ يُثْبِتُ عَتَبَةَ بَابِهِ، فَلَمَّا جَاءَ إِسْمَاعِيلُ قَالَ: هَلْ أَتَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، أَتَانَا شَيْخٌ حَسَنُ الهَيْئَةِ، وَأَثْنَتْ عَلَيْهِ، فَسَأَلَنِي عَنْكَ فَأَخْبَرْتُهُ، فَسَأَلَنِي كَيْفَ عَيْشُنَا فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّا بِخَيْرٍ، قَالَ: فَأَوْصَاكِ بِشَيْءٍ، قَالَتْ: نَعَمْ، هُوَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلاَمَ، وَيَأْمُرُكَ أَنْ تُثْبِتَ عَتَبَةَ بَابِكَ، قَالَ: ذَاكِ أَبِي وَأَنْتِ العَتَبَةُ، أَمَرَنِي أَنْ أُمْسِكَكِ،…الخ

الحديث) أخرجه البخاري (4/ 142) برقم: (3364)

 

** أيها الزوجان الكريمان: ليعلم كل منكما أن الكمال لله وحده سبحانه وتعالى، وأن النقص فينا حاصل ولا بد، فهذا طويل، وهذا قصير، وهذا سمين، وهذا نحيف، وهذا حسن، وهذا قبيح، وهذا كريم، وهذا بخيل، وهذا طيب، وهذا خبيث،… الخ.

 

** فالتفاوت حاصل في الشكل والأخلاق، فليس في هذه الدنيا شيء حسن إلا ويوجد ما هو أحسن منه.

 

** قال الشاعر:

ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها *** كفى المرء نبلا أن تعد معايبه

** وقال آخر:

مــن الــذي مـا سـاء قـــط *** ومــن لـه الـحسـنـى فــقــط

 

** فإذا كان الكمال معدوما فلا تبحث عن المعدوم وتترك الموجود، فتبقى في عيشة ضنكة؛ لأنك لم تتمتع بالموجود ولم تحصل على المفقود.

** فالذي ينبغي لكل عاقل لبيب يبحث عن السعادة أن ينظر في المحاسن الموجودة في صاحبه فيملأ بها عينيه ويديه، ويحمد الله عليها، ويغض الطرف عن النقائص، فإن الحياة لا تكون إلا هكذا،

** ولنكن جميعا مثل النحلة، لا تقع إلا على الشيء الطيب، ولنحذر أن نكون مثل الذباب، لا يقع إلا على الشيء الرديء.

 

** ومما يدل على هذا المعنى ما رواه الإمام مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً، إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ» أَوْ قَالَ: «غَيْرَهُ».

 

** وفي: (شرح النووي على مسلم) (10/ 58):

** (يَفْرَكُ) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالرَّاءِ وَإِسْكَانِ الْفَاءِ بَيْنَهُمَا.

** قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: فَرِكَهُ بِكَسْرِ الراء يفركه بفتحها إِذَا أَبْغَضَهُ،

وَالْفَرْكُ – بِفَتْحِ الْفَاءِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ -: الْبُغْضُ،

… بل الصَّوَابُ أَنَّهُ نَهْيٌ، أَيْ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُبْغِضَهَا لِأَنَّهُ إِنْ وَجَدَ فِيهَا خُلُقًا يُكْرَهُ وَجَدَ فِيهَا خُلُقًا مَرْضِيًّا بِأَنْ تَكُونَ شَرِسَةَ الْخُلُقِ لَكِنَّهَا دَيِّنَةٌ أَوْ جَمِيلَةٌ أَوْ عَفِيفَةٌ أَوْ رَفِيقَةٌ بِهِ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ. اهـ باختصار

 

** وفي كتاب: (المفهم) للقرطبي (13/ 66):

** وقوله: ((لا يَفْرك مؤمن مؤمنة))؛ أي: لا يبغضها بغضًا كليًّا يحمله على فراقها؛ أي: لا ينبغي له ذلك، بل يغفر سيئها لحسنها، ويتغاضى عما يكره لِمَا يحب. اهـ المراد

 

 

 

** الوصية السادسة:

** الصبر والحلم وكظم الغيظ، فإنه من صفات عباد الله المتقين.

 

** قال تعالى: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}

** وقال تعالى: {وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ}

** وقال تعالى: {وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ}

 

** وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال:… وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ» متفق عليه

 

** فالصبر من أعظم الأمور التي تجعل الحياة الزوجية مستمرة، وذلك حين أن يصبر الزوج على سوء أخلاق زوجته، وتصبر الزوجة على فقر زوجها أو مرضه أو سوء أخلاقه.

** فإذا أخطأ أحد الزوجين على الآخر بسب أو شتم أو سوء تصرف أو نحو ذلك فعلى الطرف الثاني أن يقابل ذلك بالصبر والتحمل، خاصة في حال الغضب حيث يخرج الشخص عن توازنه فتصدر منه الألفاظ الجارحة والكلمات غير الموزونة والتصرفات غير المعقولة، نسأل الله العافية.

 

** عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ» متفق عليه.

[[(الشديد) القوي الحقيقي.

(بالصرعة) الذي يغلب الرجال ويصرعهم.

(يملك نفسه) يكظم غيظه ويتحلم ولا يعمل بمقتضى غضبه]]

 

** والناظر في سيرة الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم مع أزواجه يعلم مدى صبره وسعة صدره وحلمه عليهن، فإن الواحدة منهن كانت تراجعه وتهجره إلى الليل وغير ذلك من الأمور التي لا يتحملها كثير من الناس.

 

** ففي الصحيحين عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قال عُمَر بْن الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، (… دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: لَوْ رَأَيْتَنَا يَا رَسُولَ اللهِ وَكُنَّا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ قَوْمًا نَغْلِبُ النِّسَاءَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ وَجَدْنَا قَوْمًا تَغْلِبُهُمْ نِسَاؤُهُمْ، فَطَفِقَ نِسَاؤُنَا يَتَعَلَّمْنَ مِنْ نِسَائِهِمْ، فَتَغَضَّبْتُ عَلَى امْرَأَتِي يَوْمًا، فَإِذَا هِيَ تُرَاجِعُنِي، فَأَنْكَرْتُ أَنْ تُرَاجِعَنِي، فَقَالَتْ: مَا تُنْكِرُ أَنْ أُرَاجِعَكَ، فَوَاللهِ، إِنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيُرَاجِعْنَهُ، وَتَهْجُرُهُ إِحْدَاهُنَّ الْيَوْمَ إِلَى اللَّيْلِ، فَقُلْتُ: قَدْ خَابَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكِ مِنْهُنَّ وَخَسِرَ، أَفَتَأْمَنُ إِحْدَاهُنَّ أَنْ يَغْضَبَ اللهُ عَلَيْهَا لِغَضَبِ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَإِذَا هِيَ قَدْ هَلَكَتْ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، قَدْ دَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ، فَقُلْتُ: لَا يَغُرَّنَّكِ أَنْ كَانَتْ جَارَتُكِ هِيَ أَوْسَمُ مِنْكِ، وَأَحَبُّ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْكِ، فَتَبَسَّمَ أُخْرَى…). اهـ باختصار

 

[[(نغلب النساء) يكون رأينا هو المقدم ولا تراجعنا أزواجنا في شيء. (فطفق) أي فشرع.

(تراجعني) أي ترد علي الجواب.

(تهجره) أي تترك مخاطبته والعشرة معه.

(أن يغضب) أي أن لا يغضب.

(لا تستكثري) أي لا تكثري عليه في الطلب.

(جَارَتُكِ) أي ضرتك.

(أوسم) أي أحسن وأجمل، والوسامة: الجمال]].

 

** عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ، فَأَرْسَلَتْ إِحْدَى أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ بِصَحْفَةٍ فِيهَا طَعَامٌ، فَضَرَبَتِ الَّتِي النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِهَا يَدَ الخَادِمِ، فَسَقَطَتِ الصَّحْفَةُ فَانْفَلَقَتْ، فَجَمَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِلَقَ الصَّحْفَةِ، ثُمَّ جَعَلَ يَجْمَعُ فِيهَا الطَّعَامَ الَّذِي كَانَ فِي الصَّحْفَةِ، وَيَقُولُ: «غَارَتْ أُمُّكُمْ» ثُمَّ حَبَسَ الخَادِمَ حَتَّى أُتِيَ بِصَحْفَةٍ مِنْ عِنْدِ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا، فَدَفَعَ الصَّحْفَةَ الصَّحِيحَةَ إِلَى الَّتِي كُسِرَتْ صَحْفَتُهَا، وَأَمْسَكَ المَكْسُورَةَ فِي بَيْتِ الَّتِي كَسَرَتْ. رواه البخاري

 

(بصحفة) إناء كالقصعة المبسوطة.

(فانفلقت) تكسرت.

(فلق) قطع جمع فلقة.

 

** عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخَزِيرَةٍ قَدْ طَبَخْتُهَا لَهُ، فَقُلْتُ لِسَوْدَةَ ـ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنِي وَبَيْنَهَا ـ: كُلِي، فَأَبَتْ، فَقُلْتُ: لَتَأْكُلِنَّ أَوْ لَأُلَطِّخَنَّ وَجْهَكِ، فَأَبَتْ، فَوَضَعْتُ يَدِي فِي الْخَزِيرَةِ، فَطَلَيْتُ وَجْهَهَا، فَضَحِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَوَضَعَ بِيَدِهِ لَهَا، وَقَالَ لَهَا: «الْطَخِي وَجْهَهَا»، فَضَحِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهَا، فَمَرَّ عُمَرُ، فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، يَا عَبْدَ اللَّهِ، فَظَنَّ أَنَّهُ سَيَدْخُلُ، فَقَالَ: «قُومَا فَاغْسِلَا وُجُوهَكُمَا»، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَمَا زِلْتُ أَهَابُ عُمَرَ لِهَيْبَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

رواه أبو يعلى برقم (4476), وحسنه الشيخان.

 

** وفي كتاب: (النهاية في غريب الحديث والأثر)،

لابن الأثير (2/28):

الْخَزِيرَةُ: لَحْمٌ يَقَطَّع صِغَارًا ويُصَبُّ عَلَيْهِ ماءٌ كَثِير، فَإِذَا نَضِج ذُرَّ عَلَيْهِ الدَّقيق، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا لَحْمٌ فَهِيَ عَصِيدَة.

وَقِيلَ: هِيَ حَساً مِنْ دَقِيقٍ ودَسَم.

وَقِيلَ: إِذَا كَانَ مِنْ دَقيق فَهِيَ حَرِيرَة، وَإِذَا كَانَ مِنْ نُخَالة فَهُوَ خَزِيرَةٌ. اهـ

 

** وعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: «مَا عَلِمْتُ حَتَّى دَخَلَتْ عَلَيَّ زَيْنَبُ بِغَيْرِ إِذْنٍ وَهِيَ غَضْبَى» ثُمَّ قَالَتْ: حَسْبُكَ إِذَا قَلَبَتْ لَكَ ابْنَةُ أَبِي بَكْرٍ ذُرَيْعَتَيْهَا، ثُمَّ أَقْبَلَتْ عَلَيَّ فَأَعْرَضْتُ عَنْهَا، فَقَالَ لِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «دُونَكِ فَانْتَصِرِي، فَأَقْبَلْتُ عَلَيْهَا حَتَّى رَأَيْتُهَا قَدْ يَبِسَتْ رِيقُهَا فِي فَمِهَا، فَمَا رَدَّتْ عَلَيَّ شَيْئًا، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَهَلَّلُ وَجْهُهُ» رواه ابن ماجة وغيره، وصححه الشيخان.

 

** أيها الزوجان الكريمان: إن عدم الصبر سبب كبير في تفكك الأسرة، وهدم الحياة الزوجية، فكم من رجل أو امرأة أقام الدنيا ولم يقعدها بسبب كلمة تافهة، أو تصرف سيء، أو نحو ذلك من الأمور التي يمكن تحملها والتجاوز عنها.

** فالذي ينبغي أن يوطن كل واحد من الزوجين نفسه على الصبر والتحمل ومعالجة الأمور بالحكمة والموعظة الحسنة.

 

** ذكر بعض الأمثلة على الصبر على شظف العيش.

 

** عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّهَا قَالَتْ لِعُرْوَةَ: ابْنَ أُخْتِي «إِنْ كُنَّا لَنَنْظُرُ إِلَى الهِلاَلِ، ثُمَّ الهِلاَلِ، ثَلاَثَةَ أَهِلَّةٍ فِي شَهْرَيْنِ، وَمَا أُوقِدَتْ فِي أَبْيَاتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَارٌ»، فَقُلْتُ يَا خَالَةُ: مَا كَانَ يُعِيشُكُمْ؟ قَالَتْ: ” الأَسْوَدَانِ: التَّمْرُ وَالمَاءُ، إِلَّا أَنَّهُ قَدْ كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جِيرَانٌ مِنَ الأَنْصَارِ، كَانَتْ لَهُمْ مَنَائِحُ، وَكَانُوا يَمْنَحُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَلْبَانِهِمْ، فَيَسْقِينَا ” متفق عليه

 

** بل أحيانا لا يوجد إلا الماء فقط.

 

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَبَعَثَ إِلَى نِسَائِهِ فَقُلْنَ: مَا مَعَنَا إِلَّا المَاءُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ يَضُمُّ أَوْ يُضِيفُ هَذَا»، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: أَنَا، فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى امْرَأَتِهِ، فَقَالَ: أَكْرِمِي ضَيْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَتْ: مَا عِنْدَنَا إِلَّا قُوتُ صِبْيَانِي، فَقَالَ: هَيِّئِي طَعَامَكِ، وَأَصْبِحِي سِرَاجَكِ، وَنَوِّمِي صِبْيَانَكِ إِذَا أَرَادُوا عَشَاءً، فَهَيَّأَتْ طَعَامَهَا، وَأَصْبَحَتْ سِرَاجَهَا، وَنَوَّمَتْ صِبْيَانَهَا، ثُمَّ قَامَتْ كَأَنَّهَا تُصْلِحُ سِرَاجَهَا فَأَطْفَأَتْهُ، فَجَعَلاَ يُرِيَانِهِ أَنَّهُمَا يَأْكُلاَنِ، فَبَاتَا طَاوِيَيْنِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «ضَحِكَ اللَّهُ اللَّيْلَةَ، أَوْ عَجِبَ، مِنْ فَعَالِكُمَا» فَأَنْزَلَ اللَّهُ: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ} [الحشر: 9]. متفق عليه

 

** وذكر عن بعض نساء السلف أنها كانت إذا خرج زوجها من منزله للعمل وطلب الرزق تقول له: ” اتق الله، وإياك والكسبَ الحرام، فإنا نصبر على الجوع والضر، ولا نصبر على النار “.

 

 

 

** الوصية السابعة:

الإيثار:

** وهو من المعاني العظيمة، والأخلاق الكريمة، التي قام عليها المجتمع المؤمن على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم،

** قال الله تعالى في شأن الأنصار الكرام الكرماء: {وَالّذِينَ تَبَوّءُوا الدّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ ف‍ي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مّمّآ أُوتُواْ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}

 

** فينبغي للزوجين أن يؤثر كل واحد منهما الآخر على نفسه، فيقدم حقه على حق نفسه، ويحب له من الخير ما يحبه لنفسه، ويكره له من الشر ما يكرهه لنفسه، فتبقى الحياة الزوجية حينئذ حياة طيبة مستمرة قوية ناجحة.

 

 

** الوصية الثامنة:

** المشاورة وتبادل الرأي.

** قال الله تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ}

** وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْمُسْتَشَارُ مُؤْتَمَنٌ» رواه أبو داود وغيره، وصححه الشيخان.

 

** والمشاورة من أعظم آداب الصحبة والمعاشرة، فهي من صفات المؤمنين، كما قال الله عز وجل: {وَالّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِرَبّهِمْ وَأَقَامُواْ الصّلاَةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىَ بَيْنَهُمْ وَمِمّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ}

** وبالشورى تبنى الأسر السعيدة، حيث يتشاور الزوجان في الأمور التي تعود عليهما بالنفع والسعادة كـ (ترتيب حياتهما الزوجية، وتدبير أمورهما المنزلية، و تربية أبنائهما تربية سوية، ونحو ذلك).

 

** وقد كان الصحابة الكرام يستشيرون النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في أمورهم الخاصة والعامة.

 

** فعَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ رضي الله عنها، أنها قالت: ذَكَرْتُ لَهُ للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ، وَأَبَا جَهْمٍ خَطَبَانِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَمَّا أَبُو جَهْمٍ، فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ، وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ، انْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ» فَكَرِهْتُهُ، ثُمَّ قَالَ: «انْكِحِي أُسَامَةَ»، فَنَكَحْتُهُ، فَجَعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْرًا، وَاغْتَبَطْتُ بِهِ. رواه مسلم.

 

** وفي (شرح النووي على مسلم)، (10/ 97):

(أَمَّا أَبُو الْجَهْمِ فَلَا يَضَعُ الْعَصَا عَنْ عَاتِقِهِ) فِيهِ تَأْوِيلَانِ مَشْهُورَانِ:

أَحَدُهمَا: أَنَّهُ كَثِيرُ الْأَسْفَارِ.

وَالثَّانِي: أَنَّهُ كَثِيرُ الضَّرْبِ لِلنِّسَاءِ، وَهَذَا أَصَحُّ بِدَلِيلِ الرِّوَايَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا مُسْلِمٌ بَعْدَ هَذِهِ (أَنَّهُ ضَرَّابٌ لِلنِّسَاءِ).

 

** وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ ذِكْرِ الْإِنْسَانِ بِمَا فِيهِ عِنْدَ الْمُشَاوَرَةِ وَطَلَبِ النَّصِيحَةِ، وَلَا يَكُونُ هَذَا مِنَ الْغِيبَةِ الْمُحَرَّمَةِ بَلْ مِنَ النَّصِيحَةِ الْوَاجِبَةِ.

** وَقَدْ قَالَ الْعُلَمَاءُ إِنَّ الْغِيبَةَ تُبَاحُ فِي سِتَّةِ مَوَاضِعَ:

أَحَدُهَا الِاسْتِنْصَاحُ، وَذَكَرْتُهَا بِدَلَائِلِهَا فِي كِتَابِ الْأَذْكَارِ ثُمَّ فِي رِيَاضِ الصَّالِحِينَ….

(وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ) هُوَ بِضَمِّ الصَّادِ، وَفِي هَذَا جَوَازُ ذِكْرِهِ بِمَا فِيهِ لِلنَّصِيحَةِ كَمَا سَبَقَ فِي ذِكْرِ أَبِي جَهْمٍ. اهـ

** وقد كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يشاور بعض نسائه في بعض أموره.

 

** ففي صحيح البخاري(18928) في قصة صلح الحدبية:

” فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ قَضِيَّةِ الكِتَابِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَصْحَابِهِ: «قُومُوا فَانْحَرُوا ثُمَّ احْلِقُوا»،

قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا قَامَ مِنْهُمْ رَجُلٌ حَتَّى قَالَ ذَلِكَ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ،

فَلَمَّا لَمْ يَقُمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ دَخَلَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ، فَذَكَرَ لَهَا مَا لَقِيَ مِنَ النَّاسِ، فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَتُحِبُّ ذَلِكَ، اخْرُجْ ثُمَّ لاَ تُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ كَلِمَةً، حَتَّى تَنْحَرَ بُدْنَكَ، وَتَدْعُوَ حَالِقَكَ فَيَحْلِقَكَ، فَخَرَجَ فَلَمْ يُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ نَحَرَ بُدْنَهُ، وَدَعَا حَالِقَهُ فَحَلَقَهُ، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ قَامُوا، فَنَحَرُوا وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَحْلِقُ بَعْضًا حَتَّى كَادَ بَعْضُهُمْ يَقْتُلُ بَعْضًا غَمًّا،… الحديث ”

 

** وفي (فتح الباري لابن حجر)، (5/ 347):

** وَفِيهِ فَضْلُ الْمَشُورَةِ…

** وَجَوَازُ مُشَاوَرَةِ الْمَرْأَةِ الْفَاضِلَةِ

** وَفَضْلُ أُمِّ سَلَمَةَ وَوُفُورُ عَقْلِهَا حَتَّى قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: (لَا نَعْلَمُ امْرَأَةً أَشَارَتْ بِرَأْيٍ فَأَصَابَتْ إِلَّا أُمَّ سَلَمَةَ)، كَذَا قَالَ،

** وَقَدِ اسْتَدْرَكَ بَعْضُهُمْ عَلَيْهِ بِنْتَ شُعَيْبٍ فِي أَمْرِ مُوسَى

 

 

 

** الوصية التاسعة:

التواضع.

** التواضع وصف نبيل وخُلُقٌ جميل، حث عليه ديننا الإسلامي ورغب

فيه،

** قال تعالى آمرا نبيه بالتواضع: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}

** وعَنْ عِيَاضِ المُجَاشِعي رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللهَ أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى لَا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، وَلَا يَبْغِي أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ» رواه مسلم

 

** فالتواضع من الأخلاق الكريمة التي ترفع قدر صاحبها وتحببه إلى الناس وتجعل له في قلوبهم المكانة الطيبة.

 ** ولقد كان التواضع سمة بارزة للنبي – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مع القريب والبعيد والصغير والكبير،

** فكان صلى الله عليه وسلم رقيقَ القلب رحيمًا خافضَ الجناحِ للمؤمنين ليّن الجانب لهم،

** يحمِل الكلَّ، ويكسِب المعدوم، ويعين على نوائبِ الدّهر،

** ويركب الحمارَ ويردفَ عليه،

** ويسلّم على الصبيان،

** ويبدأ من لقيَه بالسلام،

** يجيب دعوةَ من دعاه ولو إلى ذراعٍ أو كُراع،

** ولما سئِلت عَائِشَة رضي الله عنها: مَا كَانَ النَّبِىُّ – صلى الله عليه وسلم – يَصْنَعُ فِى بَيْتِهِ قَالَتْ كَانَ يَكُونُ فِى مِهْنَةِ أَهْلِهِ – تَعْنِى خِدْمَةَ أَهْلِهِ – فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلاَةُ خَرَجَ إِلَى الصَّلاَةِ. رواه البخاري

 

** فينبغي لكل من الزوجين أن يتواضع كل منهما للآخر، وذلك بإلقاء السلام وحسن الكلام ولين الجانب ومشاركة الرجل – أحيانا – في الأمور المنزلية،

** وترك الكبر والفخر بالمال أو الجمال أو الحسب أو العلم أو الفهم أو غير ذلك من الأمور التي تسبب البغض والكراهية مما يؤدي إلى ضعف الحياة الزوجية أو زوالها عياذا بالله.

 

** قال الشاعر:

تواضع تكن كالنجم لاح لناظر *** على صفحات الماء وهو رفيع

ولا تك كالدخان يعلو بنفسه *** على طبقات الجو وهو وضيع

** وقال آخر:

 إن كريم الأصل كالغصن كلما *** يزداد من خير تواضع وانحنى

 

 

 

** الوصية العاشرة:

** استعمال الألفاظ الحسنة والكلمات الطيبة.

** قال الله تعالى: {وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا}

** عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (… وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ…) متفق عليه

 

** فينبغي للزوجين أن يستعملا الألفاظ الطيبة واللطيفة والرقيقة التي تدل على المحبة والاحترام والتقدير مثل:

** النداء بالكنية نحو: يا أبا فلان و يا أم فلان،

** والترخيم نحو: يا فاطمُ يا عائشُ

** والأوصاف الجميلة، نحو: يا زوجي الحبيب أو العزيز أو الغالي، و يا زوجتي الحبيبة أو العزيزة أو الغالية، ونحو ذلك.

** وعَنِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا: يَا عَائِشَ، هَذَا جِبْرِيلُ يُقْرِئُكِ السَّلَامَ.

** فَقُلْتُ وَعَلَيْهِ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، تَرَى مَا لَا أَرَى، تُرِيدُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. متفق عليه

** وعَنْ عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ: دَخَلَ الْحَبَشَةُ الْمَسْجِدَ يَلْعَبُونَ فَقَالَ لِي: يَا حُمَيْرَاءُ أَتُحِبِّينَ أَنْ تَنْظُرِي إِلَيْهِمْ فَقُلْتُ: ” نَعَمْ، فَقَامَ بِالْبَابِ وَجِئْتُهُ فَوَضَعْتُ ذَقَنِي عَلَى عَاتِقَهُ فَأَسْنَدْتُ وَجْهِي إِلَى خَدِّهِ “… الحديث) رواه النسائي، وصححه الألباني.

 

** (والحميراء) تصغير (حمراء) يراد بها البيضاء، والعرب تطلق لفظ الأحمر على البياض.

 

** وفي كتاب: (حلية الأولياء) لأبي نعيم, (5/ 198):

عن امْرَأَة سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أنها قَالَتِ:

” مَا كُنَّا نُكَلِّمُ أَزْوَاجَنَا إِلَّا كَمَا تُكَلِّمُوا أُمَرَاءَكُمْ: أَصْلَحَكَ اللهُ، عَافَاكَ اللهُ ”

 

 

** الوصية الحادي عشرة:

 

** أن يتعرف كل من الزوجين على طباع الآخر، فيعرف ما يحبه فيعمله، وما يكرهه فيتركه.

** ومما يدل على هذا قِصَّةُ زَوَاجِ شُرَيْحٍ الْقَاضِي، وهي:

** قَالَ الشُّعَبيّ: قَالَ شُرَيْحٌ الْقَاضِي: يَا شُعَبيّ؛ عَلَيْكُمْ بِنِسَاءِ بَني تَمِيم؛ فَإِنَّهُنِّ النِّسَاء، قُلْتُ: وَكَيْفَ ذَاك 00؟

** قَال: انْصَرَفْتُ مِنْ جِنَازَةٍ ذَاتَ يَوْم، فَمَرَرْتُ بِدُورِ بَني تَمِيم، فَإِذَا امْرَأَةٌ جَالِسَةٌ في سَقِيفَة ـ أَيْ في مِظَلَّةٍ كَالخَيْمَة ـ عَلَى وِسَادَة، وَبجُوَارِهَا جَارِيَةٌ رَؤُودَة ـ أَيْ شَابَّةٌ غَضَّةٌ نَاعِمَةٌ ـ غَيْدَاءُ فَاضَ بِوَجْهِهَا مَاءُ الشَّبَابِ الأَغْيَدِ

وَلهَا ذُؤَابَةٌ عَلَى ظَهْرِهَا، كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنَ الجَوَارِي،

** فَاسْتَسْقَيْتُ ـ وَمَا بى مِن عَطَش ـ

** فَقَالَتْ: أَيُّ الشَّرَابِ أَعْجَبُ إِلَيْك: اللَّبَنُ أَمِ المَاء 00؟

** قُلْت: أَيُّ ذَلِكَ تَيَسَّرَ لَكُمْ؛

** قَالَتْ: اسْقُواْ الرَّجُلَ لَبَنَاً؛ فَإِنيِّ أَرَاهُ غَرِيبَاً، فَلَمَّا شَرِبْتُ نَظَرْتُ إِلى الجَارِيَةِ فَأَعْجَبَتْني، فَقُلْتُ مَن هَذِهِ 00؟

** قَالَتِ ابْنَتي، قُلْتُ أَفَارِغَةٌ أَمْ مَشْغُولَة 00؟

** قَالَتْ بَلْ فَارِغَة، قُلْتُ أَتُزَوِّجِينِيهَا 00؟

** قَالَتْ نَعَمْ إِنْ كُنْتُ لَهَا كُفْئَاً، عَمُّهَا فُلاَنٌ فَاقْصِدْهُ في بَني تَمِيم 0

فَانْصَرَفْتُ إِلى مَنْزِلي لأَقِيلَ فِيه، فَامْتَنَعَتْ مِنيِّ الْقَائِلَة،

** فَأَرْسَلْتُ إِلى إِخْوَاني مِنَ الْقُرَّاء، وَوَافَيْتُ مَعَهُمْ صَلاَةَ الْعَصْر، فَإِذَا عَمُّهَا جَالِس، فَقَالَ أَبَا أُمَيَّة 00؟ مَا حَاجَتُك 00؟

** قُلْتُ إِلَيْك، قَالَ وَمَا هِيَ 00؟

** قُلْتُ: ذُكِرَتْ لي بِنْتُ أَخِيكَ زَيْنَب، فَجِئْتُ لخِطْبَتِهَا؛ فَقَالَ مَا بِهَا عَنْكَ رَغْبَة، فَزَوَّجَيِنهَا،

** فَمَا بَلَغَتْ مَنزِلي حَتىَّ نَدِمْتُ وَقُلْت: تَزَوَّجْتُ إِلى أَغْلَظِ الْعَرَبِ قُلُوبَاً وَأَجْفَاهَا،

** ثُمَّ عُدْتُ إِلى رُشْدِي فَقُلْت: بَلْ أَجْمَعُهَا إِليّ؛ فَإِنْ رَأَيْتُ مَا أَحْبَبْتُ وَإِلاَ طَلَّقْتُهَا 00

** ثمَّ دَخَلْتُ عَلَيْهَا فَقُلْتُ: يَا هَذِهِ؛ إِنَّ مِنَ السُّنَّةِ إِذَا أُدْخِلَتِ المَرْأَةُ عَلَى الرَّجُل؛ أَنْ يُصَلِّيَ بِهَا رَكْعَتَينِ وَيَسْأَلَ اللهَ مِن خَيرِهَا وَخَيرِ مَا جُبِلَتْ عَلَيْه، وَيَتَعَوَّذَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا جُبِلَتْ عَلَيْه؛

** فَتَوَضَّأْتُ فَتَوَضَّأَتْ بِوُضُوئِي، وَصَلَّيْتُ فَصَلَّتْ بِصَلاَتي،

** فَلَمَّا قَضَيْنَا الصَّلاَةَ قَالَتْ لي: إِنيِّ امْرَأَةٌ غَرِيبَةٌ وَأَنْتَ رَجُلٌ غَرِيبٌ لاَ عِلْمَ لي بِأَخْلاَقِك، فَبَيِّنْ لي مَا تحِبُّ فَأَفْعَلَه، وَمَا تَكْرَهُ فَأَجْتَنِبَه،

** فَقُلْتُ: قَدِمْتِ عَلَى أَهْلِ دَارٍ؛ زَوْجُكِ سَيِّدُهُمْ، وَأَنْتِ سَيِّدَةُ نِسَائِهِمْ، أُحِبُّ كَذَا وَأَكْرَهُ كَذَا، وَمَا رَأَيْتِ مِن حَسَنَةٍ فَبُثِّيهَا، وَمَا رَأَيْتِ مِنْ سَيِّئَةٍ فَاسْتُرِيهَا،

** قَالَتْ: أَخْبرْني عَن أَخْتَانِك، مَنْ مِنهُمْ تُحِبُّ أَنْ يَزُورَكَ وَمَنْ لاَ تُحِبّ 00؟

** فَقُلْتُ: إِنيِّ رَجُلٌ قَاضٍ؛ وَمَا أُحِبُّ أَنْ يَمَلُّوني،

** قَالَتْ: فَمَنْ تحِبُّ مِنْ جِيرَانِكَ أَنْ يَدْخُلَ دَارَكَ فَآذنَ لَه، وَمَنْ تَكْرَهُهُ مِنهُمْ فَلاَ آذَنَ لَه 00؟

** قُلْتُ: بَنُو فُلاَنٍ قَوْمٌ صَالحُون، وَبَنُو فُلاَنٍ قَوْمُ سَوْءٍ 0

** فَأَقَمْتُ عِنْدَهَا ثَلاَثَاً ثُمَّ خَرَجْتُ إِلى مجْلِسِ الْقَضَاءِ في الْيَوْمِ الثَّالِث،

فَكُنْتُ لاَ أَرَى يَوْمَاً إِلاَّ وَهُوَ أَفْضَلُ مِنَ الَّذِي قَبْلَه،

** حَتىَّ إِذَا مَا كَانَ رَأْسُ الحَوْلِ دَخَلْتُ بَيْتي فَإِذَا فِيهِ امْرَأَةٌ عَجُوزٌ تَأْمُرُ وَتَنهَى؛ قُلْتُ مَن هَذِهِ يَا زَيْنَب 00؟

** قَالَتْ هَذِهِ أُمِّي؛ قُلْتُ حَيَّاكِ اللهُ يَا أُمَّ زَيْنَب،

** قَالَتْ: كَيْفَ حَالُكَ مَعَ أَهْلِكَ يَا أَبَا أُمَيَّة 00؟

** قُلْتُ بخَيرٍ وَالحَمْدُ لله، قَالَتْ كَيْفَ وَجَدْتَ زَوْجَك 00؟

** قُلْتُ خَيرَ امْرَأَة، قَالَتْ: إِنَّ المَرْأَةَ لاَ تُرَى في حَالٍ أَسْوَأَ خُلُقَاً مِنهَا في حَالَين: إِذَا حَظِيَتْ عِنْدَ زَوْجِهَا، وَإِذَا وَلَدَتْ لَهُ غُلاَمَاً، فَإِنْ رَابَكَ مِنهَا شَيْءٌ فَعَلَيْكَ بِالسَّوْط، فَإِنَّ الرِّجَالَ مَا حَازَتْ وَاللهِ بُيُوتُهُمْ شَرَّاً مِنَ المَرْأَةِ المُدَلَّلَة،

** قُلْتُ: أَشْهَدُ أَنَّكِ قَدْ أَدَّبْتِ فَأَحْسَنْتِ الأَدَب،

** قَالَتْ: أَتُحِبُّ أَنْ يَزُورَكَ أَصْهَارُك 00؟

** قُلْتُ مَتى شَاءواْ؛ فَكَانَتْ كُلَّ حَوْلٍ تَأْتِينَا وَتُوصِي تِلْكَ الْوَصِيَّةَ ثمَّ تَنْصَرِف،

** وَمَكَثْتُ مَعَ زَيْنَبَ عِشْرِينَ سَنَة، فَمَا غَضِبْتُ عَلَيْهَا إِلاَّ مَرَّةً وَاحِدَة، وَكُنْتُ لَهَا فِيهَا ظَالِمَاً،

** ثمَّ أَنْشَأَ يَقُول:

رَأَيْتُ رِجَالاً يَضْرِبُونَ نِسَاءهُمْ *** فَشُلَّتْ يَمِيني يَوْمَ أَضْرِبُ زَيْنَبَا

فَأَحْبَبْتُهَا حَتىَّ رَأَيْتُ عُيُوبَهَا *** محَاسِنَ زَادَتْهَا لِقَلْبي تحَبُّبَا

وَمَا عَذَّبَتْني بِالعُيُوبِ كَغَيْرِهَا *** وَلَكِنَّني اسْتَعْذَبْتُ فِيهَا التَّعَذُّبَا

 

** انظر كتاب: أخبار القضاة) 2/ 205، لمحمد بن خلف الملقب

ب(وكيع) و (تاريخ دمشق) لابن عساكر (23 / 53)

 

 

 

** الوصية الثانية عشرة:

** شكر كل منهما الآخر على ما يقدمه من الجهد والخدمة وأسباب الراحة.

** كأن يقول له: جزاك الله خيرا، أو بارك الله فيك، أو قواك الله، أو أسعدتنا أسعدك الله، أو الله يبقك لنا، أو نحو لك من الألفاظ الحسنة والدعوات الطيبة التي تدل على الشكر والتقدير والاعتراف بالفضل لصاحبه.

 

** وعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ صُنِعَ إِلَيْهِ مَعْرُوفٌ فَقَالَ لِفَاعِلِهِ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا فَقَدْ أَبْلَغَ فِي الثَّنَاءِ. رواه الترمذي، وصححه الألباني.

 

** وفي (تحفة الأحوذي)، (6/ 156):

(فَقَالَ لِفَاعِلِهِ) أَيْ بَعْدَ عَجْزِهِ عَنْ إِثَابَتِهِ أَوْ مُطْلَقًا

(جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا) أَيْ خَيْرَ الْجَزَاءِ أَوْ أَعْطَاكَ خَيْرًا مِنْ خَيْرَيِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ

(فَقَدْ أَبْلَغَ فِي الثَّنَاءِ) أَيْ بَالَغَ فِي أَدَاءِ شُكْرِهِ وَذَلِكَ أَنَّهُ اعْتَرَفَ بِالتَّقْصِيرِ وَأَنَّهُ مِمَّنْ عَجَزَ عَنْ جَزَائِهِ وَثَنَائِهِ فَفَوَّضَ جَزَاءَهُ إِلَى اللَّهِ لِيَجْزِيَهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى.

** قَالَ بَعْضُهُمْ إِذَا قَصُرَتْ يَدَاكَ بِالْمُكَافَأَةِ فَلْيَطُلْ لِسَانُكَ بِالشُّكْرِ وَالدُّعَاءِ. اهـ

 

** عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا يَشْكُرُ اللَّهَ مَنْ لَا يَشْكُرُ النَّاسَ»

رواه أبو داود وغيره وصححه الألباني.

 

** وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَنْظُرُ اللهُ إِلَى امْرَأَةٍ لَا تَشْكَرُ لِزَوْجِهَا وَهِيَ لَا تَسْتَغْنِي عَنْهُ» رواه النسائي في السنن الكبرى (8/ 239)، [وصححه الألباني]

 

 

** الوصية الثالثة عشرة:

الحذر كل الحذر من كل ما ينغص ويكدر أو يزيل الحياة الزوجية، مثل:

 

** التهديد بالطلاق.

** التهديد بالزواج.

** نقل الخلافات الزوجية إلى الجيران أو إلى الأهل؛ فإنهم يوسعونها أكثر وأكثر، إلا عند العجز عن حلها.

** ترك الغيرة المذمومة التي تنتهي بالشك في عفاف صاحبه وتخوينه

(بدون أي برهان).

** فينبغي لكل من الزوجين أن يرعى صاحبه ويكرمه ويحافظ على أمانته فيه ويشعره بالأمان ولا يتخونه، أو يطلب عثراته بالتجسس عليه. وتخوينه.

** فقد جاء عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَطْرُقَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ لَيْلًا يَتَخَوَّنُهُمْ، أَوْ يَلْتَمِسُ عَثَرَاتِهِمْ»

متفق عليه، وهذا لفظ مسلم

** الابتعاد بالكلية عن الأجهزة الحديثة المدمرة كـ (الدشوشات والإنترنت والوتساب والفيس بك…) وغيرها من الأجهزة التي خربت ودمرت كثيرا من الأفراد والأسر والمجتمعات، فقربت الشر والفساد بكل صوره وأشكاله، وسهلت الوصول إليه تسهيلا كثيرا؛ بغية انتشار الفحش والرذيلة وهدم الأخلاق الكريمة.

** فإذا احتاج الشخص إلى استعمال هذه الأجهزة لمصلحة راجحة فليستعملها بحذر بالغ.

** الابتعاد عن كل أسباب الغفلة كـ(سماع الغناء وآلات اللهو والطرب واللعب المحرم، كلعب الورق، والنرد، والشطرنج، والكيرم، والضومنة، والبلياردو, ونحوها من ألعاب اللهو والغفلة المحرمة.

** الابتعاد عن التصوير المحرم، وإخراج صور ذوات الأروح من البيوت؛ فإنها تمنع الملائكة من دخول البيوت.

 

** وأخيرا أقول:

** أيها الزوج الكريم، وفقك الله وأسعدك:

عامل زوجتك معاملة ترضي الله سبحانه وتعالى، مقتديا في ذلك بنبيك محمد صلى الله عليه وسلم في معاملته لزوجاته، فهو القائل:

“خَيْرُكُمْ خيركم لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي”

رواه الترمذي عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما،

وقال الألباني [صحيح لغيره].

 

** أيتها الزوجة الكريمة، وفقك الله وأسعدك:

عاملي زوجك معاملة ترضي الله سبحانه وتعالى، مقتدية في ذلك بزوجات رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن بعدهن من النساء الصالحات.

 

** والله الموفق.

 

** كتبها: أبوعبد الله أحمد بن ثابت الوصابي

 ** الأربعاء 29 / 12/ 1438 هـ

(87) الفرق بين الفراسة والظن، والفراسة -بكسر الفاء- والفراسة بفتحها

سلسلة الفوائد اليومية:

 

الفَرْق بَين الفِرَاسَة وَالظَّن، والفِراسة -بكسر الفاء- والفَراسة بفتحها

 

** قال ابن القيم في كتابه: (الروح)(ص: 238):

فصل:

** وَالْفرق بَين الفِرَاسَة وَالظَّن:

** أَن الظَّن يخطئ ويصيب وَهُوَ يكون مَعَ ظلمَة الْقلب ونوره وطهارته ونجاسته وَلِهَذَا أَمر تَعَالَى باجتناب كثير مِنْهُ وَأخْبر أَن بعضه إِثْم

 

** وَأما الفِرَاسَة فَأثْنى على أَهلهَا ومدحهم فِي قَوْله تَعَالَى {إِن فِي ذَلِك لآيَات للمتوسمين}

** قَالَ ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا وَغَيره أَي للمتفرسين.

** وَقَالَ تَعَالَى {يَحْسبهُم الْجَاهِل أَغْنِيَاء من التعفف تعرفهم بِسِيمَاهُمْ}

** وَقَالَ تَعَالَى وَلَو نشَاء لأريناهم فَلَعَرَفْتهمْ بِسِيمَاهُمْ ولتعرفنهم فِي لحن القَوْل}

** فالفِرَاسَة الصادقة لقلب قد تطهر وتصفى وتنزه من الأدناس وَقرب من الله فَهُوَ ينظر بِنور الله الَّذِي جعله فِي قلبه.

** وَفِي التِّرْمِذِيّ وَغَيره من حَدِيث أبي سعيد قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: اتَّقوا فِرَاسَة الْمُؤمن فَإِنَّهُ ينظر بِنور الله. اهـ

 

 

** وفي كتاب:(النهاية في غريب الحديث والأثر)(3/ 428):

** (فَرَسَ)

** (س) فِيهِ «اتَّقُوا فِرَاسَة الْمُؤْمِنِ فَإِنَّهُ يَنْظر بِنُورِ اللَّهِ»

** يُقَالُ بمعْنَيَيْن:

** أحَدُهما: مَا دَلَّ ظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيثِ عَلَيْهِ، وَهُوَ مَا يوُقِعُه اللَّهُ تَعَالَى فِي قُلوب أَوْلِيَائِهِ، فيَعْلَمون أَحْوَالَ بَعْضِ النَّاسِ بِنَوْعٍ مِنَ الْكَرَامَاتِ وَإِصَابَةِ الظَّنّ والحَدْس،

** وَالثَّانِي: نَوع يُتَعَلَّم بِالدَّلَائِلِ وَالتَّجَارِبِ والخَلْق وَالْأَخْلَاقِ، فَتُعْرف بِهِ أحوالُ النَّاسِ، وللنَّاس فِيهِ تَصانيفُ قَديمة وحَدِيثة. اهـ المراد

 

 

** وقال أيضا في كتابه: (الجواب الكافي)(ص: 178):

وهو يعدد مَنَافِعَ غَضِّ الْبَصَرِ:

أَحَدُهَا: … الثَّانِيَةُ: … الثَّالِثَةُ: … الرَّابِعَةُ: … الْخَامِسَةُ: …

السَّادِسَةُ: أَنَّهُ يُورِثُ فِرَاسَةً صَادِقَةً يُمَيَّزُ بِهَا بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَالصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ،

** وَكَانَ شُجَاعٌ الْكِرْمَانِيُّ يَقُولُ: مَنْ عَمَّرَ ظَاهِرَهُ بِاتِّبَاعِ السُّنَّةِ، وَبَاطِنَهُ بِدَوَامِ الْمُرَاقَبَةِ، وَغَضَّ بَصَرَهُ عَنِ الْمَحَارِمِ، وَكَفَّ نَفْسَهُ عَنِ الشُّبَهَاتِ، وَاغْتَذَى بِالْحَلَالِ، لَمْ تُخْطِئْ لَهُ فِرَاسَةٌ.

** وَكَانَ شُجَاعًا لَا تُخْطِئُ لَهُ فِرَاسَةٌ.

** وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ يَجْزِي الْعَبْدَ عَلَى عَمَلِهِ بِمَا هُوَ مِنْ جِنْسِ عَمَلِهِ،

** وَمَنْ تَرَكَ لِلَّهِ شَيْئًا عَوَّضَهُ اللَّهُ خَيْرًا مِنْهُ،

** فَإِذَا غَضَّ بَصَرَهُ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ، عَوَّضَهُ اللَّهُ بِأَنْ يُطْلِقَ نُورَ بَصِيرَتِهِ، عِوَضًا عَنْ حَبْسِ بَصَرِهِ لِلَّهِ، وَيَفْتَحُ عَلَيْهِ بَابَ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ، وَالْمَعْرِفَةِ وَالْفِرَاسَةِ الصَّادِقَةِ الْمُصِيبَةِ الَّتِي إِنَّمَا تُنَالُ بِبَصِيرَةٍ،

** فَقَالَ تَعَالَى: {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ}.

** فَوَصَفَهُمْ بِالسَّكْرَةِ الَّتِي هِيَ فَسَادُ الْعَقْلِ،

** وَالْعَمَهِ الَّذِي هُوَ فَسَادُ الْبَصِيرَةِ.

** فَالتَّعَلُّقُ بِالصُّوَرِ يُوجِبُ فَسَادَ الْعَقْلِ، وَعَمَهَ الْبَصِيرَةِ، وَسُكْرَ الْقَلْبِ،

** كَمَا قَالَ الْقَائِلٌ:

سَكْرَانُ سُكْرُ هَوًى وَسُكْرُ مُدَامَةٍ *** وَمَتَّى إِفَاقَةُ مَنْ بِهِ سُكْرَانِ

** وَقَالَ الْآخَرُ:

قَالُوا جُنِنْتَ بِمَنْ تَهْوَى فَقُلْتُ لَهُمْ *** الْعِشْقُ أَعْظَمُ مِمَّا بِالْمَجَانِينِ

الْعِشْقُ لَا يَسْتَفِيقُ الدَّهْرَ صَاحِبُهُ *** وَإِنَّمَا يُصْرَعُ الْمَجْنُونُ فِي الْحِينِ. اهـ.

 

** (تنبيه): حديث: (اتَّقوا فراسة الْمُؤمن) ضعفه الشيخ الألباني في السلسلة الضعيفة (4/ 299) برقم: (1821)

 

** ويغني عنه حديث أَنَسٍ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ للَّهِ عِبَادًا يَعْرِفُونَ النَّاسَ بِالتَّوَسُّمِ».

رَوَاهُ الْبَزَّارُ، [وحسنه الألباني]

 

 

** (فائدة):

** الفرق بين ” الفِراسة ” بكسر الفاء و” الفَراسة ” بفتحها.

 

** (الفِرَاسَة) -بالكسر-: الاسم من التَفَرُّس وهُوَ التَّوَسُّم، تقول منه: رَجُلٌ فارِسُ النَّظَر، أَي ذُو بصر وَتَأمل.

** و(الفَرَاسَة) -بالفتح-: الاسم مِنَ الفُرُوسِيَّة، وهي الحِذْقُ برُكُوبِ الخَيْلِ وأَمْرِهَا ورَكْضها والثَّبَات عَلَيْهَا، تقول منه: رَجُلٌ فارسٌ حسَنُ الفُرُوسِيَّة، أي ذو حَذِقَ بأمْرِ الخَيْلِ.

 

** وقد يجتمعان في رجل واحد فيكون ذلك نورا على نور.

 

 

** وفي كتاب: (الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية)، للجوهري (3/ 958):

** و(الفِرَاسَة) بالكسر: الاسم من قولك: (تَفَرَّسْتُ فيه خيراً).

** وهو يَتَفَرَّسُ، أي يتثبَّت وينظر. تقول منه: (رجلٌ فارِسُ النظر).

** وفي الحديث: ” (اتَّقوا فِراسَةَ المؤمنِ) “.

** و(الفَراسَةُ) بالفتح: مصدر قولك: (رَجلٌ فارِسٌ على الخيل بيِّن الفَراسَةِ والفُروسَةِ والفُروسيَّةِ).

** وقد فَرُسَ بالضم يَفْرُسُ فُروسَةً وفَراسَةً، أي حَذِقَ أمر الخيل. اهـ

 

** (فائدة أخرى لطيفة):

 

** قال ابن أبي حاتم في كتابه: (آداب الشافعي ومناقبه)، (ص: 96):

** بَابُ مَا ذُكِرَ مِنْ فِرَاسَةِ الشَّافِعِيِّ وَفِطْنَتِهِ رَحِمَهُ اللَّهُ:

** أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ، أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ، ثَنا َأَحْمَدُ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ النَّيْسَابُورِيُّ، قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ وَرَّاقُ الْحُمَيْدِيِّ: سَمِعْتُ الْحُمَيْدِيَّ، يَقُولُ:

** قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ: ” خَرَجْتُ إِلَى الْيَمَنِ فِي طَلَبِ كُتُبِ الْفِرَاسَةِ، حَتَّى كَتَبْتُهَا وَجَمَعْتُهَا،

** ثُمَّ لَمَّا حَانَ انْصِرَافِي، مَرَرْتُ عَلَى رَجُلٍ فِي طَرِيقِي وَهُوَ مُحْتَبٍ بِفِنَاءِ دَارِهِ، أَزْرَقَ الْعَيْنَيْنِ، نَاتِئِ الْجَبْهَةِ، سِنَاطٍ،

** فَقُلْتُ لَهُ: هَلْ مِنْ مَنْزِلٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ.

** قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَهَذَا النَّعْتُ أَخْبَثُ مَا يَكُونُ فِي الْفِرَاسَةِ.

** فَأَنْزَلَنِي، فَرَأَيْتُ أَكْرَمَ رَجُلٍ، بَعَثَ إِلَيَّ بِعَشَاءٍ وَطِيبٍ، وَعَلَفٍ لِدَابَّتِي، وَفِرَاشٍ وَلِحَافٍ،

** فَجَعَلْتُ أَتَقَلَّبُ اللَّيْلَ أَجْمَعَ مَا أَصْنَعُ بِهَذِهِ الْكُتُبِ؟ إِذْ رَأَيْتُ هَذَا النَّعْتَ فِي هَذَا الرَّجُلِ، فَرَأَيْتُ أَكْرَمَ رَجُلٍ، فَقُلْتُ: أَرْمِي بِهَذِهِ الْكُتُبِ “.

** فَلَمَّا أَصْبَحْتُ، قُلْتُ لِلْغُلامِ: أَسْرِجْ، فَأَسْرَجَ، فَرَكِبْتُ وَمَرَرْتُ عَلَيْهِ، وَقُلْتُ لَهُ: إِذَا قَدِمْتَ مَكَّةَ وَمَرَرْتَ بِذِي طُوًى، فَسَلْ عَنْ مَنْزِلِ مُحَمَّدِ بْنِ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيِّ.

** فَقَالَ لِيَ الرَّجُلُ: أَمَولًى لأَبِيكَ أَنَا؟! قُلْتُ: لا.

** قَالَ: فَهَلْ كَانَتْ لَكَ عِنْدِي نِعْمَةٌ؟! فَقُلْتُ: لا.

** فَقَالَ: أَيْنَ مَا تَكَلَّفْتُ لَكَ الْبَارِحَةَ؟ قُلْتُ: وَمَا هُوَ؟

** قَالَ: اشْتَرَيْتُ لَكَ طَعَامًا بِدِرْهَمَيْنِ، وَإِدَامًا بِكَذَا، وَعِطْرًا بِثَلاثَةِ دَرَاهِمَ، وَعَلَفًا لِدَابَّتِكَ بِدِرْهَمَيْنِ، وَكِرَاءُ الْفِرَاشِ وَاللِّحَافِ دِرْهَمَانِ.

** قَالَ: قُلْتُ: يَا غُلامُ أَعْطِهِ، فَهَلْ بَقِيَ مِنْ شَيْءٍ.

** قَالَ: كِرَاءُ الْمَنْزِلِ، فَإِنِّي وَسَّعْتُ عَلَيْكَ، وَضَيَّقْتُ عَلَى نَفْسِي،

** قَالَ الشَّافِعِيُّ: فَغَبَطْتُ نَفْسِي بِتِلْكَ الْكُتُبِ،

** فَقُلْتُ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: هَلْ بَقِيَ مِنْ شَيْءٍ؟

** قَالَ: امْضِ، أَخْزَاكَ اللَّهُ، فَمَا رَأَيْتُ قَطُّ شَرًّا مِنْكَ.

 

** أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: فِي كِتَابِي عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ سُلَيْمَانَ، قَالَ: ” اشْتَرَيْتُ لِلشَّافِعِيِّ طِيبًا بِدِينَارٍ،

** فَقَالَ لِي: مِمَّنِ اشْتَرَيْتَ؟ فَقُلْتُ: مِنْ ذَلِكَ الأَشْقَرِ الأَزْرَقِ،

** فَقَالَ: أَشْقَرُ أَزْرَقُ، رُدَّهُ، رُدَّهُ “

 

** أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: وَأَخْبَرَنِي أَبِي، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ سُلَيْمَانَ، فِي هَذِهِ الْحِكَايَةِ بِزِيَادَةٍ،

** قَالَ: ” سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: مَا جَاءَنِي خَيْرٌ قَطُّ مِنْ أَشْقَرَ “.

اهـ المراد

** وفي كتاب: (تاج العروس)، (13/ 479):

(ق ن ج ر)

** (القُنْجُورُ)، كـ(زُنْبُورٍ)، بالجِيم، أَهمله الجوهريُّ،

** وَقَالَ ابنُ الأَعرابيّ: هُوَ الرَّجُلُ الصَّغِيرُ الرَأْسِ الضَّعِيفُ العَقْلِ،

هَكَذَا نَقله الصاغانيّ وصاحبُ اللّسَان.

** وَقَالَ أَهل الفِراسَة: إِنّ صِغَرَ الرَّأْسِ يَدُلّ على ضَعْفِ الرَّأْي. اهـ

 

** والله الموفق.

 

** كتبها: أبوعبد الله أحمد بن ثابت الوصابي

** الجمعة 2 / 1/ 1439 هـ

(85) ذكر أول شيخ بدأ البخاري صحيحه به، وأخر شيخ ختمه به

سلسة الفوائد اليومية

 

  • أول شيخ بدأ البخاري صحيحه به هو: (الْحُمَيْدِيّ عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر)، فقال رحمه الله:

 

1- حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ، أَنَّهُ سَمِعَ عَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى المِنْبَرِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

«إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ»

 

 فتح الباري لابن حجر (1/ 2) –

 

 قَوْله: (حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيّ)

 

 هُوَ أَبُو بَكْر عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر بْن عِيسَى، مَنْسُوب إِلَى حُمَيْدِ بْن أُسَامَة بَطْن مِنْ بَنِي أَسَد بْن عَبْد الْعُزَّى بْن قُصَيّ، رَهْط خَدِيجَة زَوْج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَجْتَمِع مَعَهَا فِي أَسَد وَيَجْتَمِع مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قُصَيّ.

 

 وَهُوَ إِمَام كَبِير مُصَنِّف، رَافَقَ الشَّافِعِيّ فِي الطَّلَب عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ وَطَبَقَته وَأَخَذَ عَنْهُ الْفِقْه وَرَحَلَ مَعَهُ إِلَى مِصْر، وَرَجَعَ بَعْد وَفَاته إِلَى مَكَّة إِلَى أَنْ مَاتَ بِهَا سَنَة تِسْع عَشْرَة وَمِائَتَيْنِ.

 

 فَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ امْتَثَلَ قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (قَدِّمُوا قُرَيْشًا) فَافْتَتَحَ كِتَابَهُ بِالرِّوَايَةِ عَنِ الْحُمَيْدِيِّ؛ لِكَوْنِهِ أَفْقَهَ قُرَشِيٍّ أَخَذَ عَنْهُ.

 

 وَلَهُ مُنَاسَبَةٌ أُخْرَى؛ لِأَنَّهُ مَكِّيٌّ كَشَيْخِهِ فَنَاسَبَ أَنْ يُذْكَرَ فِي أَوَّلِ تَرْجَمَةِ بَدْءِ الْوَحْيِ لِأَنَّ ابْتِدَاءَهُ كَانَ بِمَكَّةَ،

 

 وَمِنْ ثَمَّ ثَنَّى بِالرِّوَايَةِ عَنْ مَالِكٍ لِأَنَّهُ شَيْخُ أَهْلِ الْمَدِينَةَ، وَهِيَ تَالِيَةٌ لِمَكَّةَ فِي نُزُولِ الْوَحْيِ وَفِي جَمِيع الْفضل،

 

 وَمَالك وبن عُيَيْنَةَ قَرِينَانِ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَوْلَاهُمَا لَذَهَبَ الْعِلْمُ من الْحجاز. اهـ

 

  • وآخر شيخ ختم به صحيحة هو: (أَحْمَدُ بْنُ إِشْكَابٍ) فقال رحمه الله:

 

7563- حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ إِشْكَابَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ القَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” كَلِمَتَانِ حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ، خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي المِيزَانِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ العَظِيمِ “

 

 

فتح الباري لابن حجر (13/ 540):

 

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِشْكَابٍ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ وَآخِرُهُ مُوَحَّدَةٌ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ؛ لِأَنَّهُ أَعْجَمِيٌّ، وَقِيلَ: بَلْ عَرَبِيٌّ فَيَنْصَرِفُ،

 وَهُوَ لَقَبٌ، وَاسْمُهُ: مَجْمَعٌ، وَقِيلَ: مَعْمَرٌ، وَقِيلَ: عُبَيْدُ اللَّهِ

 

 وَكُنْيَةُ: أَحْمَدَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، وَهُوَ الصَّفَّارُ الْحَضْرَمِيُّ نَزِيلُ مِصْرَ.

 

 قَالَ الْبُخَارِيُّ: آخِرُ مَا لَقِيتُهُ بِمِصْرَ سنة سبع عشرَة.

 وأرخ بن حبَان وَفَاته فِيهَا.

 

 وَقَالَ بن يُونُسَ مَاتَ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ أَوْ ثَمَانَ عَشْرَةَ

 

 قُلْتُ: وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ (عَلِيِّ بْنِ إِشْكَابٍ)، وَلَا (مُحَمَّدِ بْنِ إِشْكَابٍ) قَرَابَةٌ. اهـ

 

والله الموفق.

 

كتبها: أبو عبد الله أحمد بن ثابت الوصابي

السبت 25 / 12/ 1438 هـ.

(84) الحقوق الزوجية / الحلقة الثالثة / حقوق الزوجة

سلسلة الفوائد اليومية

(84) فائدة اليوم بعنوان:

 

(الحقوق الزوجية / الحلقة الثالثة / حقوق الزوجة)

 

** قال الله تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ}

** قال الله تعالى: {وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ}

 

** وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ” أكْمَلُ المؤمِنينَ إيماناً أحْسَنُهم خُلُقاً، وخيارُكُم خيارُكُم لِنسائِهمْ “.

** رواه الترمذي وغيره، وقال الشيخ الألباني: حسن صحيح.

 

** وفي (تفسير ابن كثير) ط العلمية (1/ 459):

 

** وَقَوْلُهُ: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ}

** أَيْ وَلَهُنَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ الْحَقِّ مِثْلُ مَا لِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ،

** فَلْيُؤَدِّ كُلٌّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا إِلَى الْآخَرِ، مَا يَجِبُ عَلَيْهِ بِالْمَعْرُوفِ،

** كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم، قال فِي خُطْبَتِهِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ «فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللَّهِ وَاسْتَحْلَلْتُمْ فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكِسَوْتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ»

** وَفِي حَدِيثِ بِهَزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ الْقُشَيْرِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا حَقُّ زَوْجَةِ أَحَدِنَا؟

قَالَ « أَنْ تُطْعِمَهَا إِذَا طَعِمْتَ، وَتَكْسُوَهَا إذا اكتسبت، وَلَا تَضْرِبَ الْوَجْهَ، وَلَا تُقَبِّحَ، وَلَا تَهْجُرَ إِلَّا فِي الْبَيْتِ»

** وَقَالَ وَكِيعٌ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ:

إِنِّي لَأُحِبُّ أَنْ أَتَزَيَّنَ لِلْمَرْأَةِ كَمَا أُحِبُّ أَنْ تَتَزَيَّنَ لِيَ الْمَرْأَةُ، لِأَنَّ اللَّهَ يقول: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ}.

** ورواه ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، الخ كلامه) اهـ المراد.

 

** وقال أيضا في (2/ 212):

** وقوله تعالى: {وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ}

** أَيْ طَيِّبُوا أَقْوَالَكُمْ لَهُنَّ، وَحَسِّنُوا أَفْعَالَكُمْ وَهَيْئَاتِكُمْ بِحَسَبِ قُدْرَتِكُمْ كَمَا تُحِبُّ ذَلِكَ مِنْهَا، فَافْعَلْ أَنْتَ بِهَا مِثْلَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [الْبَقَرَةِ: 228]

** وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي»

** وَكَانَ مِنْ أَخْلَاقِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ جَمِيلُ الْعِشْرَةِ دَائِمُ الْبِشْرِ، يُدَاعِبُ أَهْلَهُ، وَيَتَلَطَّفُ بِهِمْ ويُوسِعُهُمْ نَفَقَتَهُ، وَيُضَاحِكُ نِسَاءَهُ حَتَّى إِنَّهُ كان يسابق عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، يَتَوَدَّدُ إِلَيْهَا بِذَلِكَ،

** قَالَتْ: سَابَقَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَبَقْتُهُ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ أَحْمِلَ اللَّحْمَ، ثُمَّ سَابَقْتُهُ بَعْدَ مَا حَمَلْتُ اللَّحْمَ فَسَبَقَنِي، فَقَالَ «هَذِهِ بِتِلْكَ»

** وَيَجْتَمِعُ نِسَاؤُهُ كُلَّ لَيْلَةٍ فِي بَيْتِ الَّتِي يَبِيتُ عِنْدَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَأْكُلُ مَعَهُنَّ الْعَشَاءَ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ، ثُمَّ تَنْصَرِفُ كُلُّ وَاحِدَةٍ إِلَى مَنْزِلِهَا،

** وَكَانَ يَنَامُ مَعَ الْمَرْأَةِ مِنْ نِسَائِهِ فِي شِعَارٍ وَاحِدٍ، يَضَعُ عَنْ كَتِفَيْهِ الرِّدَاءَ وَيَنَامُ بِالْإِزَارِ،

** وَكَانَ إِذَا صَلَّى الْعِشَاءَ يَدْخُلُ مَنْزِلَهُ يَسْمُرُ مَعَ أَهْلِهِ قَلِيلًا قَبْلَ أَنْ يَنَامَ، يُؤَانِسُهُمْ بِذَلِكَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

** وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الْأَحْزَابِ: 21]

** وَأَحْكَامُ عِشْرَةِ النِّسَاءِ وَمَا يتعلق بتفصيل ذلك موضعه كتب الْأَحْكَامِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. اهـ

 

** وقبل أن ندخل في تفاصيل حقوق الزوجة على زوجها نذكر بنعمة الله العظيمة على المرأة المسلمة في هذا الدين العظيم، فنقول – وبالله التوفيق -:

 

(**) لقد كانت المرأة قبل الإسلام – أماً كانت أو بنتاً أو أختاً أو زوجةً أو عمةً أو خالةً – مستعبدةً، مملوكةً، مهانةً, ولم يكن لها أي حق من الحقوق.

(**) بل كان العرب يكرهونها غاية الكره، ويدفنونها – وهي حية – خشية الفقر والعار، كما قال تعالى: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (58) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَاء مَا يَحْكُمُونَ}

 

** وقال شاعرهم:

ومن غاية المجد والمكرمات *** بقاء البنين وموت البنات

** وقال أخر:

تَهْوَى حَيَاتِي وَأَهْوَى مَوْتَهَا شَفَقًا *** وَالْمَوْتُ أَكْرَمُ نَزَّالٍ عَلَى الْحُرَمِ

** وقال عقيل بن علفة المري لما خطبت عنه ابنته الجرباء:

إِنِّي وَإِنْ سِيقَ إِلَيَّ الْمَهْرُ * * * عَبْدٌ وَأَلْفَانِ وَذَوْدٌ عَشْرُ

أَحَبُّ أَصْهَارِي إِلَيَّ الْقَبْرُ

 

(**) وبعضهم كان يتركها تعيش، ولكن كيف هذه العيشة؟!

(**) إنها عيشة الذل والمهانة،

(**) فليس لها حق الإرث،

(**) ولا يؤخذ رأيها في أي شيء،

(**) وليس لطلاقها عدد معين،

(**) ولا لتعدد الزوجات عدد معين،

 

(**) وكانت تعد من ضمن الموروثات، فإذا مات زوجها جاء ابنه – من غيرها -، أو جاء أحد ورثته؛ فألقى ثوبه عليها وقال: ورثت امرأته كما ورثت ماله، وتصير في حوزته، ويصير أحق بها من كل الناس – حتى من أهلها وأبويها – فإن شاء تزوجها من غير صداق، وإن شاء زوجها بمن لا ترغب فيه رغم أنفها، وأخذ صداقها لنفسه.

 

** وفي: (صحيح البخاري)، (6/ 44):

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا، وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ} قَالَ: «كَانُوا إِذَا مَاتَ الرَّجُلُ كَانَ أَوْلِيَاؤُهُ أَحَقَّ بِامْرَأَتِهِ، إِنْ شَاءَ بَعْضُهُمْ تَزَوَّجَهَا وَإِنْ شَاءُوا زَوَّجُوهَا، وَإِنْ شَاءُوا لَمْ يُزَوِّجُوهَا فَهُمْ أَحَقُّ بِهَا مِنْ أَهْلِهَا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي ذَلِكَ»

 

(**) وإذا مات زوجها فإنها تحد عليها شر حداد وأقبحه.

** وفي: (صحيح البخاري)، (7/ 59):

5336 – قَالَتْ زَيْنَبُ، وَسَمِعْتُ أُمَّ سَلَمَةَ، تَقُولُ: جَاءَتْ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ ابْنَتِي تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا، وَقَدِ اشْتَكَتْ عَيْنَهَا، أَفَتَكْحُلُهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لاَ» مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا، كُلَّ ذَلِكَ يَقُولُ: «لاَ» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّمَا هِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ، وَقَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ فِي الجَاهِلِيَّةِ تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الحَوْلِ»

 

5337 – قَالَ حُمَيْدٌ: فَقُلْتُ لِزَيْنَبَ، وَمَا تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الحَوْلِ؟ فَقَالَتْ زَيْنَبُ: «كَانَتِ المَرْأَةُ إِذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا، دَخَلَتْ حِفْشًا، وَلَبِسَتْ شَرَّ ثِيَابِهَا، وَلَمْ تَمَسَّ طِيبًا حَتَّى تَمُرَّ بِهَا سَنَةٌ، ثُمَّ تُؤْتَى بِدَابَّةٍ، حِمَارٍ أَوْ شَاةٍ أَوْ طَائِرٍ، فَتَفْتَضُّ بِهِ، فَقَلَّمَا تَفْتَضُّ بِشَيْءٍ [ص:60] إِلَّا مَاتَ، ثُمَّ تَخْرُجُ فَتُعْطَى بَعَرَةً، فَتَرْمِي، ثُمَّ تُرَاجِعُ بَعْدُ مَا شَاءَتْ مِنْ طِيبٍ أَوْ غَيْرِهِ» سُئِلَ مَالِكٌ مَا تَفْتَضُّ بِهِ؟ قَالَ: «تَمْسَحُ بِهِ جِلْدَهَا» وأخرجه مسلم أيضا (2/ 1124).

** وفي: (شرح النووي على مسلم) (10/ 114):

** قَوْلُهُ: (دَخَلَتْ حِفْشًا) هُوَ بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَإِسْكَانِ الْفَاءِ وَبِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ بَيْتًا صَغِيرًا حَقِيرًا قَرِيبَ السمك

** قوله: (ثم تؤتى بدابة حمار أوشاة أو طير فَتَفْتَضُّ بِهِ) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ فتفتض بالفاء والضاد.

** قال بن قُتَيْبَةَ: سَأَلْتُ الْحِجَازِيِّينَ عَنْ مَعْنَى الِافْتِضَاضِ فَذَكَرُوا أَنَّ الْمُعْتَدَّةَ كَانَتْ لَا تَغْتَسِلُ، وَلَا تَمَسُّ مَاءً، وَلَا تُقَلِّمُ ظُفْرًا، ثُمَّ تَخْرُجُ بَعْدَ الْحَوْلِ بِأَقْبَحِ مَنْظَرٍ، ثُمَّ تَفْتَضُّ أَيْ تَكْسِرُ مَا هِيَ فِيهِ مِنَ الْعِدَّةِ بِطَائِرٍ تَمْسَحُ بِهِ قُبُلَهَا وَتَنْبِذُهُ فَلَا يَكَادُ يَعِيشُ مَا تَفْتَضُّ بِهِ.

** وَقَالَ مَالِكٌ: مَعْنَاهُ تَمْسَحُ بِهِ جلدها.

** وقال بن وَهْبٍ: مَعْنَاهُ تَمْسَحُ بِيَدِهَا عَلَيْهِ أَوْ عَلَى ظَهْرِهِ.

** وَقِيلَ: مَعْنَاهُ تَمْسَحُ بِهِ ثُمَّ تَفْتَضُّ أَيْ تَغْتَسِلُ، وَالِافْتِضَاضُ الِاغْتِسَالُ بِالْمَاءِ الْعَذْبِ لِلْإِنْقَاءِ وَإِزَالَةِ الْوَسَخِ حَتَّى تَصِيرَ بَيْضَاءَ نَقِيَّةً كَالْفِضَّةِ.

** وَقَالَ الْأَخْفَشُ: مَعْنَاهُ تَتَنَظَّفُ وَتَتَنَقَّى مِنَ الدَّرَنِ تَشْبِيهًا لَهَا بِالْفِضَّةِ فِي نَقَائِهَا وَبَيَاضِهَا.

** وَذَكَرَ الْهَرَوِيُّ: أَنَّ الْأَزْهَرِيَّ قَالَ: رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ (تُقْبَصُ) بِالْقَافِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ مَأْخُوذٌ مِنَ الْقَبْضِ بِأَطْرَافِ الْأَصَابِعِ.اهـ

 

** فلما جاء الله بالإسلام رفع عنها هذه المظالم، فأعطاها جميع حقوقها، ورد لها جميع اعتباراتها.

** فجعلها شريكة للرجل في مبدأ الإنسانية، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى}

** وشريكة له في الثواب والعقاب، قال الله تعالى: {لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِندَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا (5) وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا َ}

** وحرم سبحانه وتعالى جعل المرأة من جملة المورثات، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا، وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ} وقد تقدم الكلام عليها.

** بل جعلها وارثة من مال قريبها أو زوجها، قال الله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ، الأية}

وقال الله تعالى: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِن كَانُواْ إِخْوَةً رِّجَالاً وَنِسَاء فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (176)}

** وجعل الصداق حقا لها، وأمر بإعطائها إياه كاملا إلا ما سمحت به عن طيب نفس، قال الله تعالى: {وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا}

** وجعلها راعية في بيت زوجها، أميرة على أولادها.

** عَنِ عبد الله بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ

وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: « أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ،…

وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ، وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ،…،

أَلَا فَكُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» متفق عليه.

 

** فالإسلام قد اعتنى بالمرأة عناية عظيمة، واهتم بها اهتماما كبيرا، ورفع من شأنها، وأعطاها حقوقها كاملة وافية، بل إنه أوصى بها جميع أفراد الرجال أن يرفقوا بها، وأن يحسنوا إليها، وأن يحافظوا عليها، سواء كانت زوجة أو أما أو بنتا أو أختا؛ وذلك لضعفها واحتياجها لمن يقوم بشأنها.

** وعَنْ عَمْرِو بْنِ الأَحْوَصِ رضي الله عنه أَنَّهُ شَهِدَ حَجَّةَ الوَدَاعِ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَذَكَّرَ، وَوَعَظَ، فَذَكَرَ فِي الحَدِيثِ قِصَّةً، فَقَالَ: أَلاَ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّمَا هُنَّ عَوَانٌ عِنْدَكُمْ، لَيْسَ تَمْلِكُونَ مِنْهُنَّ شَيْئًا غَيْرَ ذَلِكَ، إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ،… الحديث) رواه الترمذي وغيره [وحسنه الألباني]

 

** وَمَعْنَى قَوْلِهِ: (عَوَانٌ عِنْدَكُمْ)، يَعْنِي: أَسْرَى فِي أَيْدِيكُمْ.

** فهذه الوصية العظيمة حضرها وسمعها الآلاف المؤلفة من الناس.

 

** وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ:

«… وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ خُلِقْنَ مِنْ ضِلَعٍ، وَإِنَّ أَعْوَجَ شَىْءٍ فِى الضِّلَعِ أَعْلاَهُ، فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا» متفق عليه.

 

** إن المرأة في قديم الزمان – عند أعداء الإسلام – كانت تعتبر حيوانا لا روح له.

** ولما أرادوا إنصافها في المؤتمر الفرنسي الذي عقد سنة 586 م

كان جهد ما قرروه لها: أنها إنسان وليست بحيوان، خلقت لخدمة الرجل فقط.

** ومن الطريف أن نذكر أن القانون الإنجليزي حتى عام 1805 م كان يبيح للرجل أن يبيع زوجته، وقد حدد ثمن الزوجة بستة بنسات (نصف شلن ليرة سورية).

** وقد حدث منذ بضعة أعوام أن باع إيطالي زوجته لآخر على أقساط، فلما امتنع المشتري عن سداد الأقساط الأخيرة قتله الزوج البائع. اهـ بتصرف من كتاب: (تحفة العروس) صـ (223)، لمحمود بن مهدي الاستانبولي.

 

** فلتحمد المرأة ربها الذي أنعم عليها بهذا الدين العظيم الذي شرفها وكرمها، وأمر ببرها، والإحسان إليها، والإنفاق عليها؟!

 

** وبعد هذه المقدمة السريعة نذكر تفاصيل حقوق الزوجة على زوجها.

** ((الحق الأول)):

** المهر.

** قال الله تعالى: {وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا}

** وقال: {وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً * وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا}

** وقال: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ}

 

** والمهر ليس له تحديد في القلة والكثرة.

** وهو حق للزوجة، فلا يجوز لأحد – أبا كان أو زوجا أو أخا – أن يأخذه عليها إلا إذا رضيت.

 

 

** ((الحق الثاني)):

** الوليمة.

فإنها من الحقوق الواجبة على الرجل – على حسب قدرته -.

** عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَثَرَ صُفْرَةٍ، قَالَ: «مَا هَذَا؟» قَالَ: إِنِّي تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ، قَالَ: «بَارَكَ اللَّهُ لَكَ، أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ» متفق عليه

 

** عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه، قَالَ: «مَا أَوْلَمَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى امْرَأَةٍ مِنْ نِسَائِهِ أَكْثَرَ – أَوْ أَفْضَلَ – مِمَّا أَوْلَمَ عَلَى زَيْنَبَ»،

فَقَالَ ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ: بِمَا أَوْلَمَ؟ قَالَ: «أَطْعَمَهُمْ خُبْزًا وَلَحْمًا حَتَّى تَرَكُوهُ» متفق عليه

** [قوله: (حتى تركوه)، يعني حتى شبعوا وتركوه لشبعهم]

 

** عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَوْلَمَ عَلَى صَفِيَّةَ بِسَوِيقٍ، وَتَمْرٍ» رواه أبو داود وغيره، [وصححه الألباني]، وهو في الصحيحين ضمن قصة.

** وفي: (شرح النووي على مسلم)، (9/ 218):

(أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ)

** دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْمُوسِرِ أَنْ لَا يَنْقُصَ عَنْ شَاةٍ.

** وَنَقَلَ الْقَاضِي الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهُ لَا حَدَّ لِقَدْرِهَا الْمُجْزِئِ، بَلْ بِأَيِّ شَيْءٍ أَوْلَمَ مِنَ الطَّعَامِ حَصَلَتِ الْوَلِيمَةُ.

** وَقَدْ ذكر مسلم بعد هذا في وَلِيمَةِ عُرْسِ صَفِيَّةَ أَنَّهَا كَانَتْ بِغَيْرِ لَحْمٍ، وَفِي وَلِيمَةِ زَيْنَبَ أَشْبَعَنَا خُبْزًا وَلَحْمًا.

** وَكُلُّ هذا جائز تحصل به الوليمة لكن يُسْتَحَبُّ أَنْ تَكُونَ عَلَى قَدْرِ حَالِ الزَّوْجِ… الخ) اهـ

 

** ((الحق الثالث)):

(النفقة):

** وهي واجبة بالكتاب والسنة والإجماع، سواء كانت الزوجة عنده، أو مطلقة طلاقا رجعيا، أو مطلقة طلاقا بائنا لكنها حامل أو قائمة على أبنائه.

** فمن الكتاب قوله تعالى: {لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ مَا آتَاهَا}

** وقوله تعالى: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ}

** وقوله تعالى: {وَإِن كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ}

 

** ومن السنة حديث جابر الطويل، وفيه: (وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، …) رواه مسلم.

 

** وحَدِيثِ بِهَزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ الْقُشَيْرِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا حَقُّ زَوْجَةِ أَحَدِنَا؟

قَالَ «أَنْ تُطْعِمَهَا إِذَا طَعِمْتَ، وَتَكْسُوَهَا إذا اكتسبت، … الحديث» رواه أبو داود وغيره، (2/ 245)، [وقال الألباني: حسن صحيح ]

 

** وأما الإجماع فقد نقله غير واحد من أهل العلم.

** قال ابن قدامة في كتاب: (المغني)، (8/ 195):

** وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ، فَاتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى وُجُوبِ نَفَقَاتِ الزَّوْجَات عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ، إذَا كَانُوا بَالِغِينَ، إلَّا النَّاشِزَ مِنْهُنَّ. ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَغَيْرُهُ. ** وَفِيهِ ضَرْبٌ مِنْ الْعِبْرَةِ، وَهُوَ أَنَّ الْمَرْأَةَ مَحْبُوسَةٌ عَلَى الزَّوْجِ، يَمْنَعُهَا مِنْ التَّصَرُّفِ وَالِاكْتِسَابِ، فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهَا، كَالْعَبْدِ مَعَ سَيِّدِهِ. اهـ

** وانظر كتاب: (الإشراف على مذاهب العلماء)، لابن المنذر

(5/ 154)

 

** شروط استحقاق الزوجة للنفقة:

(1) أن يكون العقد صحيحا.

(2) أن تسلم نفسها لزوجها.

(3) أن تمكنه من الاستمتاع بها استمتاعا كاملا.

(4) ألا تمتنع من الانتقال معه حيث يريد.

 

** ومعنى بـ (المعروف)، [[أَيْ بِمَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ أَمْثَالِهِنَّ فِي بَلَدِهِنَّ مِنْ غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلَا إِقْتَارٍ، بِحَسَبِ قُدْرَتِهِ فِي يَسَارِهِ، وَتَوَسُّطِهِ وَإِقْتَارِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً}

 

** وإذا قصر الزوج في النفقة الواجبة مع يساره جاز للزوجة أن تأخذ من ماله بدون إذنه ما يكفيها وولدها بالمعروف، لحديث عائشة الآتي.

** عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: دَخَلَتْ هِنْدٌ بِنْتُ عُتْبَةَ امْرَأَةُ أَبِي سُفْيَانَ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، لَا يُعْطِينِي مِنَ النَّفَقَةِ مَا يَكْفِينِي وَيَكْفِي بَنِيَّ إِلَّا مَا أَخَذْتُ مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ، فَهَلْ عَلَيَّ فِي ذَلِكَ مِنْ جُنَاحٍ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «خُذِي مِنْ مَالِهِ بِالْمَعْرُوفِ مَا يَكْفِيكِ وَيَكْفِي بَنِيكِ» متفق عليه

 

** ((الحق الرابع)):

السكن:

** وهو أن يهيئ الزوجُ لزوجته مسكناً على قدر سعته وقدرته.

** قال الله تعالى: {أسكنوهنَّ من حيث سكنتم مِن وُجدكم}

 

** قال ابن قدامة في كتاب: (المغني)، (8/ 200):

فَصْلٌ:

** وَيَجِبُ لَهَا مَسْكَنٌ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ}.

** فَإِذَا وَجَبَتْ السُّكْنَى لِلْمُطَلَّقَةِ، فَلِلَّتِي فِي صُلْبِ النِّكَاحِ أَوْلَى، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: 19].

** وَمِنْ الْمَعْرُوفِ أَنْ يُسْكِنَهَا فِي مَسْكَنٍ، وَلِأَنَّهَا لَا تَسْتَغْنِي عَنْ الْمَسْكَنِ لِلِاسْتِتَارِ عَنْ الْعُيُونِ، وَفِي التَّصَرُّفِ، وَالِاسْتِمْتَاعِ، وَحِفْظِ الْمَتَاعِ، وَيَكُونُ الْمَسْكَنُ عَلَى قَدْرِ يَسَارِهِمَا وَإِعْسَارِهِمَا؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {مِنْ وُجْدِكُمْ} [الطلاق: 6].

** وَلِأَنَّهُ وَاجِبٌ لَهَا لِمَصْلَحَتِهَا فِي الدَّوَامِ، فَجَرَى مَجْرَى النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ. اهـ

 

** ((الحق الخامس)):

حسن معاشرتها:

** قال الله تعالى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ}

** قال ابن كثير في (تفسيره)، ط العلمية (2/ 212):

** وقوله تعالى: {وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} أَيْ طَيِّبُوا أَقْوَالَكُمْ لَهُنَّ، وَحَسِّنُوا أَفْعَالَكُمْ وَهَيْئَاتِكُمْ بِحَسَبِ قُدْرَتِكُمْ كَمَا تُحِبُّ ذَلِكَ مِنْهَا، فَافْعَلْ أَنْتَ بِهَا مِثْلَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ}

** وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ « خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي»

** وَكَانَ مِنْ أَخْلَاقِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ جَمِيلُ الْعِشْرَةِ، دَائِمُ الْبِشْرِ،، يُدَاعِبُ أَهْلَهُ، وَيَتَلَطَّفُ بِهِمْ، ويُوسِعُهُمْ نَفَقَتَهُ، وَيُضَاحِكُ نِسَاءَهُ، حَتَّى إِنَّهُ كان يسابق عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، يَتَوَدَّدُ إِلَيْهَا بِذَلِكَ،

** قَالَتْ: سَابَقَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَبَقْتُهُ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ أَحْمِلَ اللَّحْمَ، ثُمَّ سَابَقْتُهُ بَعْدَ مَا حَمَلْتُ اللَّحْمَ فَسَبَقَنِي، فَقَالَ «هَذِهِ بِتِلْكَ»

** وَيَجْتَمِعُ نِسَاؤُهُ كُلَّ لَيْلَةٍ فِي بَيْتِ الَّتِي يَبِيتُ عِنْدَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَأْكُلُ مَعَهُنَّ الْعَشَاءَ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ، ثُمَّ تَنْصَرِفُ كُلُّ وَاحِدَةٍ إِلَى مَنْزِلِهَا،

** وَكَانَ يَنَامُ مَعَ الْمَرْأَةِ مِنْ نِسَائِهِ فِي شِعَارٍ وَاحِدٍ، يَضَعُ عَنْ كَتِفَيْهِ الرِّدَاءَ وَيَنَامُ بِالْإِزَارِ،

** وَكَانَ إِذَا صَلَّى الْعِشَاءَ يَدْخُلُ مَنْزِلَهُ يَسْمُرُ مَعَ أَهْلِهِ قَلِيلًا قَبْلَ أَنْ يَنَامَ، يُؤَانِسُهُمْ بِذَلِكَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

** وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}. اهـ

 

** ومن حسن معاشرتها بِالْمَعْرُوفِ:

(1) جماعها بالمعروف، وعدم غيابه عنها طويلا؛ فإن هذا الغياب الطويل قد يعرضها للفتنة.

(2) إكرامها وإكرام أهلها.

(3) معاملتها بالرفق واللين.

(4) تقديم الهدية لها.

(5) مزاحها مزحا معقولا بحيث لا يسقط هيبته.

(6) يتغافل عن بعض الأمور التي ليس لها كبير شأن.

(7) لا يستأثر بالطعام الطيب دونها.

(8) يراعيها في حال حيضها من الناحية الصحية.

(9) احتمال الأذى منها؛ لأنها ناقصة عقل ودين.

 

** قال ابن القيم رحمه الله في كتابه: (روضة المحبين ونزهة المشتاقين)، (ص: 215):

** وقد اختلف الفقهاء هل يجب على الزوج مجامعة امرأته؟

** فقالت طائفة: لا يجب عليه ذلك؛ فإنه حق له، فإن شاء استوفاه وإن شاء تركه، بمنزلة من استأجر دارا إن شاء سكنها وإن شاء تركها.

** وهذا من أضعف الأقوال، والقرآن والسنة والعرف والقياس يرده.

** أما القرآن فإن الله سبحانه وتعالى قال: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} فأخبر أن للمرأة من الحق مثل الذي عليها،

** فإذا كان الجماع حقا للزوج عليها فهو حق على الزوج بنص القرآن ** وأيضا فإنه سبحانه وتعالى أمر الأزواج أن يعاشروا الزوجات بالمعروف،

** ومن ضد المعروف أن يكون عنده شابة شهوتها تعدل شهوة الرجل أو تزيد عليها بأضعاف مضاعفة ولا يذيقها لذة الوطء مرة واحدة.

** ومن زعم أن هذا من المعروف كفاه طبعه ردا عليه.

** والله سبحانه وتعالى إنما أباح للأزواج إمساك نسائهم على هذا الوجه لا على غيره فقال تعالى {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ}

 

** وقالت طائفة: يجب عليه وطؤها في العمر مرة واحدة؛ ليستقر لها بذلك الصداق،

** وهذا من جنس القول الأول، وهذا باطل من وجه آخر؛ فإن المقصود إنما هو المعاشرة بالمعروف، والصداق دخل في العقد تعظيما لحرمته، وفرقا بينه وبين السفاح، فوجوب المقصود بالنكاح أقوى من وجوب الصداق

 

** وقالت طائفة ثالثة: يجب عليه أن يطأها في كل أربعة أشهر مرة واحتجوا على ذلك بأن الله سبحانه وتعالى أباح للمولي تربص أربعة أشهر، وخير المرأة بعد ذلك إن شاءت أن تقيم عنده وإن شاءت أن تفارقه، فلو كان لها حق في الوطء أكثر من ذلك لم يجعل للزوج تركه في تلك المدة.

** وهذا القول وإن كان أقرب من القولين اللذين قبله فليس أيضا بصحيح؛ فإنه غير المعروف الذي لها وعليها.

** وأما جعل مدة الإيلاء أربعة أشهر فنظرا منه سبحانه للأزواج فإن الرجل قد يحتاج إلى ترك وطء امرأته مدة لعارض من سفر أو تأديب أو راحة نفس أو اشتغال بمهم فجعل الله سبحانه وتعالى له أجلا أربعة أشهر ولا يلزم من ذلك أن يكون الوطء مؤقتا في كل أربعة أشهر مرة.

 

** وقالت طائفة أخرى: بل يجب عليه أن يطأها بالمعروف كما ينفق عليها ويكسوها ويعاشرها بالمعروف، بل هذا عمدة المعاشرة ومقصودها، وقد أمر الله سبحانه وتعالى أن يعاشرها بالمعروف، فالوطء داخل في هذه المعاشرة ولا بد،

** قالوا: وعليه أن يشبعها وطئا إذا أمكنه ذلك كما عليه أن يشبعها قوتا،

** وكان شيخنا رحمه الله تعالى يرجح هذا القول ويختاره

 

** وقد حض النبي صلى الله عليه وسلم على استعمال هذا الدواء، ورغب فيه، وعلق عليه الأجر، وجعله صدقة لفاعله فقال: “وفي بضع أحدكم صدقة”

** ومن تراجم النسائي على هذا: الترغيب في المباضعة، ثم ذكر هذا الحديث

** ففي هذا كمال اللذة، وكمال الإحسان إلى الحبيبة، وحصول الأجر، وثواب الصدقة، وفرح النفس وذهاب أفكارها الرديئة عنها، وخفة الروح وذهاب كثافتها وغلظها، وخفة الجسم واعتدال المزاج، وجلب الصحة ودفع المواد الرديئة،

** فإن صادف ذلك وجها حسنا، وخلقا دمثا، وعشقا وافرا، ورغبة تامة، واحتسابا للثواب، فذلك اللذة التي لا يعادلها شيء ولا سيما إذا وافقت كمالها؛ فإنها لا تكمل حتى يأخذ كل جزء من البدن بقسطه من اللذة، فتلتذ العين بالنظر إلى المحبوب، والأذن بسماع كلامه، والأنف بشم رائحته، والفم بتقبيله، واليد بلمسه، وتعتكف كل جارحة على ما تطلبه من لذتها وتقابله من المحبوب،

** فإن فقد من ذلك شيء لم تزل النفس متطلعة إليه متقاضية له، فلا تسكن كل السكون؛ ولذلك تسمى المرأة سكنا لسكون النفس إلينا قال الله تعالى {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا}؛

** ولذلك فضل جماع النهار على جماع الليل،

** ولسبب آخر طبيعي وهو أن الليل وقت تبرد فيه الحواس وتطلب حظها من السكون، والنهار محل انتشار الحركات كما قال الله تعالى {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاساً وَالنَّوْمَ سُبَاتاً وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُوراً}، وقال الله تعالى {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ}

** وتمام النعمة في ذلك فرحة المحب برضاء ربه تعالى بذلك، واحتساب هذه اللذة عنده، ورجاء تثقيل ميزانه، ولذلك كان أحب شيء إلى الشيطان أن يفرق بين الرجل وبين حبيبه ليتوصل إلى تعويض كل منهما عن صاحبه بالحرام… الخ) اهـ

 

** وفي (تفسير ابن كثير) ط العلمية (1/ 455):

 

** قد ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ وَغَيْرُهُمْ فِي مُنَاسَبَةِ تَأْجِيلِ الْمُولِي بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، الْأَثَرَ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْمُوَطَّأِ، عَنْ عبد الله بْنِ دِينَارٍ، قَالَ: خَرَجَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ من الليل، فسمع امرأة تقول:

 

تطاول هذا الليل واسود جانبه… وأرقني أن لا خليل ألاعبه

فو الله لَوْلَا اللَّهُ أَنِّي أُرَاقِبَهْ… لَحُرِّكَ مِنْ هَذَا السَّرِيرِ جَوَانِبُهْ

 

فَسَأَلَ عُمَرُ ابْنَتَهُ حَفْصَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: كَمْ أَكْثَرَ مَا تَصْبِرُ الْمَرْأَةُ عَنْ زَوْجِهَا؟ فَقَالَتْ: سِتَّةُ أَشْهُرٍ أَوْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ، فَقَالَ عُمَرُ: لَا أَحْبِسُ أَحَدًا مِنَ الْجُيُوشِ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ.

** وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ جُبَيْرٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَكَانَ قَدْ أَدْرَكَ أَصْحَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: مَا زِلْتُ أَسْمَعُ حَدِيثَ عُمَرَ أَنَّهُ خَرَجَ ذَاتَ لَيْلَةٍ يَطُوفُ بِالْمَدِينَةِ، وَكَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ كَثِيرًا إِذْ مَرَّ بامرأة من نساء العرب مغلقة بابها، تَقُولُ:

 

تَطَاوَلَ هَذَا اللَّيْلُ وَازْوَرَّ جَانِبُهْ… وَأَرَّقَنِي أن لا ضَجِيعَ أُلَاعِبُهْ

أُلَاعِبُهُ طُورًا وَطُورًا كَأَنَّمَا… بَدَا قَمَرًا فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ حَاجِبُهْ

يُسَرُّ بِهِ مَنْ كَانَ يَلْهُو بِقُرْبِهِ… لَطِيفُ الْحَشَا لَا يحتويه أقاربه

فو الله لَوْلَا اللَّهُ لَا شَيْءَ غَيْرُهُ… لَنُقِضَ مِنْ هَذَا السَّرِيرِ جَوَانِبُهْ

وَلَكِنَّنِي أَخْشَى رَقِيبًا مُوَكَّلًا… بأنفاسنا لا يفتر الدهر كاتبه

مخافة ربي والحياء يصدني… وإكرام بعلي أن تنال مراكبه

 

** ثُمَّ ذَكَرَ بَقِيَّةَ ذَلِكَ، كَمَا تَقَدَّمَ أَوْ نَحْوَهُ،

** وَقَدْ رَوَى هَذَا مِنْ طَرْقٍ وَهُوَ من المشهورات. اهـ

 

** ((فائدة)):

** قال شيخنا أبو عمار محمد بن عبد الله باموسى حفظه الله تعالى في كتابه: إسعاف الأخيار بما اشتهر ولم يصح من الأحاديث والآثار والأشعار ص:(408):

** وهذه الأبيات في سندها انقطاع؛ لأنها من طريق عبد الله بْنِ دِينَارٍ المكي عن عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنها فهي منقطعة.

“تهذيب التهذيب ” (8/25)، و ” تحفة التحصل ” للعراقي (ص: 173)

** وقد رويت هذه الأبيات من طرق أخرى كلها لا تصح.

** وقد ضعف هذه الأبيات:

(1) الحافظ ابن حجر في ” التلخيص الحبير” (3/219-220).

(2) العلائي في ” جامع التحصيل ” (ص: 210). اهـ

 

** ((تبيه)):

كتاب:(إسعاف الأخيار) كتاب قيم ننصح بقراءته والاستفادة منه، فقد بذل فيه الشيخ جهدا كبيرا في بيان الأحاديث والآثار والأشعار المشهورة بين الناس أنها صحيحة وليست كذلك.

 

** ((الحق السادس)):

** أن يعلمها ما ينفعها من أمور دينها ودنياها.

قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا}

 

** وفي (تفسير البغوي) – طيبة (8/ 169):

** قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ} قَالَ عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَيْ بِالِانْتِهَاءِ عَمَّا نَهَاكُمُ اللَّهُ تعالى عنه وَالْعَمَلِ بِطَاعَتِهِ.

{وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} يَعْنِي: مُرُوهُمْ بِالْخَيْرِ وَانْهُوهُمْ عَنِ الشَّرِّ وَعَلِّمُوهُمْ وَأَدِّبُوهُمْ تَقُوهُمْ بِذَلِكَ نَارًا {وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ}. اهـ

 

** وفي (تفسير ابن كثير) ط العلمية (5/ 213):

** أَيْ مُرُوهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَوْهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَلَا تَدَعُوهُمْ هَمْلًا، فَتَأْكُلَهُمُ النَّارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ،

** وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّى وَأَيْقَظَ امْرَأَتَهُ، فَإِنْ أَبَتْ نَضَحَ فِي وَجْهِهَا الْمَاءَ. رَحِمَ اللَّهُ امْرَأَةً قَامَتْ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّتْ وَأَيْقَظَتْ زَوْجَهَا، فَإِنْ أَبَى نَضَحَتْ فِي وَجْهِهِ الْمَاءَ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. ** وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا اسْتَيْقَظَ الرَّجُلُ مِنَ اللَّيْلِ وَأَيْقَظَ امْرَأَتَهُ فَصَلَّيَا رَكْعَتَيْنِ، كُتِبَا مِنَ الذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وابن ماجة واللفظ له. اهـ

 

** وعَنْ مَالِك بْن الحُوَيْرِثِ رضي الله عنه، قَالَ: أَتَيْنَا النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ شَبَبَةٌ مُتَقَارِبُونَ، فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَفِيقًا، فَلَمَّا ظَنَّ أَنَّا قَدِ اشْتَهَيْنَا أَهْلَنَا – أَوْ قَدِ اشْتَقْنَا – سَأَلَنَا عَمَّنْ تَرَكْنَا بَعْدَنَا فَأَخْبَرْنَاهُ، قَالَ: « ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ، فَأَقِيمُوا فِيهِمْ، وَعَلِّمُوهُمْ وَمُرُوهُمْ، -… الخ) رواه البخاري

 

** وأهم ما يعلمها: أمر التوحيد والعقيدة، وأحكام الصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، والحجاب، والإحسان إلى الجيران، وغير ذلك من مكارم الأخلاق.

 

 ** ((الحق السابع)):

 

** عدم ظلمها، فلا يأخذ مالها، ولا يسبها، ولا يحتقرها أو يحتقر أهلها.

 

** قال الله تعالى: {فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا}

** وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهًا وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا * وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً.

 

** وفي (تفسير ابن كثير) ط العلمية (2/ 258):

** وقوله تعالى: {فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا} أَيْ إذا أطاعت المرأة زوجها في جميع ما يريده مِنْهَا مِمَّا أَبَاحَهُ اللَّهُ لَهُ مِنْهَا، فَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَيْهَا بَعْدَ ذَلِكَ، وَلَيْسَ لَهُ ضَرْبُهَا وَلَا هِجْرَانُهَا.

** وَقَوْلُهُ: {إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً} تَهْدِيدٌ لِلرِّجَالِ إِذَا بَغَوْا عَلَى النِّسَاءِ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ، فَإِنَّ اللَّهَ الْعَلِيَّ الكبير وليهن، وهو ينتقم ممن ظلمهن وبغى عليهن. اهـ

 

** وَفِي حَدِيثِ بِهَزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ الْقُشَيْرِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا حَقُّ زَوْجَةِ أَحَدِنَا؟

قَالَ « أَنْ تُطْعِمَهَا إِذَا طَعِمْتَ، وَتَكْسُوَهَا إذا اكتسبت، وَلَا تَضْرِبَ الْوَجْهَ، وَلَا تُقَبِّحَ، وَلَا تَهْجُرَ إِلَّا فِي الْبَيْتِ» رواه أبو داود،

وقال الشيخ الألباني: [حسن صحيح]

 

** ((الحق الثامن)):

** عدم إفشاء سرها، خاصة سر الفراش.

 

** عَنْ أَسْمَاءُ بِنْتُ يَزِيدَ، أَنَّهَا كَانَتْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ قُعُودٌ عِنْدَهُ فَقَالَ: ” لَعَلَّ رَجُلًا يَقُولُ: مَا يَفْعَلُ بِأَهْلِهِ، وَلَعَلَّ امْرَأَةً تُخْبِرُ بِمَا فَعَلَتْ مَعَ زَوْجِهَا فَأَرَمَّ الْقَوْمُ ” فَقُلْتُ: إِي وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُنَّ لَيَقُلْنَ وَإِنَّهُمْ لَيَفْعَلُونَ قَالَ: ” فَلَا تَفْعَلُوا فَإِنَّمَا مِثْلُ ذَلِكَ مِثْلُ الشَّيْطَانُ لَقِيَ شَيْطَانَةً فِي طَرِيقٍ فَغَشِيَهَا وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ ”

رواه أحمد وغيره، وحسنه الألباني.

 

** قال المناوي في كتابه: (فيض القدير)، (4/ 315):

** والقصد بالحديث التحذير من ذلك وبيان أنه من أمهات المحرمات الدالة على الدناءة وسفساف الأخلاق. اهـ

 

** وقال القرطبي في كتابه: (المفهم)، (13/ 25):

** ومقصود هذا الحديث [[يعني حديث «إِنَّ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ عِنْدَ اللهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، الرَّجُلَ يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ، وَتُفْضِي إِلَيْهِ، ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا»]]

هو: أن الرجل له مع أهله خلوة، وحالة يَقْبُحُ ذِكرُها، والتحدُّث بها، وتحمل الغَيْرة على سترها،

** ويلزم من كشفها عار عند أهل المروءة والحياء. فإن تكلم بشيء من ذلك، وأبداه، كان قد كشف عورة نفسه وزوجته؛ إذ لا فرق بين كشفها للعيان، وكشفها للأسماع والآذان؛ إذ كل واحد منهما يحصل به الاطلاع على العورة، ولذلك قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ: ((لا تعمد المرأة فتصف المرأة لزوجها، حتى كأنّه ينظر إليها))،

** فإن دعت حاجة إلى ذِكْر شيء من ذلك، فليذكره مبهمًا، غير مُعَيّنٍ، بحسب الحاجة والضرورة، كما قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ: ((فعلتُه أنا وهذه))، وكقوله: ((هل أعرستم الليلة؟))، وكقوله: ((كيف وجدت أهلك؟))

** والتصريح بذلك وتفصيله ليس من مكارم الأخلاق، ولا من خصال أهل الدين.

اهـ بزيادة ذكر حديث أَبي سعيد الخدري – رضي الله عنه – الذي بين المعكوفين، وهو من الأحاديث التي ضعفت في صحيح مسلم؛

[[لأن في سنده عمر بن حمزة العمري وهو ضعيف كما قال في “التقريب”

** وقال الذهبي في “الميزان”: “ضعفه يحيى بن معين والنسائي

** وقال أحمد: أحاديثه مناكير”.

** ثم ساق له الذهبي هذا الحديث وقال: “فهذا مما استنكر لعمر”]]

اهـ من كتاب: (آداب الزفاف في السنة المطهرة)، (ص: 142)

 

 

 

** ((الحق التاسع)):

 ** أن يعدل بينها وبين ضراتها _ إن كان له أكثر من زوجة _ في المبيت والعطاء.

** قال الله تعالى: {وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا}

 

** وفي (تفسير البغوي) – إحياء التراث (1/ 709):

** قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ،}أَيْ: لَنْ تَقْدِرُوا أَنْ تُسَوُّوا بَيْنَ النِّسَاءِ فِي الْحُبِّ وَمَيْلِ الْقَلْبِ، {وَلَوْ حَرَصْتُمْ}عَلَى الْعَدْلِ، {فَلا تَمِيلُوا}، أَيْ: إِلَى الَّتِي تُحِبُّونَهَا، كُلَّ الْمَيْلِ فِي الْقَسْمِ وَالنَّفَقَةِ، أَيْ: لَا تُتْبِعُوا أَهْوَاءَكُمْ أَفْعَالَكُمْ، فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ، أي فتدعوا الأخرى كالمعلّقة لَا أَيِّمًا وَلَا ذَاتَ بَعْلٍ.

** وَقَالَ قَتَادَةُ: كَالْمَحْبُوسَةِ، وَفِي قِرَاءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ «كَأَنَّهَا مَسْجُونَةٌ». اهـ

 

** وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « مَنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ فَمَالَ إِلَى إِحْدَاهُمَا، جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ مَائِلٌ» رواه أحمد وغيره، [وصححه الألباني ]

 

** قال الصنعاني في كتابه: (سبل السلام)، (2/ 238):

{فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ}، وَالْمُرَادُ: الْمَيْلُ فِي الْقَسْمِ وَالْإِنْفَاقِ، لَا فِي الْمَحَبَّةِ؛ لِمَا عَرَفْت مِنْ أَنَّهَا مِمَّا لَا يَمْلِكُهُ الْعَبْدُ،

** وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ: (كُلَّ الْمَيْلِ) جَوَازُ الْمَيْلِ الْيَسِيرِ، وَلَكِنَّ إطْلَاقَ الْحَدِيثِ يَنْفِي ذَلِكَ وَيَحْتَمِلُ تَقْيِيدُ الْحَدِيثِ بِمَفْهُومِ الْآيَةِ. اهـ

 

 

** ((الحق العاشر)):

 

** عدم منعها من الخروج إلى المسجد إِذَا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ فِتْنةٌ، خاصة إذا كان خروجها لتعلم أحكام دينها التي تحتاج إليها.

 

** عن ابْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما، قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: « إِذَا اسْتَأْذَنَكُمْ نِسَاؤُكُمْ إِلَى الْمَسَاجِدِ فَأْذَنُوا لَهُنَّ»

متفق عليه.

** وعَنِه رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: « لَا تَمْنَعُوا نِسَاءَكُمُ الْمَسَاجِدَ إِذَا اسْتَأْذَنَّكُمْ إِلَيْهَا»

قَالَ: فَقَالَ بِلَالُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: وَاللهِ لَنَمْنَعُهُنَّ،

قَالَ: فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللهِ: فَسَبَّهُ سَبًّا سَيِّئًا مَا سَمِعْتُهُ سَبَّهُ مِثْلَهُ قَطُّ،

وَقَالَ: ” أُخْبِرُكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَقُولُ: وَاللهِ لَنَمْنَعُهُنَّ ” رواه مسلم.

** وعَنِه رضي الله عنه، قَالَ: كَانَتِ امْرَأَةٌ لِعُمَرَ تَشْهَدُ صَلاَةَ الصُّبْحِ وَالعِشَاءِ فِي الجَمَاعَةِ فِي المَسْجِدِ، فَقِيلَ لَهَا: لِمَ تَخْرُجِينَ وَقَدْ تَعْلَمِينَ أَنَّ عُمَرَ يَكْرَهُ ذَلِكَ وَيَغَارُ؟ قَالَتْ: وَمَا يَمْنَعُهُ أَنْ يَنْهَانِي؟ قَالَ: يَمْنَعُهُ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لاَ تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ» متفق عليه، وهذا لفظ البخاري.

 

** وفي كتاب: (شرح النووي على مسلم) (4/ 161):

** قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ)

** هَذَا وَشَبَهُهُ مِنْ أَحَادِيثِ الْبَابِ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهَا لَا تُمْنَعُ الْمَسْجِدَ لَكِنْ بِشُرُوطٍ ذَكَرَهَا الْعُلَمَاءُ مَأْخُوذَةً مِنَ الأحاديث وهو:

** أن لا تَكُونَ مُتَطَيِّبَةً، وَلَا مُتَزَيِّنَةً، وَلَا ذَاتَ خَلَاخِلَ يُسْمَعُ صَوْتُهَا، وَلَا ثِيَابٍ فَاخِرَةٍ، وَلَا مُخْتَلِطَةً بِالرِّجَالِ، وَلَا شَابَّةً وَنَحْوَهَا مِمَّنْ يُفْتَتَنُ بِهَا، وَأَنْ لَا يَكُونَ فِي الطَّرِيقِ مَا يَخَافُ بِهِ مَفْسَدَةً وَنَحْوَهَا

** وَهَذَا النَّهْيُ عَنْ مَنْعِهِنِّ مِنَ الْخُرُوجِ مَحْمُولٌ عَلَى كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ إِذَا كَانَتِ الْمَرْأَةُ ذَاتَ زَوْجٍ أَوْ سَيِّدٍ وَوُجِدَتِ الشُّرُوطُ الْمَذْكُورَةُ،

** فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا زَوْجٌ وَلَا سَيِّدٌ حَرُمَ الْمَنْعُ إِذَا وُجِدَتِ الشُّرُوطُ. اهـ

 

** والله الموفق.

** كتبها: أبو عبد الله أحمد بن ثابت الوصابي

** الأربعاء 22 / 12/ 1438 هـ.

سلسلة الفوائد اليومية: (83) فائدة اليوم بعنوان: من حكمة الله الحكيم تفضيل بعض المخلوقات على بعض

** قال الله تعالى: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ}

** وقال: {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ}

** وقال: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ}

 

** وعَنْ وَاثِلَةَ بْن الْأَسْقَعِ، رَضِيَ اللهُ عَنْه يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ اللهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ» رواه مسلم

 

** قال ابن القيم في كتابه القيم: ( زاد المعاد) , (1/ 40)

** إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هُوَ الْمُنْفَرِدُ بِالْخَلْقِ وَالِاخْتِيَارِ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ}،

** وَالْمُرَادُ بِالِاخْتِيَارِ هَاهُنَا: الِاجْتِبَاءُ وَالِاصْطِفَاءُ، فَهُوَ اخْتِيَارٌ بَعْدَ الْخَلْقِ.

** وَإِذَا تَأَمَّلْتَ أَحْوَالَ هَذَا الْخَلْقِ، رَأَيْتَ هَذَا الِاخْتِيَارَ وَالتَّخْصِيصَ فِيهِ دَالًّا عَلَى رُبُوبِيَّتِهِ تَعَالَى وَوَحْدَانِيَّتِهِ وَكَمَالِ حِكْمَتِهِ وَعِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ، وَأَنَّهُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَلَا شَرِيكَ لَهُ يَخْلُقُ كَخَلْقِهِ، وَيَخْتَارُ كَاخْتِيَارِهِ، وَيُدَبِّرُ كَتَدْبِيرِهِ،

** فَهَذَا الِاخْتِيَارُ وَالتَّدْبِيرُ وَالتَّخْصِيصُ الْمَشْهُودُ أَثَرُهُ فِي هَذَا الْعَالَمِ مِنْ أَعْظَمِ آيَاتِ رُبُوبِيَّتِهِ، وَأَكْبَرِ شَوَاهِدِ وَحْدَانِيَّتِهِ، وَصِفَاتِ كَمَالِهِ، وَصِدْقِ رُسُلِهِ، فَنُشِيرُ مِنْهُ إِلَى يَسِيرٍ يَكُونُ مُنَبِّهًا عَلَى مَا وَرَاءَهُ دَالًّا عَلَى مَا سِوَاهُ.

 

** فَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ سَبْعًا فَاخْتَارَ الْعُلْيَا مِنْهَا فَجَعَلَهَا مُسْتَقَرَّ الْمُقَرَّبِينَ مِنْ مَلَائِكَتِهِ، وَاخْتَصَّهَا بِالْقُرْبِ مِنْ كُرْسِيِّهِ وَمِنْ عَرْشِهِ، وَأَسْكَنَهَا مَنْ شَاءَ مِنْ خَلْقِهِ، فَلَهَا مَزِيَّةٌ وَفَضْلٌ عَلَى سَائِرِ السَّمَاوَاتِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إِلَّا قُرْبُهَا مِنْهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى.

** وَهَذَا التَّفْضِيلُ وَالتَّخْصِيصُ مَعَ تَسَاوِي مَادَّةِ السَّمَاوَاتِ مِنْ أَبْيَنِ الْأَدِلَّةِ عَلَى كَمَالِ قُدْرَتِهِ وَحِكْمَتِهِ، وَأَنَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ.

** وَمِنْ هَذَا تَفْضِيلُهُ سُبْحَانَهُ جَنَّةَ الْفِرْدَوْسِ عَلَى سَائِرِ الْجِنَانِ، وَتَخْصِيصُهَا بِأَنْ جَعَلَ عَرْشَهُ سَقْفَهَا، …

** وَمِنْ هَذَا اخْتِيَارُهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ الْمُصْطَفَيْنَ مِنْهُمْ عَلَى سَائِرِهِمْ، كَجِبْرِيلَ، وَمِيكَائِيلَ، وَإِسْرَافِيلَ، …

** وَكَذَلِكَ اخْتِيَارُهُ سُبْحَانَهُ لِلْأَنْبِيَاءِ مِنْ وَلَدِ آدَمَ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَهُمْ مِائَةُ أَلْفٍ وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا،

** وَاخْتِيَارُهُ الرُّسُلَ مِنْهُمْ، وَهُمْ ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ، عَلَى مَا فِي حَدِيثِ أبي ذر الَّذِي رَوَاهُ أحمد، وَابْنُ حِبَّانَ فِي ” صَحِيحِهِ “،

** وَاخْتِيَارُهُ أُولِي الْعَزْمِ مِنْهُمْ، وَهُمْ خَمْسَةٌ الْمَذْكُورُونَ فِي سُورَةِ (الْأَحْزَابِ) وَ (الشُّورَى) فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ} ، وَقَالَ تَعَالَى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} ،

** وَاخْتَارَ مِنْهُمُ الْخَلِيلَيْنِ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا وَآلِهِمَا وَسَلَّمَ.

** وَمِنْ هَذَا اخْتِيَارُهُ سُبْحَانَهُ وَلَدَ إِسْمَاعِيلَ مِنْ أَجْنَاسِ بَنِي آدَمَ،

** ثُمَّ اخْتَارَ مِنْهُمْ بَنِي كِنَانَةَ مِنْ خُزَيْمَةَ،

** ثُمَّ اخْتَارَ مِنْ وَلَدِ كِنَانَةَ قُرَيْشًا،

** ثُمَّ اخْتَارَ مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ،

** ثُمَّ اخْتَارَ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ سَيِّدَ وَلَدِ آدَمَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

** وَكَذَلِكَ اخْتَارَ أَصْحَابَهُ مِنْ جُمْلَةِ الْعَالَمِينَ،

** وَاخْتَارَ مِنْهُمُ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ،

** وَاخْتَارَ مِنْهُمْ أَهْلَ بَدْرٍ، وَأَهْلَ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ،

** وَاخْتَارَ لَهُمْ مِنَ الدِّينِ أَكْمَلَهُ، وَمِنَ الشَّرَائِعِ أَفْضَلَهَا، وَمِنَ الْأَخْلَاقِ أَزْكَاهَا وَأَطْيَبَهَا وَأَطْهَرَهَا.

** وَاخْتَارَ أُمَّتَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى سَائِرِ الْأُمَمِ، …

** وَظَهَرَ أَثَرُ هَذَا الِاخْتِيَارِ فِي أَعْمَالِهِمْ، وَأَخْلَاقِهِمْ، وَتَوْحِيدِهِمْ، وَمَنَازِلِهِمْ فِي الْجَنَّةِ، وَمَقَامَاتِهِمْ فِي الْمَوْقِفِ، …

** وَمِنْ تَفْضِيلِ اللَّهِ لِأُمَّتِهِ وَاخْتِيَارِهِ لَهَا أَنَّهُ وَهَبَهَا مِنَ الْعِلْمِ وَالْحِلْمِ مَا لَمْ يَهَبْهُ لِأُمَّةٍ سِوَاهَا، …

** وَمِنْ هَذَا اخْتِيَارُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مِنَ الْأَمَاكِنِ وَالْبِلَادِ خَيْرَهَا وَأَشْرَفَهَا، وَهِيَ الْبَلَدُ الْحَرَامُ، …

** وَقَدْ ظَهَرَ سِرُّ هَذَا التَّفْضِيلِ وَالِاخْتِصَاصِ فِي انْجِذَابِ الْأَفْئِدَةِ وَهَوَى الْقُلُوبِ وَانْعِطَافِهَا وَمَحَبَّتِهَا لِهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ، فَجَذْبُهُ لِلْقُلُوبِ أَعْظَمُ مِنْ جَذْبِ الْمِغْنَاطِيسِ لِلْحَدِيدِ، فَهُوَ الْأَوْلَى بِقَوْلِ الْقَائِلِ:

محَاسِنُهُ هَيُولَى كُلِّ حُسْنٍ *** وَمِغْنَاطِيسُ أَفْئِدَةِ الرِّجَالِ

** وَمِنْ هَذَا تَفْضِيلُهُ بَعْضَ الْأَيَّامِ وَالشُّهُورِ عَلَى بَعْضٍ، فَخَيْرُ الْأَيَّامِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمُ النَّحْرِ، وَهُوَ يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ، …

** وَمِنْ ذَلِكَ تَفْضِيلُ شَهْرِ رَمَضَانَ عَلَى سَائِرِ الشُّهُورِ،

** وَتَفْضِيلُ عَشْرِهِ الْأَخِيرِ عَلَى سَائِرِ اللَّيَالِي،

** وَتَفْضِيلُ لَيْلَةِ الْقَدْرِ عَلَى أَلْفِ شَهْرٍ. …

** وَالْمَقْصُودُ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى اخْتَارَ مِنْ كُلِّ جِنْسٍ مِنْ أَجْنَاسِ الْمَخْلُوقَاتِ أَطْيَبَهُ، وَاخْتَصَّهُ لِنَفْسِهِ وَارْتَضَاهُ دُونَ غَيْرِهِ، فَإِنَّهُ تَعَالَى طَيِّبٌ لَا يُحِبُّ إِلَّا الطَّيِّبَ، وَلَا يَقْبَلُ مِنَ الْعَمَلِ وَالْكَلَامِ وَالصَّدَقَةِ إِلَّا الطَّيِّبَ، فَالطَّيِّبُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ هُوَ مُخْتَارُهُ تَعَالَى. اهـ المراد باختصار

 

** والله الموفق.

** كتبها: أبو عبد الله أحمد بن ثابت الوصابي

** السبت 18 / 12/ 1438 هـ

سلسلة الفوائد اليومية: (82) فائدة اليوم بعنوان: الحث على كثرة ذكر الله، ومن حافظ على كل ذكر في وقته كان من الذاكرين الله كثيرا والذكرات

** قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً}

** وقال تعالى: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}

** وقال تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}

 

** وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ حِينَ يَذْكُرُنِي، إِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ، ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي ، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ، ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ هُمْ خَيْرٌ مِنْهُمْ ، …) متفق عليه.

** وعن أَبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- عن النبيّ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ: « مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لا يَذْكُرُهُ مَثَلُ الحَيِّ وَالمَيِّتِ ». متفق عليه وهذا لفظ البخاري.

** وعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ الْأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ؟ قَالَ: «أَنْ تَمُوتَ وَلِسَانُكَ رَطْبٌ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ» رواه الطبراني وغيره، وحسنه الألباني.

 

((فائدة))

** قال الإمام النووي -رحمه الله- في كتابه: (الأذكار) ط ابن حزم (ص: 41):

** وسئل الشيخ الإِمام أبو عمرو ابن الصَّلاح -رحمه الله- عن الْقَدْرِ الذي يصيرُ به من {الذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ} ؟

** فقال: إذا واظبَ على الأذكار المأثورة المثبتة صباحًا ومساءً، وفي الأوقات والأحوال المختلفة، ليلاً ونهاراً، كان من {الذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ}، والله أعلم. اهـ

 

 ** والله الموفق.

 ** كتبها: أبو عبد الله أحمد بن ثابت الوصابي

 ** الخميس 15 / 12/ 1438 هـ

سلسلة الفوائد اليومية: (81) فائدة اليوم بعنوان: (فضل يوم عرفة)

** يوم عرفة هو اليوم التاسع من ذي الحجة.

** وهو يوم عظيم، اختاره الله جل وعلا وفضله على غيره من الأيام.

** قال الله تعالى: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ}

** وهو ركن أساسي لفريضة الحج، لحديث عَبْد الرَّحْمَنِ بْن يَعْمَرَ الدِّيلِيَّ رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:

” الحج عرفةَ “. رواه النسائي في سننه (5/264) [وصححه الألباني]

** فمَن فاته الوقوف بعرفة فقد فاتَه الحج.

 

** فمن فضائل هذا اليوم العظيم:

(1) أنه اليوم الذي أكمل الله فيه الدين وأتمّ النعمة.

** قال تعالى: {اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا}

** عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، أَنَّ رَجُلًا، مِنَ اليَهُودِ قَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، آيَةٌ فِي كِتَابِكُمْ تَقْرَءُونَهَا، لَوْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ اليَهُودِ نَزَلَتْ، لاَتَّخَذْنَا ذَلِكَ اليَوْمَ عِيدًا. قَالَ: أَيُّ آيَةٍ؟ قَالَ: {اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا} [المائدة: 3]

** قَالَ عُمَرُ: « قَدْ عَرَفْنَا ذَلِكَ اليَوْمَ، وَالمَكَانَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ قَائِمٌ بِعَرَفَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ » متفق عليه

 

** قوله: (رجلا من اليهود) هو كعب الأحبار قال ذلك قبل أن يسلم.

** قوله: (معشر) المراد به: الجماعة الذين شأنهم واحد.

** قوله: (عيدا) أي: يوم سرور وفرح وتعظيم،

** سمي بذلك؛ لأنه يعود كل عام فيعود معه بفرح وسرور جديد.

** قوله: (أي آية) هي التي تعنيها، وهي الآية الثالثة من المائدة.

** قوله: (أكملت لكم دينكم) وذلك بإرساخ قواعده وبيانها وإظهاره على الأديان كلها.

** قوله: (وأتممت عليكم نعمتي) وذلك بالهداية والتوفيق والنصر على الكفر وأهله وهدم معالم الجاهلية.

** قوله: (قد عرفنا ذلك اليوم والمكان) أشار عمر رضي الله عنه إلى أن يوم نزولها يوم عيد عند المسلمين، فقد نزلت يوم الجمعة وهو يوم عيد لنا، ويوم عرفة الذي يتحقق العيد بأوله.

 

(2) أنه يوم عيد لأهل الإسلام.

** عَنْ عُقْبَةَ بْن عَامِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « يَوْمُ عَرَفَةَ، وَيَوْمُ النَّحْرِ، وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ عِيدُنَا أَهْلَ الْإِسْلَامِ، وَهِيَ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ » رواه أبو داود وغيره، [وصححه الألباني]

 

** وعَنْ عَمَّارِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ، قَالَ: قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ: {اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3] وَعِنْدَهُ يَهُودِيٌّ فَقَالَ: لَوْ أُنْزِلَتْ هَذِهِ عَلَيْنَا لَاتَّخَذْنَا يَوْمَهَا عِيدًا،

** قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: « فَإِنَّهَا نَزَلَتْ فِي يَوْمِ عِيدَيْنِ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ، وَيَوْمِ عَرَفَةَ » رواه الترمذي, [ وقال الألباني: صحيح الإسناد ]

 

(3) أن صيامه يكفر ذنوب سنتين: سنة ماضية وسنة قادمة.

** عَنْ أَبِي قَتَادَةَ رضي الله عنه، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

« سُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ ؟ فَقَالَ: « يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ وَالْبَاقِيَة » رواه مسلم.

 

** قال ابن علان في كتابه: (دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين)، (7/ 59)

قوله: (قال: يكفر السنة الماضية) أي: التي آخرها سلخ ذي الحجة.

(والباقية) أي: الآتية، وأولها المحرم حملاً على المعنى المتعارف في السنة،

** والمكفر صغائر الذنوب المتعلقة بحق الله،

** والمراد بغفران ما سيأتي. إما العصمة عن ملابسته، أو وقوعه مغفوراً إن وقع. اهـ

 

(فائدة):

** قال الحافظ ابن حجر في كتابه: (فتح الباري)- (4/ 249)

** وَظَاهِرُهُ أَنَّ صِيَامَ يَوْمِ عَرَفَةَ أَفْضَلُ مِنْ صِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ.

** وَقَدْ قِيلَ فِي الْحِكْمَةِ فِي ذَلِكَ: إِنَّ يَوْمَ عَاشُورَاءَ مَنْسُوبٌ إِلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَيَوْمَ عَرَفَةَ مَنْسُوبٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلِذَلِكَ كَانَ أَفْضَلَ. اهـ

 

** وفي كتاب: (حاشية الجمل) – (2/ 348) لسليمان بن عمر، المعروف بالجمل (المتوفى: 1204هـ)

(قَوْلُهُ: صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ… إلَخْ)

** إنَّمَا كَانَ عَرَفَةُ بِسَنَتَيْنِ وَعَاشُورَاءُ بِسَنَةٍ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ يَوْمٌ مُحَمَّدِيٌّ، وَالثَّانِيَ يَوْمٌ مُوسَوِيٌّ، وَنَبِيُّنَا – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَفْضَلُ الْأَنْبِيَاءِ – صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ – فَكَانَ يَوْمُهُ بِسَنَتَيْنِ اهـ

 

** وتكفير الذنوب الحاصل بصيام يوم عرفة وغيره من الأعمال الصالحة المراد به الصغائر، أما الكبائر فتحتاج إلى توبة خاصة.

** عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ: « الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ » رواه مسلم.

 

** قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله الفتاوى الكبرى (5/ 344):

** وَتَكْفِيرُ الطَّهَارَةِ، وَالصَّلَاةِ، وَصِيَامِ رَمَضَانَ، وَعَرَفَةَ، وَعَاشُورَاءَ لِلصَّغَائِرِ فَقَطْ، وَكَذَا الْحَجُّ. اهـ المراد

 

(4) أنه يوم لمغفرة الذنوب والعتق من النار والمباهاة بأهل الموقف.

 

** عَنِ عَائِشَة رضي الله عنها قالت: قَالَ رَسُول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ، مَنْ يَوْم عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ ليَدْنُو ثُمَّ يُبَاهِى بِهِمُ المَلائِكَةَ. فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلاءِ؟ “. رواه مسلم

 

** وعن ابن عمر رضي الله عنهما قَالَ: قال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(… وَأَمَّا وُقُوفُكَ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ، فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَهْبِطُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيُبَاهِي بِكُمُ الْمَلائِكَةَ، يَقُولُ: هَؤُلاءِ عِبَادِي، جَاءُوا شُعْثًا شُفَعَاءَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ، يَرْجُونَ رَحْمَتِي وَمَغْفِرَتِي، فَلَوْ كَانَتْ ذُنُوبُكُمْ كَعَدَدِ الرَّمْلِ، وَكَعَدَدِ الْقَطْرِ، وَكَزَبَدِ الْبَحْرِ، لَغَفَرْتُهَا، أَفِيضُوا عِبَادِي مَغْفُورًا لَكُمْ وَلِمَنْ شَفَعْتُمْ لَهُ » (رواه الطبراني وغيره وحسنه الألباني).

 

** قال الحافظ ابن رجب في كتابه: (لطائف المعارف) (ص: 279):

** وقد يجتمع في يوم واحد عيدان كما إذا اجتمع يوم الجمعة مع يوم عرفة أو يوم النحر فيزداد ذلك اليوم حرمة وفضلا لاجتماع عيدين فيه، وقد كان ذلك، اجتمع للنبي صلى الله عليه وسلم في حجته يوم عرفة فكان يوم الجمعة وفيه نزلت هذه الآية: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً} [المائدة: 3]. اهـ

 

 ** قال ابن القيم رحمه الله في كتابه القيم: (زاد المعاد)، (1/ 59):

** فَإِنْ قِيلَ: فَأَيُّهُمَا أَفْضَلُ: يَوْمُ الْجُمُعَةِ، أَوْ يَوْمُ عَرَفَةَ؟

** فَقَدْ رَوَى ابْنُ حِبَّانَ فِي ” صَحِيحِهِ ” مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: («لَا تَطْلُعُ الشَّمْسُ وَلَا تَغْرُبُ عَلَى يَوْمٍ أَفْضَلَ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ »)

** وَفِيهِ أَيْضًا حَدِيثُ أوس بن أوس («خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ »).

** قِيلَ: قَدْ ذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِلَى تَفْضِيلِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ عَلَى يَوْمِ عَرَفَةَ مُحْتَجًّا بِهَذَا الْحَدِيثِ،

** وَحَكَى الْقَاضِي أبو يعلى رِوَايَةً عَنْ أحمد أَنَّ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ أَفْضَلُ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ،

** وَالصَّوَابُ: أَنَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَفْضَلُ أَيَّامِ الْأُسْبُوعِ، وَيَوْمُ عَرَفَةَ وَيَوْمُ النَّحْرِ أَفْضَلُ أَيَّامِ الْعَامِ، وَكَذَلِكَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ، وَلَيْلَةُ الْجُمُعَةِ،

 ** وَلِهَذَا كَانَ لِوَقْفَةِ الْجُمُعَةِ يَوْمَ عَرَفَةَ مَزِيَّةٌ عَلَى سَائِرِ الْأَيَّامِ مِنْ وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ.

أَحَدُهَا: اجْتِمَاعُ الْيَوْمَيْنِ اللَّذَيْنِ هُمَا أَفْضَلُ الْأَيَّامِ.

الثَّانِي: أَنَّهُ الْيَوْمُ الَّذِي فِيهِ سَاعَةٌ مُحَقَّقَةُ الْإِجَابَةِ، وَأَكْثَرُ الْأَقْوَالِ أَنَّهَا آخِرُ سَاعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ، وَأَهْلُ الْمَوْقِفِ كُلُّهُمْ إِذْ ذَاكَ وَاقِفُونَ لِلدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ.

الثَّالِثُ: مُوَافَقَتُهُ لِيَوْمِ وَقْفَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

الرَّابِعُ: أَنَّ فِيهِ اجْتِمَاعَ الْخَلَائِقِ مِنْ أَقْطَارِ الْأَرْضِ لِلْخُطْبَةِ وَصَلَاةِ الْجُمُعَةِ، وَيُوَافِقُ ذَلِكَ اجْتِمَاعَ أَهْلِ عَرَفَةَ يَوْمَ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ، فَيَحْصُلُ مِنَ اجْتِمَاعِ الْمُسْلِمِينَ فِي مَسَاجِدِهِمْ وَمَوْقِفِهِمْ مِنَ الدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ مَا لَا يَحْصُلُ فِي يَوْمٍ سِوَاهُ.

الْخَامِسُ: أَنَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ يَوْمُ عِيدٍ، وَيَوْمَ عَرَفَةَ يَوْمُ عِيدٍ لِأَهْلِ عَرَفَةَ؛ وَلِذَلِكَ كُرِهَ لِمَنْ بِعَرَفَةَ صَوْمُهُ، وَفِي النَّسَائِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: («نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ»)،

وَفِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ مهدي بن حرب العبدي لَيْسَ بِمَعْرُوفٍ، وَمَدَارُهُ عَلَيْهِ،

وَلَكِنْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ أم الفضل ” « أَنَّ نَاسًا تَمَارَوْا عِنْدَهَا يَوْمَ عَرَفَةَ فِي صِيَامِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ صَائِمٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ بِصَائِمٍ، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ بِقَدَحِ لَبَنٍ وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى بَعِيرِهِ بِعَرَفَةَ فَشَرِبَهُ ».

** وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي حِكْمَةِ اسْتِحْبَابِ فِطْرِ يَوْمِ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لِيَتَقَوَّى عَلَى الدُّعَاءِ، وَهَذَا هُوَ قَوْلُ الخرقي وَغَيْرِهِ،

** وَقَالَ غَيْرُهُمْ – مِنْهُمْ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابن تيمية -: الْحِكْمَةُ فِيهِ أَنَّهُ عِيدٌ لِأَهْلِ عَرَفَةَ، فَلَا يُسْتَحَبُّ صَوْمُهُ لَهُمْ، قَالَ: وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ الَّذِي فِي ” السُّنَنِ ” عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: («يَوْمُ عَرَفَةَ، وَيَوْمُ النَّحْرِ، وَأَيَّامُ مِنًى، عِيدُنَا أَهْلَ الْإِسْلَامِ»).

** قَالَ شَيْخُنَا: وَإِنَّمَا يَكُونُ يَوْمُ عَرَفَةَ عِيدًا فِي حَقِّ أَهْلِ عَرَفَةَ لِاجْتِمَاعِهِمْ فِيهِ، بِخِلَافِ أَهْلِ الْأَمْصَارِ فَإِنَّهُمْ إِنَّمَا يَجْتَمِعُونَ يَوْمَ النَّحْرِ، فَكَانَ هُوَ الْعِيدَ فِي حَقِّهِمْ، وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُ إِذَا اتَّفَقَ يَوْمُ عَرَفَةَ وَيَوْمُ جُمُعَةٍ، فَقَدِ اتَّفَقَ عِيدَانِ مَعًا.

السَّادِسُ: أَنَّهُ مُوَافِقٌ لِيَوْمِ إِكْمَالِ اللَّهِ تَعَالَى دِينَهُ لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ، وَإِتْمَامِ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ، كَمَا ثَبَتَ فِي ” صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ ” عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ: («جَاءَ يَهُودِيٌّ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ آيَةٌ تَقْرَءُونَهَا فِي كِتَابِكُمْ لَوْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ نَزَلَتْ وَنَعْلَمُ ذَلِكَ الْيَوْمَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ لَاتَّخَذْنَاهُ عِيدًا، قَالَ: أَيُّ آيَةٍ؟ قَالَ: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3] [الْمَائِدَةِ: 3]

فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: إِنِّي لَأَعْلَمُ الْيَوْمَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ، وَالْمَكَانَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ، نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَرَفَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ، وَنَحْنُ وَاقِفُونَ مَعَهُ بِعَرَفَةَ»).

السَّابِعُ: أَنَّهُ مُوَافِقٌ لِيَوْمِ الْجَمْعِ الْأَكْبَرِ، وَالْمَوْقِفِ الْأَعْظَمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ،

فَإِنَّ الْقِيَامَةَ تَقُومُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: («خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ، وَفِيهِ أُخْرِجَ مِنْهَا، وَفِيهِ تَقُومُ السَّاعَةُ، وَفِيهِ سَاعَةٌ لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللَّهَ خَيْرًا إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ»)

** وَلِهَذَا شَرَعَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لِعِبَادِهِ يَوْمًا يَجْتَمِعُونَ فِيهِ، فَيَذْكُرُونَ الْمَبْدَأَ وَالْمَعَادَ، وَالْجَنَّةَ وَالنَّارَ، وَادَّخَرَ اللَّهُ تَعَالَى لِهَذِهِ الْأُمَّةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، إِذْ فِيهِ كَانَ الْمَبْدَأُ وَفِيهِ الْمَعَادُ، وَلِهَذَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي فَجْرِهِ سُورَتَيِ (السَّجْدَةِ) وَ (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ) لِاشْتِمَالِهِمَا عَلَى مَا كَانَ وَمَا يَكُونُ فِي هَذَا الْيَوْمِ، مِنْ خَلْقِ آدَمَ، وَذِكْرِ الْمَبْدَأِ وَالْمَعَادِ، وَدُخُولِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَكَانَ يُذَكِّرُ الْأُمَّةَ فِي هَذَا الْيَوْمِ بِمَا كَانَ فِيهِ وَمَا يَكُونُ، فَهَكَذَا يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ بِأَعْظَمِ مَوَاقِفِ الدُّنْيَا – وَهُوَ يَوْمُ عَرَفَةَ – الْمَوْقِفَ الْأَعْظَمَ بَيْنَ يَدَيِ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ فِي هَذَا الْيَوْمِ بِعَيْنِهِ، وَلَا يَتَنَصَّفُ حَتَّى يَسْتَقِرَّ أَهْلُ الْجَنَّةِ فِي مَنَازِلِهِمْ، وَأَهْلُ النَّارِ فِي مَنَازِلِهِمْ.

الثَّامِنُ: أَنَّ الطَّاعَةَ الْوَاقِعَةَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، أَكْثَرُ مِنْهَا فِي سَائِرِ الْأَيَّامِ حَتَّى إِنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ الْفُجُورِ يَحْتَرِمُونَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلَيْلَتَهُ، وَيَرَوْنَ أَنَّ مَنْ تَجَرَّأَ فِيهِ عَلَى مَعَاصِي اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَجَّلَ اللَّهُ عُقُوبَتَهُ وَلَمْ يُمْهِلْهُ، وَهَذَا أَمْرٌ قَدِ اسْتَقَرَّ عِنْدَهُمْ وَعَلِمُوهُ بِالتَّجَارِبِ، وَذَلِكَ لِعِظَمِ الْيَوْمِ وَشَرَفِهِ عِنْدَ اللَّهِ، وَاخْتِيَارِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ لَهُ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْأَيَّامِ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ لِلْوَقْفَةِ فِيهِ مَزِيَّةً عَلَى غَيْرِهِ.

التَّاسِعُ: أَنَّهُ مُوَافِقٌ لِيَوْمِ الْمَزِيدِ فِي الْجَنَّةِ، وَهُوَ الْيَوْمُ الَّذِي يُجْمَعُ فِيهِ أَهْلُ الْجَنَّةِ فِي وَادٍ أَفْيَحَ، وَيُنْصَبُ لَهُمْ مَنَابِرُ مِنْ لُؤْلُؤٍ، وَمَنَابِرُ مِنْ ذَهَبٍ، وَمَنَابِرُ مِنْ زَبَرْجَدٍ وَيَاقُوتٍ عَلَى كُثْبَانِ الْمِسْكِ، فَيَنْظُرُونَ إِلَى رَبِّهِمْ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، وَيَتَجَلَّى لَهُمْ فَيَرَوْنَهُ عِيَانًا، وَيَكُونُ أَسْرَعُهُمْ مُوَافَاةً أَعْجَلَهُمْ رَوَاحًا إِلَى الْمَسْجِدِ، وَأَقْرَبُهُمْ مِنْهُ أَقْرَبَهُمْ مِنَ الْإِمَامِ، فَأَهْلُ الْجَنَّةِ مُشْتَاقُونَ إِلَى يَوْمِ الْمَزِيدِ فِيهَا لِمَا يَنَالُونَ فِيهِ مِنَ الْكَرَامَةِ، وَهُوَ يَوْمُ جُمُعَةٍ، فَإِذَا وَافَقَ يَوْمَ عَرَفَةَ كَانَ لَهُ زِيَادَةُ مَزِيَّةٍ وَاخْتِصَاصٍ وَفَضْلٍ لَيْسَ لِغَيْرِهِ.

الْعَاشِرُ: أَنَّهُ يَدْنُو الرَّبُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَشِيَّةَ يَوْمِ عَرَفَةَ مِنْ أَهْلِ الْمَوْقِفِ، ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمُ الْمَلَائِكَةَ فَيَقُولُ: («مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ، أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ») وَتَحْصُلُ مَعَ دُنُوِّهِ مِنْهُمْ تَبَارَكَ وَتَعَالَى سَاعَةُ الْإِجَابَةِ الَّتِي لَا يَرُدُّ فِيهَا سَائِلًا يَسْأَلُ خَيْرًا فَيَقْرُبُونَ مِنْهُ بِدُعَائِهِ وَالتَّضَرُّعِ إِلَيْهِ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ، وَيَقْرُبُ مِنْهُمْ تَعَالَى نَوْعَيْنِ مِنَ الْقُرْبِ، أَحَدُهُمَا: قُرْبُ الْإِجَابَةِ الْمُحَقَّقَةِ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ، وَالثَّانِي: قُرْبُهُ الْخَاصُّ مِنْ أَهْلِ عَرَفَةَ، وَمُبَاهَاتُهُ بِهِمْ مَلَائِكَتَهُ، فَتَسْتَشْعِرُ قُلُوبُ أَهْلِ الْإِيمَانِ هَذِهِ الْأُمُورَ فَتَزْدَادُ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِهَا، وَفَرَحًا وَسُرُورًا وَابْتِهَاجًا، وَرَجَاءً لِفَضْلِ رَبِّهَا وَكَرَمِهِ،

** فَبِهَذِهِ الْوُجُوهِ وَغَيْرِهَا فُضِّلَتْ وَقْفَةُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ عَلَى غَيْرِهَا.

** وَأَمَّا مَا اسْتَفَاضَ عَلَى أَلْسِنَةِ الْعَوَامِّ بِأَنَّهَا تَعْدِلُ ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ حَجَّةً، فَبَاطِلٌ لَا أَصْلَ لَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. اهـ

  

** والله الموفق.

 ** كتبها: أبو عبد الله أحمد بن ثابت الوصابي

 ** الأربعاء 8 / 12/ 1438 هـ

سلسلة الفوائد اليومية: (82) فائدة اليوم بعنوان: الحث على كثرة ذكر الله، ومن حافظ على كل ذكر في وقته كان من الذاكرين الله كثيرا والذكرات

** قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً}

** وقال تعالى: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}

** وقال تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}

 

** وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ حِينَ يَذْكُرُنِي، إِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ، ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي ، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ، ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ هُمْ خَيْرٌ مِنْهُمْ ، …) متفق عليه.

** وعن أَبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- عن النبيّ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ: « مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لا يَذْكُرُهُ مَثَلُ الحَيِّ وَالمَيِّتِ ». متفق عليه وهذا لفظ البخاري.

** وعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ الْأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ؟ قَالَ: «أَنْ تَمُوتَ وَلِسَانُكَ رَطْبٌ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ» رواه الطبراني وغيره، وحسنه الألباني.

 

((فائدة))

** قال الإمام النووي -رحمه الله- في كتابه: (الأذكار) ط ابن حزم (ص: 41):

** وسئل الشيخ الإِمام أبو عمرو ابن الصَّلاح -رحمه الله- عن الْقَدْرِ الذي يصيرُ به من {الذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ} ؟

** فقال: إذا واظبَ على الأذكار المأثورة المثبتة صباحًا ومساءً، وفي الأوقات والأحوال المختلفة، ليلاً ونهاراً، كان من {الذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ}، والله أعلم. اهـ

 

 ** والله الموفق.

 ** كتبها: أبو عبد الله أحمد بن ثابت الوصابي

 ** الخميس 15 / 12/ 1438 هـ

سلسلة الفوائد اليومية: (81) فائدة اليوم بعنوان: (فضل يوم عرفة)

** يوم عرفة هو اليوم التاسع من ذي الحجة.

** وهو يوم عظيم، اختاره الله جل وعلا وفضله على غيره من الأيام.

** قال الله تعالى: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ}

** وهو ركن أساسي لفريضة الحج، لحديث عَبْد الرَّحْمَنِ بْن يَعْمَرَ الدِّيلِيَّ رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:

” الحج عرفةَ “. رواه النسائي في سننه (5/264) [وصححه الألباني]

** فمَن فاته الوقوف بعرفة فقد فاتَه الحج.

 

** فمن فضائل هذا اليوم العظيم:

(1) أنه اليوم الذي أكمل الله فيه الدين وأتمّ النعمة.

** قال تعالى: {اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا}

** عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، أَنَّ رَجُلًا، مِنَ اليَهُودِ قَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، آيَةٌ فِي كِتَابِكُمْ تَقْرَءُونَهَا، لَوْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ اليَهُودِ نَزَلَتْ، لاَتَّخَذْنَا ذَلِكَ اليَوْمَ عِيدًا. قَالَ: أَيُّ آيَةٍ؟ قَالَ: {اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا} [المائدة: 3]

** قَالَ عُمَرُ: « قَدْ عَرَفْنَا ذَلِكَ اليَوْمَ، وَالمَكَانَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ قَائِمٌ بِعَرَفَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ » متفق عليه

 

** قوله: (رجلا من اليهود) هو كعب الأحبار قال ذلك قبل أن يسلم.

** قوله: (معشر) المراد به: الجماعة الذين شأنهم واحد.

** قوله: (عيدا) أي: يوم سرور وفرح وتعظيم،

** سمي بذلك؛ لأنه يعود كل عام فيعود معه بفرح وسرور جديد.

** قوله: (أي آية) هي التي تعنيها، وهي الآية الثالثة من المائدة.

** قوله: (أكملت لكم دينكم) وذلك بإرساخ قواعده وبيانها وإظهاره على الأديان كلها.

** قوله: (وأتممت عليكم نعمتي) وذلك بالهداية والتوفيق والنصر على الكفر وأهله وهدم معالم الجاهلية.

** قوله: (قد عرفنا ذلك اليوم والمكان) أشار عمر رضي الله عنه إلى أن يوم نزولها يوم عيد عند المسلمين، فقد نزلت يوم الجمعة وهو يوم عيد لنا، ويوم عرفة الذي يتحقق العيد بأوله.

 

(2) أنه يوم عيد لأهل الإسلام.

** عَنْ عُقْبَةَ بْن عَامِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « يَوْمُ عَرَفَةَ، وَيَوْمُ النَّحْرِ، وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ عِيدُنَا أَهْلَ الْإِسْلَامِ، وَهِيَ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ » رواه أبو داود وغيره، [وصححه الألباني]

 

** وعَنْ عَمَّارِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ، قَالَ: قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ: {اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3] وَعِنْدَهُ يَهُودِيٌّ فَقَالَ: لَوْ أُنْزِلَتْ هَذِهِ عَلَيْنَا لَاتَّخَذْنَا يَوْمَهَا عِيدًا،

** قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: « فَإِنَّهَا نَزَلَتْ فِي يَوْمِ عِيدَيْنِ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ، وَيَوْمِ عَرَفَةَ » رواه الترمذي, [ وقال الألباني: صحيح الإسناد ]

 

(3) أن صيامه يكفر ذنوب سنتين: سنة ماضية وسنة قادمة.

** عَنْ أَبِي قَتَادَةَ رضي الله عنه، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

« سُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ ؟ فَقَالَ: « يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ وَالْبَاقِيَة » رواه مسلم.

 

** قال ابن علان في كتابه: (دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين)، (7/ 59)

قوله: (قال: يكفر السنة الماضية) أي: التي آخرها سلخ ذي الحجة.

(والباقية) أي: الآتية، وأولها المحرم حملاً على المعنى المتعارف في السنة،

** والمكفر صغائر الذنوب المتعلقة بحق الله،

** والمراد بغفران ما سيأتي. إما العصمة عن ملابسته، أو وقوعه مغفوراً إن وقع. اهـ

 

(فائدة):

** قال الحافظ ابن حجر في كتابه: (فتح الباري)- (4/ 249)

** وَظَاهِرُهُ أَنَّ صِيَامَ يَوْمِ عَرَفَةَ أَفْضَلُ مِنْ صِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ.

** وَقَدْ قِيلَ فِي الْحِكْمَةِ فِي ذَلِكَ: إِنَّ يَوْمَ عَاشُورَاءَ مَنْسُوبٌ إِلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَيَوْمَ عَرَفَةَ مَنْسُوبٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلِذَلِكَ كَانَ أَفْضَلَ. اهـ

 

** وفي كتاب: (حاشية الجمل) – (2/ 348) لسليمان بن عمر، المعروف بالجمل (المتوفى: 1204هـ)

(قَوْلُهُ: صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ… إلَخْ)

** إنَّمَا كَانَ عَرَفَةُ بِسَنَتَيْنِ وَعَاشُورَاءُ بِسَنَةٍ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ يَوْمٌ مُحَمَّدِيٌّ، وَالثَّانِيَ يَوْمٌ مُوسَوِيٌّ، وَنَبِيُّنَا – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَفْضَلُ الْأَنْبِيَاءِ – صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ – فَكَانَ يَوْمُهُ بِسَنَتَيْنِ اهـ

 

** وتكفير الذنوب الحاصل بصيام يوم عرفة وغيره من الأعمال الصالحة المراد به الصغائر، أما الكبائر فتحتاج إلى توبة خاصة.

** عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ: « الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ » رواه مسلم.

** قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله الفتاوى الكبرى (5/ 344):

** وَتَكْفِيرُ الطَّهَارَةِ، وَالصَّلَاةِ، وَصِيَامِ رَمَضَانَ، وَعَرَفَةَ، وَعَاشُورَاءَ لِلصَّغَائِرِ فَقَطْ، وَكَذَا الْحَجُّ. اهـ المراد

 

(4) أنه يوم لمغفرة الذنوب والعتق من النار والمباهاة بأهل الموقف.

 

** عَنِ عَائِشَة رضي الله عنها قالت: قَالَ رَسُول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ، مَنْ يَوْم عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ ليَدْنُو ثُمَّ يُبَاهِى بِهِمُ المَلائِكَةَ. فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلاءِ؟ “. رواه مسلم

 

** وعن ابن عمر رضي الله عنهما قَالَ: قال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(… وَأَمَّا وُقُوفُكَ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ، فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَهْبِطُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيُبَاهِي بِكُمُ الْمَلائِكَةَ، يَقُولُ: هَؤُلاءِ عِبَادِي، جَاءُوا شُعْثًا شُفَعَاءَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ، يَرْجُونَ رَحْمَتِي وَمَغْفِرَتِي، فَلَوْ كَانَتْ ذُنُوبُكُمْ كَعَدَدِ الرَّمْلِ، وَكَعَدَدِ الْقَطْرِ، وَكَزَبَدِ الْبَحْرِ، لَغَفَرْتُهَا، أَفِيضُوا عِبَادِي مَغْفُورًا لَكُمْ وَلِمَنْ شَفَعْتُمْ لَهُ » (رواه الطبراني وغيره وحسنه الألباني).

 

** قال الحافظ ابن رجب في كتابه: (لطائف المعارف) (ص: 279):

** وقد يجتمع في يوم واحد عيدان كما إذا اجتمع يوم الجمعة مع يوم عرفة أو يوم النحر فيزداد ذلك اليوم حرمة وفضلا لاجتماع عيدين فيه، وقد كان ذلك، اجتمع للنبي صلى الله عليه وسلم في حجته يوم عرفة فكان يوم الجمعة وفيه نزلت هذه الآية: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً} [المائدة: 3]. اهـ

 

 ** قال ابن القيم رحمه الله في كتابه القيم: (زاد المعاد)، (1/ 59):

** فَإِنْ قِيلَ: فَأَيُّهُمَا أَفْضَلُ: يَوْمُ الْجُمُعَةِ، أَوْ يَوْمُ عَرَفَةَ؟

** فَقَدْ رَوَى ابْنُ حِبَّانَ فِي ” صَحِيحِهِ ” مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: («لَا تَطْلُعُ الشَّمْسُ وَلَا تَغْرُبُ عَلَى يَوْمٍ أَفْضَلَ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ »)

** وَفِيهِ أَيْضًا حَدِيثُ أوس بن أوس («خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ »).

** قِيلَ: قَدْ ذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِلَى تَفْضِيلِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ عَلَى يَوْمِ عَرَفَةَ مُحْتَجًّا بِهَذَا الْحَدِيثِ،

** وَحَكَى الْقَاضِي أبو يعلى رِوَايَةً عَنْ أحمد أَنَّ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ أَفْضَلُ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ،

** وَالصَّوَابُ: أَنَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَفْضَلُ أَيَّامِ الْأُسْبُوعِ، وَيَوْمُ عَرَفَةَ وَيَوْمُ النَّحْرِ أَفْضَلُ أَيَّامِ الْعَامِ، وَكَذَلِكَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ، وَلَيْلَةُ الْجُمُعَةِ،

 ** وَلِهَذَا كَانَ لِوَقْفَةِ الْجُمُعَةِ يَوْمَ عَرَفَةَ مَزِيَّةٌ عَلَى سَائِرِ الْأَيَّامِ مِنْ وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ.

أَحَدُهَا: اجْتِمَاعُ الْيَوْمَيْنِ اللَّذَيْنِ هُمَا أَفْضَلُ الْأَيَّامِ.

الثَّانِي: أَنَّهُ الْيَوْمُ الَّذِي فِيهِ سَاعَةٌ مُحَقَّقَةُ الْإِجَابَةِ، وَأَكْثَرُ الْأَقْوَالِ أَنَّهَا آخِرُ سَاعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ، وَأَهْلُ الْمَوْقِفِ كُلُّهُمْ إِذْ ذَاكَ وَاقِفُونَ لِلدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ.

الثَّالِثُ: مُوَافَقَتُهُ لِيَوْمِ وَقْفَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

الرَّابِعُ: أَنَّ فِيهِ اجْتِمَاعَ الْخَلَائِقِ مِنْ أَقْطَارِ الْأَرْضِ لِلْخُطْبَةِ وَصَلَاةِ الْجُمُعَةِ، وَيُوَافِقُ ذَلِكَ اجْتِمَاعَ أَهْلِ عَرَفَةَ يَوْمَ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ، فَيَحْصُلُ مِنَ اجْتِمَاعِ الْمُسْلِمِينَ فِي مَسَاجِدِهِمْ وَمَوْقِفِهِمْ مِنَ الدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ مَا لَا يَحْصُلُ فِي يَوْمٍ سِوَاهُ.

الْخَامِسُ: أَنَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ يَوْمُ عِيدٍ، وَيَوْمَ عَرَفَةَ يَوْمُ عِيدٍ لِأَهْلِ عَرَفَةَ؛ وَلِذَلِكَ كُرِهَ لِمَنْ بِعَرَفَةَ صَوْمُهُ، وَفِي النَّسَائِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: («نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ»)،

وَفِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ مهدي بن حرب العبدي لَيْسَ بِمَعْرُوفٍ، وَمَدَارُهُ عَلَيْهِ،

وَلَكِنْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ أم الفضل ” « أَنَّ نَاسًا تَمَارَوْا عِنْدَهَا يَوْمَ عَرَفَةَ فِي صِيَامِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ صَائِمٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ بِصَائِمٍ، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ بِقَدَحِ لَبَنٍ وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى بَعِيرِهِ بِعَرَفَةَ فَشَرِبَهُ ».

** وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي حِكْمَةِ اسْتِحْبَابِ فِطْرِ يَوْمِ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لِيَتَقَوَّى عَلَى الدُّعَاءِ، وَهَذَا هُوَ قَوْلُ الخرقي وَغَيْرِهِ،

** وَقَالَ غَيْرُهُمْ – مِنْهُمْ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابن تيمية -: الْحِكْمَةُ فِيهِ أَنَّهُ عِيدٌ لِأَهْلِ عَرَفَةَ، فَلَا يُسْتَحَبُّ صَوْمُهُ لَهُمْ، قَالَ: وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ الَّذِي فِي ” السُّنَنِ ” عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: («يَوْمُ عَرَفَةَ، وَيَوْمُ النَّحْرِ، وَأَيَّامُ مِنًى، عِيدُنَا أَهْلَ الْإِسْلَامِ»).

** قَالَ شَيْخُنَا: وَإِنَّمَا يَكُونُ يَوْمُ عَرَفَةَ عِيدًا فِي حَقِّ أَهْلِ عَرَفَةَ لِاجْتِمَاعِهِمْ فِيهِ، بِخِلَافِ أَهْلِ الْأَمْصَارِ فَإِنَّهُمْ إِنَّمَا يَجْتَمِعُونَ يَوْمَ النَّحْرِ، فَكَانَ هُوَ الْعِيدَ فِي حَقِّهِمْ، وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُ إِذَا اتَّفَقَ يَوْمُ عَرَفَةَ وَيَوْمُ جُمُعَةٍ، فَقَدِ اتَّفَقَ عِيدَانِ مَعًا.

السَّادِسُ: أَنَّهُ مُوَافِقٌ لِيَوْمِ إِكْمَالِ اللَّهِ تَعَالَى دِينَهُ لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ، وَإِتْمَامِ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ، كَمَا ثَبَتَ فِي ” صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ ” عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ: («جَاءَ يَهُودِيٌّ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ آيَةٌ تَقْرَءُونَهَا فِي كِتَابِكُمْ لَوْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ نَزَلَتْ وَنَعْلَمُ ذَلِكَ الْيَوْمَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ لَاتَّخَذْنَاهُ عِيدًا، قَالَ: أَيُّ آيَةٍ؟ قَالَ: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3] [الْمَائِدَةِ: 3]

فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: إِنِّي لَأَعْلَمُ الْيَوْمَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ، وَالْمَكَانَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ، نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَرَفَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ، وَنَحْنُ وَاقِفُونَ مَعَهُ بِعَرَفَةَ»).

السَّابِعُ: أَنَّهُ مُوَافِقٌ لِيَوْمِ الْجَمْعِ الْأَكْبَرِ، وَالْمَوْقِفِ الْأَعْظَمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ،

فَإِنَّ الْقِيَامَةَ تَقُومُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: («خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ، وَفِيهِ أُخْرِجَ مِنْهَا، وَفِيهِ تَقُومُ السَّاعَةُ، وَفِيهِ سَاعَةٌ لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللَّهَ خَيْرًا إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ»)

** وَلِهَذَا شَرَعَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لِعِبَادِهِ يَوْمًا يَجْتَمِعُونَ فِيهِ، فَيَذْكُرُونَ الْمَبْدَأَ وَالْمَعَادَ، وَالْجَنَّةَ وَالنَّارَ، وَادَّخَرَ اللَّهُ تَعَالَى لِهَذِهِ الْأُمَّةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، إِذْ فِيهِ كَانَ الْمَبْدَأُ وَفِيهِ الْمَعَادُ، وَلِهَذَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي فَجْرِهِ سُورَتَيِ (السَّجْدَةِ) وَ (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ) لِاشْتِمَالِهِمَا عَلَى مَا كَانَ وَمَا يَكُونُ فِي هَذَا الْيَوْمِ، مِنْ خَلْقِ آدَمَ، وَذِكْرِ الْمَبْدَأِ وَالْمَعَادِ، وَدُخُولِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَكَانَ يُذَكِّرُ الْأُمَّةَ فِي هَذَا الْيَوْمِ بِمَا كَانَ فِيهِ وَمَا يَكُونُ، فَهَكَذَا يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ بِأَعْظَمِ مَوَاقِفِ الدُّنْيَا – وَهُوَ يَوْمُ عَرَفَةَ – الْمَوْقِفَ الْأَعْظَمَ بَيْنَ يَدَيِ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ فِي هَذَا الْيَوْمِ بِعَيْنِهِ، وَلَا يَتَنَصَّفُ حَتَّى يَسْتَقِرَّ أَهْلُ الْجَنَّةِ فِي مَنَازِلِهِمْ، وَأَهْلُ النَّارِ فِي مَنَازِلِهِمْ.

الثَّامِنُ: أَنَّ الطَّاعَةَ الْوَاقِعَةَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، أَكْثَرُ مِنْهَا فِي سَائِرِ الْأَيَّامِ حَتَّى إِنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ الْفُجُورِ يَحْتَرِمُونَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلَيْلَتَهُ، وَيَرَوْنَ أَنَّ مَنْ تَجَرَّأَ فِيهِ عَلَى مَعَاصِي اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَجَّلَ اللَّهُ عُقُوبَتَهُ وَلَمْ يُمْهِلْهُ، وَهَذَا أَمْرٌ قَدِ اسْتَقَرَّ عِنْدَهُمْ وَعَلِمُوهُ بِالتَّجَارِبِ، وَذَلِكَ لِعِظَمِ الْيَوْمِ وَشَرَفِهِ عِنْدَ اللَّهِ، وَاخْتِيَارِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ لَهُ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْأَيَّامِ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ لِلْوَقْفَةِ فِيهِ مَزِيَّةً عَلَى غَيْرِهِ.

التَّاسِعُ: أَنَّهُ مُوَافِقٌ لِيَوْمِ الْمَزِيدِ فِي الْجَنَّةِ، وَهُوَ الْيَوْمُ الَّذِي يُجْمَعُ فِيهِ أَهْلُ الْجَنَّةِ فِي وَادٍ أَفْيَحَ، وَيُنْصَبُ لَهُمْ مَنَابِرُ مِنْ لُؤْلُؤٍ، وَمَنَابِرُ مِنْ ذَهَبٍ، وَمَنَابِرُ مِنْ زَبَرْجَدٍ وَيَاقُوتٍ عَلَى كُثْبَانِ الْمِسْكِ، فَيَنْظُرُونَ إِلَى رَبِّهِمْ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، وَيَتَجَلَّى لَهُمْ فَيَرَوْنَهُ عِيَانًا، وَيَكُونُ أَسْرَعُهُمْ مُوَافَاةً أَعْجَلَهُمْ رَوَاحًا إِلَى الْمَسْجِدِ، وَأَقْرَبُهُمْ مِنْهُ أَقْرَبَهُمْ مِنَ الْإِمَامِ، فَأَهْلُ الْجَنَّةِ مُشْتَاقُونَ إِلَى يَوْمِ الْمَزِيدِ فِيهَا لِمَا يَنَالُونَ فِيهِ مِنَ الْكَرَامَةِ، وَهُوَ يَوْمُ جُمُعَةٍ، فَإِذَا وَافَقَ يَوْمَ عَرَفَةَ كَانَ لَهُ زِيَادَةُ مَزِيَّةٍ وَاخْتِصَاصٍ وَفَضْلٍ لَيْسَ لِغَيْرِهِ.

الْعَاشِرُ: أَنَّهُ يَدْنُو الرَّبُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَشِيَّةَ يَوْمِ عَرَفَةَ مِنْ أَهْلِ الْمَوْقِفِ، ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمُ الْمَلَائِكَةَ فَيَقُولُ: («مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ، أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ») وَتَحْصُلُ مَعَ دُنُوِّهِ مِنْهُمْ تَبَارَكَ وَتَعَالَى سَاعَةُ الْإِجَابَةِ الَّتِي لَا يَرُدُّ فِيهَا سَائِلًا يَسْأَلُ خَيْرًا فَيَقْرُبُونَ مِنْهُ بِدُعَائِهِ وَالتَّضَرُّعِ إِلَيْهِ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ، وَيَقْرُبُ مِنْهُمْ تَعَالَى نَوْعَيْنِ مِنَ الْقُرْبِ، أَحَدُهُمَا: قُرْبُ الْإِجَابَةِ الْمُحَقَّقَةِ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ، وَالثَّانِي: قُرْبُهُ الْخَاصُّ مِنْ أَهْلِ عَرَفَةَ، وَمُبَاهَاتُهُ بِهِمْ مَلَائِكَتَهُ، فَتَسْتَشْعِرُ قُلُوبُ أَهْلِ الْإِيمَانِ هَذِهِ الْأُمُورَ فَتَزْدَادُ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِهَا، وَفَرَحًا وَسُرُورًا وَابْتِهَاجًا، وَرَجَاءً لِفَضْلِ رَبِّهَا وَكَرَمِهِ،

** فَبِهَذِهِ الْوُجُوهِ وَغَيْرِهَا فُضِّلَتْ وَقْفَةُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ عَلَى غَيْرِهَا.

** وَأَمَّا مَا اسْتَفَاضَ عَلَى أَلْسِنَةِ الْعَوَامِّ بِأَنَّهَا تَعْدِلُ ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ حَجَّةً، فَبَاطِلٌ لَا أَصْلَ لَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. اهـ

  

** والله الموفق.

 ** كتبها: أبو عبد الله أحمد بن ثابت الوصابي

 ** الأربعاء 8 / 12/ 1438 هـ

سلسلة الفوائد اليومية: (80) فائدة اليوم بعنوان: ( فضائل عشر ذي الحجة )

** إن من حكمة الله الحكيم الله أنه لما خلق الخلق لم يجعلهم على حد سواء بل فاضل بينهم، فجعل بعضهم أفضل من بعض.

** كما قال الله تعالى: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ}
** وقال: {ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا}
** وقال: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ}
** وقال: {وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا}
 
** ومما فضله الله على غيره العشر الأول من شهر ذي الحجة، فقد جعلها الله سبحانه وتعالى مواسم للخيرات، وأياما للعبادات، وأوقاتا للطاعات والقربات.
 
** وسنتكلم عن فضل هذه الأيام في النقاط التالية: 
 
(1) أن هذه الأيام هي أفضل أيام الدنيا.
 
** عَن جَابر رَضِي الله عَنهُ أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: ((أفضلُ أيامِ الدُّنْيا أيامُ العَشْرِ)) [رواه الْبَزَّار، وصحيح الألباني]
 
(2) أن الله أقسم بها، ولا يقسم الله إلا بشيء عظيم.
 
** قال تعالى: {وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ}
** قال ابن كثير في (تفسيره) ت / سلامة (8/ 390): 
** وَاللَّيَالِي الْعَشْرُ: الْمُرَادُ بِهَا عَشَرُ ذِي الْحِجَّةِ. كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ، وَمُجَاهِدٌ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ. 
** وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: “مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ فِيهِنَّ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ” -يَعْنِي عَشَرَ ذِي الْحِجَّةِ -قَالُوا: وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: “وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إِلَّا رَجُلًا خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، ثُمَّ لَمْ يَرْجِعُ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ”. 
** وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِذَلِكَ الْعَشْرُ الْأَوَّلُ مِنَ الْمُحَرَّمِ، حكاه أبو جعفر ابن جَرِيرٍ وَلَمْ يَعْزُهُ إِلَى أَحَدٍ.
** وَقَدْ رَوَى أَبُو كُدَيْنة، عَنْ قَابُوسُ بْنُ أَبِي ظِبْيان، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: {وَلَيَالٍ عَشْرٍ} قَالَ: هُوَ الْعَشْرُ الْأَوَّلُ مِنْ رَمَضَانَ.
وَالصَّحِيحُ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ … الخ) اهـ
 
(3) أن العمل الصالح فيها أحب إلى الله وأزكى من العمل في غيرها.
 
** عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا مِنْ أَيَّامٍ العَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ العَشْرِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَلاَ الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَلاَ الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ، إِلاَّ رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ. رواه البخاري والترمذي وغيرهما، وهذا لفظ الترمذي.
 
** وعَنْ سَعِيدٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا مِنْ عَمَلٍ أَزْكَى عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلَا أَعْظَمَ أَجْرًا مِنْ خَيْرٍ يَعْمَلُهُ فِي عَشْرِ الْأَضْحَى». 
** قِيلَ: وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ: «وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ» 
** قَالَ: وَكَانَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ إِذَا دَخَلَ أَيَّامُ الْعَشْرِ اجْتَهَدَ اجْتِهَادًا شَدِيدًا حَتَّى مَا يَكَادُ يَقْدِرُ عَلَيْهِ ” رواه الدارمي، وحسنه الألباني.
 
(4) أنها الأيام المعلومات. 
** قال تعالى: (ويذكروا اسم الله في أيام معلومات)، وهي أيام العشر عند الجمهور.
** وفي (صحيح البخاري) (4/ 122):
11- باب فَضْلِ الْعَمَلِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ. 
(375) وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ} أَيَّامُ الْعَشْرِ: {وَالأَيَّامُ الْمَعْدُودَاتُ} أَيَّامُ التَّشْرِيقِ. 
** وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ يَخْرُجَانِ إِلَى السُّوقِ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ يُكَبِّرَانِ، وَيُكَبِّرُ النَّاسُ بِتَكْبِيرِهِمَا. وَكَبَّرَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِىٍّ خَلْفَ النَّافِلَةِ. اهـ
 
** وفي: (تفسير ابن كثير)، ت سلامة (5/ 415):
 
** وَقَوْلُهُ: {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ [فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ] عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأنْعَامِ} 
** قَالَ شُعْبَةُ [وهُشَيْم] عَنْ [أَبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدٍ] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْأَيْامُ الْمَعْلُومَاتُ: أَيْامُ الْعَشْرِ، 
** وَعَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْهُ بِصِيغَةِ الْجَزْمِ بِهِ. 
** وَيُرْوَى مِثْلُهُ عَنِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، وَمُجَاهِدٍ، وَعَطَاءٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَالْحَسَنِ، وَقَتَادَةِ، وَالضَّحَّاكِ، وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، وَإِبْرَاهِيمِ النَّخعي. 
** وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَالْمَشْهُورُ عَنِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ. اهـ
 
(5) أن فيها يوم عرفة، وهو اليوم المشهود الذي أكمل الله فيه الدين، وصيامه يكفر ذنوب سنتين، كما سيأتي.
 
(6) أن فيها يوم النحر الذي هو أعظم أيام السنة عند الله، وهو يوم الحج الأكبر.
** عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ قُرْطٍ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ” أَعْظَمُ الْأَيَّامِ عِنْدَ اللهِ يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ يَوْمُ الْقَرِّ “
 
** وفي كتاب: (عون المعبود)، (5/ 127):
** (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُرْطٍ) بِضَمِّ الْقَافِ وَسُكُونِ الرَّاءِ ثُمَّ طَاءٌ مُهْمَلَةٌ.
** (ثُمَّ يَوْمُ الْقَرِّ) هُوَ الْيَوْمُ الَّذِي يَلِي يَوْمَ النَّحْرِ؛ لِأَنَّ النَّاسَ يَقِرُّونَ فِيهِ بِمِنًى بَعْدَ أَنْ فَرَغُوا مِنْ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ وَالنَّحْرِ وَاسْتَرَاحُوا.
** وَالْقَرُّ بِفَتْحِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ. اهـ
(7) أن فيها ذبح الهدايا والضحايا. رواه الإمام أحمد وغيره، 
[وصححه الألباني، وحسنه شيخنا الوادعي] 
 
 (8) أن فيها تجتمع أمهات العبادة، من صلاة وصيام وصدقة وحج.
** قال الحافظ ابن حجر في كتابه: (فتح الباري)، (2/ 460):
وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ السَّبَبَ فِي امْتِيَازِ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ لِمَكَانِ اجْتِمَاعِ أُمَّهَاتِ الْعِبَادَةِ فِيهِ وَهِيَ الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ وَالصَّدَقَةُ وَالْحَجُّ وَلَا يَتَأَتَّى ذَلِكَ فِي غَيْرِهِ. اهـ
 
مسألة: 
أيهما أفضل: العشر الأول من ذي الحجة أم العشر الأواخر من رمضان؟
 
** قال شيخ الإسلام في كتاب:(الفتاوى الكبرى) (2/ 477):
354 -24 – وَسُئِلَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، عَنْ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ، وَالْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ أَيُّهُمَا أَفْضَلُ ؟.
 
أَجَابَ: أَيَّامُ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ أَفْضَلُ مِنْ أَيَّامِ الْعَشْرِ مِنْ رَمَضَانَ، وَاللَّيَالِي الْعَشْرُ الْأَوَاخِرُ مِنْ رَمَضَانَ أَفْضَلُ مِنْ لَيَالِي عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ. اهـ
 
** وقال ابن القيم في كتابه: (بدائع الفوائد): (3/ 162) بعد أن ذكر كلام شيخ الإسلام المتقدم:
 
 ** وإذا تأمل الفاضل اللبيب هذا الجواب وجده شافيا كافيا؛ فإنه ليس من أيام العمل فيها أحب إلى الله من أيام عشر ذي الحجة، وفيها يوم عرفة، ويوم النحر، ويوم التروية.
** وأما ليالي عشر رمضان فهي ليالي الإحياء التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحييها كلها، وفيها ليلة خير من ألف شهر.
** فمن أجاب بغير هذا التفصيل لم يمكنه أن يدلي بحجة صحيحة. اهـ 
 
** وذكر نحو هذا الكلام في كتابه: (زاد المعاد)، (1/ 57):
 
** فإذا كانت هذه العشر بهذه المنزلة الرفيعة، والفضائل الكثيرة والكبيرة فحري بكل مسلم عاقل لبيب يرجو رحمة ربه، ويطمع في ثوابه ومغفرته، ورفع درجاته، أن يشمر عن ساعد الجد، فينافس ويسابق في الأعمال الصالحات فرضها ونفلها بشتى أنواعها.
** عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا مِنْ أَيَّامٍ العَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ العَشْرِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَلاَ الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَلاَ الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ، إِلاَّ رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ. رواه البخاري والترمذي وغيرهما، وهذا لفظ الترمذي.
 
** وعَنْ سَعِيدٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا مِنْ عَمَلٍ أَزْكَى عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلَا أَعْظَمَ أَجْرًا مِنْ خَيْرٍ يَعْمَلُهُ فِي عَشْرِ الْأَضْحَى». 
** قِيلَ: وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ: «وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ» 
** قَالَ: وَكَانَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ إِذَا دَخَلَ أَيَّامُ الْعَشْرِ اجْتَهَدَ اجْتِهَادًا شَدِيدًا حَتَّى مَا يَكَادُ يَقْدِرُ عَلَيْهِ ” رواه الدارمي، وحسنه الألباني.
 
** وعَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ” مَا مِنْ أَيَّامٍ أَعْظَمُ عِنْدَ اللهِ، وَلَا أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنَ الْعَمَلِ فِيهِنَّ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ، فَأَكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنَ التَّهْلِيلِ، وَالتَّكْبِيرِ، وَالتَّحْمِيدِ ” 
** رواه أحمد، وصححه شعيب الأرنؤوط.
 
** قال الحافظ ابن رجب رحمه الله في كتابه: (لطائف المعارف)، (ص: 261):
** وإذا كان العمل في أيام العشر أفضل وأحب إلى الله من العمل في غيره من أيام السنة كلها صار العمل فيه وإن كان مفضولا أفضل من العمل في غيره وإن كان فاضلا، ولهذا قالوا: يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله قال: “ولا الجهاد”، ثم استثنى جهادا واحدا هو أفضل الجهاد؛ فإنه صلى الله عليه وسلم سئل: أي الجهاد أفضل قال: “من عقر جواده وأهريق دمه وصاحبه أفضل الناس درجة عند الله”.
سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يدعو يقول: اللهم أعطني أفضل ما تعطي عبادك الصالحين قال: “إذن يعقر جوادك وتستشهد”.
** فهذا الجهاد بخصوصه يفضل على العمل في العشر، 
** وأما بقية أنواع الجهاد فإن العمل في عشر ذي الحجة أفضل وأحب إلى الله عز وجل منها.
** وكذلك سائر الأعمال. 
** وهذا يدل على أن العمل المفضول في الوقت الفاضل يلتحق بالعمل الفاضل في غيره ويزيد عليه لمضاعفة ثوابه وأجره. اهـ
 
** وهذا سرد لبعض الأعمال الصالحة، من باب التذكير:
 
(1) التَّوْبَةُ الصادقة إلى اللهِ تعالَى مِن جميعِ الذُّنوبِ؛ فإنَّها مِفْتاحُ النجاح وعلامة الفلاح.
 
** قال تعالى: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}
 
(2) المحافظة على الصلوات المفروضة في أوقاتها وأماكنها، والإكثار من النوافل.
 
** قال تعالى: {حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ}
 
** وعَنْ عُثْمَانَ بن عثمان رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَا مِنَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ تَحْضُرُهُ صَلَاةٌ مَكْتُوبَةٌ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهَا وَخُشُوعَهَا وَرُكُوعَهَا، إِلَّا كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا قَبْلَهَا مِنَ الذُّنُوبِ مَا لَمْ يُؤْتِ كَبِيرَةً وَذَلِكَ الدَّهْرَ كُلَّهُ» رواه مسلم.
 
** وعَنْ ثَوْبَانَ رضي الله عنه قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «عَلَيْكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ لِلَّهِ، فَإِنَّكَ لَا تَسْجُدُ لِلَّهِ سَجْدَةً، إِلَّا رَفَعَكَ اللهُ بِهَا دَرَجَةً، وَحَطَّ عَنْكَ بِهَا خَطِيئَةً» رواه مسلم.
 
(3) العمرة والحج للمستطيع.
** عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «العُمْرَةُ إِلَى العُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالحَجُّ المَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الجَنَّةُ» متفق عليه 
 
** وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَإِنَّهُمَا: يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ، كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ: خَبَثَ الْحَدِيدِ، وَالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ، وَلَيْسَ لِلْحَجِّ الْمَبْرُورِ ثَوَابٌ دُونَ الْجَنَّةِ ” رواه الإمام أحمد وغيره، [وقال الألباني: حسن صحيح] 
** وفي: (شرح النووي على مسلم)، (9/ 118): 
(وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةَ) الْأَصَحُّ الْأَشْهَرُ: أَنَّ الْمَبْرُورَ هُوَ الَّذِي لَا يُخَالِطُهُ إِثْمٌ، مَأْخُوذٌ مِنَ الْبِرِّ وَهُوَ الطَّاعَةُ، وَقِيلَ هُوَ الْمَقْبُولُ، وَمِنْ عَلَامَةِ الْقَبُولِ أَنْ يَرْجِعَ خَيْرًا مِمَّا كَانَ وَلَا يُعَاوِدَ الْمَعَاصِي. اهـ المراد
 
(4) الصيام، لدخوله في الأعمال الصالحة، فمن قدر على صيام التسع فليصمها، وإلا صام ما تيسر منها.
 
** عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ، الْحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعمِائَة ضِعْفٍ، قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِلَّا الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي ” متفق عليه 
 
** وعَنْ هُنَيْدَةَ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ امْرَأَتِهِ، عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَصُومُ تِسْعًا مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَيَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، أَوَّلَ اثْنَيْنِ مِنَ الشَّهْرِ وَخَمِيسَيْنِ» رواه النسائي وغيره [وصححه الألباني] 
 
** وعورض هذا الحديث بحديث عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، عند مسلم،
قَالَتْ: «مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَائِمًا فِي الْعَشْرِ قَطُّ» 
** وأجيب عنه بأن المثبت مقدم على النافي على القاعدة المقررة.
 
** وفي: (شرح النووي على مسلم) (8/ 71):
 
فِيهِ قَوْلُ عَائِشَةَ: (مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَائِمًا فِي الْعَشْرِ قَطُّ)، وَفِي رِوَايَةٍ: (لَمْ يَصُمِ الْعَشْرَ).
** قَالَ الْعُلَمَاءُ: هذا الحديث مما يوهم كراهة صوم العشر.
** وَالْمُرَادُ بِالْعَشْرِ هُنَا: الْأَيَّامُ التِّسْعَةُ مِنْ أَوَّلِ ذِي الْحِجَّةِ.
** قَالُوا: وَهَذَا مِمَّا يُتَأَوَّلُ، فَلَيْسَ فِي صَوْمِ هَذِهِ التِّسْعَةِ كَرَاهَةٌ، بَلْ هِيَ مستحبة استحبابا شديدا لاسيما التَّاسِعُ مِنْهَا وَهُوَ يَوْمُ عَرَفَةَ.
** وَقَدْ سَبَقَتِ الْأَحَادِيثُ فِي فَضْلِهِ.
** وَثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَفْضَلُ مِنْهُ فِي هَذِهِ يَعْنِي الْعَشْرَ الْأَوَائِلَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ.
** فَيُتَأَوَّلُ قَوْلُهَا: (لَمْ يَصُمِ الْعَشْرَ) أَنَّهُ لَمْ يَصُمْهُ لِعَارِضِ مَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ أَوْ غَيْرِهِمَا، أَوْ أَنَّهَا لَمْ تَرَهُ صَائِمًا فِيهِ.
** وَلَا يَلْزَمُ من ذَلِكَ عَدَمُ صِيَامِهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، 
** وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ حَدِيثُ هُنَيْدَةَ بْنِ خَالِدٍ عَنِ امْرَأَتِهِ عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُ تِسْعَ ذِي الْحِجَّةِ وَيَوْمَ عَاشُورَاءَ وَثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ الِاثْنَيْنِ مِنَ الشَّهْرِ وَالْخَمِيسَ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَهَذَا لَفْظُهُ وَأَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ، وَفِي رِوَايَتِهِمَا وَخَمِيسَيْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.). اهـ 
 
** وفي: (فتح الباري)، لابن حجر (2/ 460):
** وَلَا يَرُدُّ عَلَى ذَلِكَ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: (مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَائِمًا الْعَشْرَ قَطُّ)، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ كَانَ يَتْرُكُ الْعَمَلَ وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَهُ خَشْيَةَ أَنْ يُفْرَضَ عَلَى أُمَّتِهِ، كَمَا رَوَاهُ الصَّحِيحَانِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَيْضًا.
 
(5) الإكثار من ذكر الله جل وعلا، من تسبيح وتحميد وتهليل وتكبير، وسائر أنواع الذكر:
** قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً}
** وقال: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ} 
 
** وقال: {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ}
والجمهور على أن الأَيَّامٍ المَّعْلُومَاتٍ: عشر ذي الحجة كما تقدم.
 
** عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ” مَا مِنْ أَيَّامٍ أَعْظَمُ عِنْدَ اللهِ، وَلَا أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنَ الْعَمَلِ فِيهِنَّ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ، فَأَكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنَ التَّهْلِيلِ، وَالتَّكْبِيرِ، وَالتَّحْمِيدِ ” 
رواه أحمد، وصححه شعيب الأرنؤوط.
 
** وفي (صحيح البخاري)، (2/ 20):
(بَابُ: فَضْلِ العَمَلِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ).
** وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ” وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ: أَيَّامُ العَشْرِ، 
** وَالأَيَّامُ المَعْدُودَاتُ: أَيَّامُ التَّشْرِيقِ ” 
** وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ: «يَخْرُجَانِ إِلَى السُّوقِ فِي أَيَّامِ العَشْرِ يُكَبِّرَانِ، وَيُكَبِّرُ النَّاسُ بِتَكْبِيرِهِمَا».
** وَكَبَّرَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ خَلْفَ النَّافِلَةِ. اهـ 
 
** وفي كتاب: (فتح الباري)، لابن رجب (9/ 8):
** وأما ما ذكره البخاري عن ابن عمر وأبي هريرة، فهو من رواية سلام أبي المنذر، عن حميد الأعرج، عن مجاهد، أن ابن عمر وأبا هريرة كانا يخرجان في العشر إلى السوق يكبران، لا يخرجان إلاّ لذلك.
خرجه أبو بكر عبد العزيز بن جعفر في ((كتاب الشافي)) وأبو بكر المروزي القاضي في ((كتاب العيدين)).
** ورواه عفان: نا سلام أبو المنذر – فذكره، ولفظه: كان أبو هريرة وابن عمر يأتيان السوق أيام العشر، فيكبران، ويكبر الناس معهما، ولا يأتيان لشيء إلا لذلك.
** وروى جعفر الفريابي، من رواية يزيد بن أبي زياد، قال: رأيت سعيد بن جبير وعبد الرحمن بن أبي ليلى ومجاهدا – أو اثنين من هؤلاء الثلاثة – ومن رأينا من فقهاء الناس يقولون في أيام العشر: ((الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله والله أكبر. الله أكبر ولله الحمد)).
** وروى المروزي، عن ميمون بن مهران، قال: أدركت الناس وإنهم ليكبرون في العشر، حتى كنت أشبهه بالأمواج من كثرتها، 
** ويقول: إن الناس قد نقصوا في تركهم التكبير.
** وهو مذهب أحمد، ونص على أنه يجهر به.
** وقال الشافعي: يكبر عند رؤية الأضاحي.
** وكأنه أدخله في التكبير على بهيمة الأنعام المذكور في القران، وهو وإن كان داخلا فيه، إلا أنه لا يختص به، بل هو أعم من ذلك كما تقدم.
اهـ المراد
 
** وعن أَبي موسى الأشعري – رضي الله عنه – عن النبيّ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ: «مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لا يَذْكُرُهُ مَثَلُ الحَيِّ وَالمَيِّتِ». متفق عليه وهذا لفظ البخاري.
 
** وعن جابر – رضي الله عنه – قَالَ: سَمِعْتُ رسُولَ الله – صلى الله عليه وسلم – يقولُ: «أفْضَلُ الذِّكْرِ: لاَ إلهَ إِلاَّ اللهُ». رواه الترمذي وغيره، وحسنه الألباني.
** وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: 
” مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ حُطَّتْ خَطَايَاهُ وَلَوْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ ” متفق عليه.
** وعن جابر – رضي الله عنه – عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قَالَ: «من قَالَ: سُبْحَانَ الله وبِحَمدِهِ، غُرِسَتْ لَهُ نَخْلَةٌ في الجَنَّةِ». رواه الترمذي، وقال الألباني [صحيح لغيره]
** وعن أَبي موسى – رضي الله عنه – قَالَ: قَالَ لي رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم: «ألا أدُلُّكَ عَلَى كَنْزٍ مِنْ كُنُوزِ الجَنَّةِ؟» فقلت: بلى يَا رسولَ الله قَالَ: «لا حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ باللهِ» متفق عَلَيْهِ. 
 
(6) صوم يوم عرفة لغير الحاج:
عَنْ أَبِي قَتَادَةَ رضي الله عنه، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 
«سُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ؟ فَقَالَ: «يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ وَالْبَاقِيَة» رواه مسلم 
 
(7) الأضحية يوم العيد:
** وهي – عند الجمهور – سنة مؤكدة في حق الموسر. 
** وذهب بعضهم – كشيخ الإسلام – إلى بوجوبها. 
 
** قال الله تعالى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ}
** عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه، قَالَ: «ضَحَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ، ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ، وَسَمَّى وَكَبَّرَ، وَوَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا» متفق عليه 
** وعَنْ أُمّ سَلَمَةَ رضي الله عنها، زَوْج النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالت: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ كَانَ لَهُ ذِبْحٌ يَذْبَحُهُ فَإِذَا أُهِلَّ هِلَالُ ذِي الْحِجَّةِ، فَلَا يَأْخُذَنَّ مِنْ شَعْرِهِ، وَلَا مِنْ أَظْفَارِهِ شَيْئًا حَتَّى يُضَحِّيَ» رواه مسلم.
 
(8) الإكثار من قراءة القران مع التدبر.
** قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ} 
 
** وعَنْ عَبْد اللَّهِ بْن مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، لَا أَقُولُ الم حَرْفٌ، وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ وَلَامٌ حَرْفٌ وَمِيمٌ حَرْفٌ» رواه الترمذي، [وصححه الألباني]: 
 
(9) الصدقة.
** قَالَ الله تَعَالَى: {وَمَا أنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ}
** عن أَبَي الْخَيْر، أَنَّهُ سَمِعَ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ رضي الله عنه، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ” كُلُّ امْرِئٍ فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ حَتَّى يُفْصَلَ بَيْنَ النَّاسِ – أَوْ قَالَ: يُحْكَمَ بَيْنَ النَّاسِ – ” قَالَ يَزِيدُ: ” وَكَانَ أَبُو الْخَيْرِ لَا يُخْطِئُهُ يَوْمٌ إِلَّا تَصَدَّقَ فِيهِ بِشَيْءٍ وَلَوْ كَعْكَةً أَوْ بَصَلَةً أَوْ كَذَا “
 
رواه الإمام أحمد وغيره، [وصححه الألباني] 
 
 (10) الدعاء بخيري الدنيا والآخرة، لا سيما في أوقات الإجابة:
** قَالَ الله تَعَالَى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}
** عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ” الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ، {قَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60] “
رواه أبو داود، وصححه الألباني.
** وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ قَالَ: ” خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ” رواه الترمذي، وحسنه الألباني.
 
** قال الخطابي في كتابه: (غريب الحديث)، (1/ 709):
** قوله: ” أكثرُ دُعائي ” يريد أكثر ما أفتتحُ بِهِ دُعائي، وذلك أنّ الدَّاعي يفْتتح دُعاءَه بالثَّناء عَلَى الله ويُقَدّمه أمام مسألته، 
** فسمّى الثّناءَ دعاء؛ إذ كَانَ مُقدّمةً لَهُ وذَرِيعةً إِلَيْهِ عَلَى مذهبهم في تسميةِ الشيء باسم سببه.
 
 (11) الإكثار من الأعمال الصالحة عموما:
مثل: صلاة الضحى، وصلاة الليل، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وكثرة الاستغفار، وصلة الأرحام – ولو بالهاتف -، وبر الوالدين، والإحسان إلى الزوجة والأولاد والجيران، والابتسامة، وطلاقة الوجه، والمحافظة على الوضوء، والسواك، والصف الأول، والأذكار، وعيادة المرضى، وزيارة القبور، وغير ذلك. 
 
** قال الحافظ ابن رجب رحمه الله في كتابه: (لطائف المعارف) (ص: 272):
** لما كان الله سبحانه وتعالى قد وضع في نفوس المؤمنين حنينا إلى مشاهدة بيته الحرام، وليس كل أحد قادرا على مشاهدته في كل عام، فرض على المستطيع الحج مرة واحدة في عمره، 
** وجعل موسم العشر مشتركا بين السائرين والقاعدين.
** فمن عجز عن الحج في عام قدر في العشر على عمل يعمله في بيته يكون أفضل من الجهاد الذي هو أفضل من الحج.
 
ليالي العشر أوقات الإجابة *** فبادر رغبة تلحق ثوابه
ألا لا وقت للعمال فيه *** ثواب الخير أقرب للإصابة
من أوقات الليالي العشر حقا *** فشمر واطلبن فيها الإنابة
 
** احذروا المعاصي فإنها تحرم المغفرة في مواسم الرحمة.
** وروى المروذي في كتاب الورع بإسناده عن عبد الملك بن عمير عن رجل ـ إما من الصحابة أو من التابعين ـ: أن آتيا أتاه في منامه في العشر من ذي الحجة فقال: ما من مسلم إلا يغفر له في هذه الأيام كل يوم خمس مرارا إلا أصحاب الشاء يقولون: مات ما موته يعني أصحاب الشطرنج، ** فإذا كان اللعب بالشطرنج مانعا من المغفرة فما الظن بالإصرار على الكبائر المجمع عليها.
 
طاعة الله خير ما لزم العبـ *** ـد فكن طائعا ولا تعصينه
ما هلاك النفوس إلا المعاصي *** فاجتنب ما نهاك لا تقربنه
إن شيئا هلاك نفسك فيه *** ينبغي أن تصون نفسك عنه
 
** المعاصي سبب البعد والطرد كما أن الطاعات أسباب القرب والود.
أيضمن لي فتى ترك المعاصي *** وأرهنه الكفالة بالخلاص
أطاع الله قوم فاستراحوا *** ولم يتجرعوا غصص المعاصي
 
** إخوانكم في هذه الأيام قد عقدوا الإحرام، وقصدوا البيت الحرام، وملأوا الفضاء بالتلبية والتكبير والتهليل والتحميد والإعظام.
** لقد ساروا وقعدنا، وقربوا وبعدنا، فإن كان لنا معهم نصيب سعدنا.
 
أتراكم في النقا والمنحنى *** أهل سلع تذكرونا ذكرنا
انقطعنا ووصلتم فاعلموا *** واشكروا المنعم يا أهل منى
قد خسرنا وربحتم فصلوا *** بفضول الريح من قد غبنا
سار قلبي خلف أحمالكم *** غير أن العذر عاق البدنا
ما قطعتم واديا إلا وقد *** جئته أسعى بأقدام المنى
أنا مذ غبتم على تذكاركم *** أترى عندكمو ما عندنا
 
** القاعد لعذر شريك للسائر، وربما سبق السائر بقلبه السائرين بأبدانهم.
** رأى بعضهم في المنام عشية عرفة في الموقف قائلا يقول له: أترى هذا الزحام على هذا الموقف فإنه لم يحج منهم أحد إلا رجل تخلف عن الموقف فحج بهمته فوهب له أهل الموقف.
 
يا سائرين إلى البيت العتيق *** لقد سرتم جسوما وسرنا نحن أرواحا
إنا أقمنا على عذر وقد رحلوا *** ومن أقام على عذر كمن راحا
 
** الغنيمة الغنيمة بانتهاز الفرصة في هذه الأيام العظيمة، فما منها عوض، ولا لها قيمة.
** المبادرة المبادرة بالعمل.
** والعجل العجل قبل هجوم الأجل، قبل أن يندم المفرط على ما فعل، قبل أن يسأل الرجعة فيعمل صالحا فلا يجاب إلى ما سأل، قبل أن يحول الموت بين المؤمل وبلوغ الأمل، قبل أن يصير المرء مرتهنا في حفرته بما قدم من عمل.
 
ليس للميت في قبره *** فطر ولا أضحى ولا عشر
ناء عن الأهل على قربه *** كذاك من مسكنه القبر
 
** يا من طلع فجر شيبه بعد بلوغ الأربعين.
** يا من مضى عليه بعد ذلك ليالي عشر سنين حتى بلغ الخمسين.
** يا من هو في معترك المنايا ما بين الستين والسبعين ما تنتظر بعد هذا الخبر إلا أن يأتيك اليقين.
** يا من ذنوبه بعدد الشفع والوتر، أما تستحي من الكرام الكاتبين؟ 
أم أنت ممن يكذب بيوم الدين؟ 
يا من ظلمة قلبه كالليل إذا يسري، أما آن لقلبك أن يستنير أو يلين تعرض لنفحات مولاك في هذا العشر، فإن فيه لله نفحات يصيب بها من يشاء، فمن أصابته سعد بها آخر الدهر. اهــ 
 
 ** والله الموفق.
 ** كتبها: أبو عبد الله أحمد بن ثابت الوصابي 
 ** الثلاثاء 30 / 11/ 1438 هـ
سلسلة الفوائد اليومية: (79) فائدة اليوم بعنوان: (لطيفة إسنادية، وهي: حديث اجتمع فيه ثلاثة من الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المشهورة)

** قال الأمام أحمد رحمه الله في (مسنده) ط الرسالة (25/ 57):

15778 -حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ يَعْنِي الشَّافِعِيَّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَاهُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ كَانَ يُحَدِّثُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ” إِنَّمَا نَسَمَةُ الْمُؤْمِنِ طَائِرٌ يَعْلُقُ فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ حَتَّى يُرْجِعَهُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِلَى جَسَدِهِ يَوْمَ يَبْعَثُهُ ” وصححه الألباني.

** وقال الحافظ المفسر ابن كثير في (تفسيره) ط / العلمية (2/ 144):

** وَقَدْ رُوِّينَا فِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ حَدِيثًا فِيهِ الْبِشَارَةُ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ بِأَنَّ رُوحَهُ تَكُونُ فِي الْجَنَّةِ تَسْرَحُ أَيْضًا فِيهَا، وَتَأْكُلُ مِنْ ثِمَارِهَا، وَتَرَى مَا فِيهَا مِنَ النَّضْرَةِ وَالسُّرُورِ، وَتُشَاهِدُ مَا أَعَدَّهُ اللَّهُ لَهَا مِنَ الْكَرَامَةِ،

** وَهُوَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَزِيزٍ عَظِيمٍ، اجْتَمَعَ فِيهِ ثَلَاثَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ أَصْحَابِ الْمَذَاهِبِ الْمُتَّبَعَةِ،

** فَإِنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ، رَوَاهُ عن مُحَمَّدِ بْنِ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ الْأَصْبَحِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «نَسَمَةُ الْمُؤْمِنِ طَائِرٌ يَعْلُقُ فِي شَجِرِ الْجَنَّةِ حَتَّى يُرْجِعَهُ اللَّهُ إِلَى جَسَدِهِ يَوْمَ يَبْعَثُهُ»

** قَوْلُهُ «يَعْلُقُ» أَيْ يَأْكُلُ،

** وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ «إِنَّ رُوحَ الْمُؤْمِنِ تَكُونُ عَلَى شَكْلِ طَائِرٍ فِي الْجَنَّةِ» ** وَأَمَّا أَرْوَاحُ الشُّهَدَاءِ فَكَمَا تَقَدَّمَ فِي حَوَاصِلِ طَيْرٍ خُضْرٍ،

** فَهِيَ كَالْكَوَاكِبِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَرْوَاحِ عُمُومِ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنَّهَا تَطِيرُ بِأَنْفُسِهَا،

** فنسأل الله الكريم المنان أن يميتنا على الإيمان. اهـ

** والله الموفق.

** كتبها: أبو عبد الله أحمد بن ثابت الوصابي

** الإثنين 22 / 11/ 1438 هـ

سلسلة الفوائد اليومية: (78) فائدة اليوم بعنوان: (أركان الكفر أربعة، وهي: الكبر، والحسد، والغضب، والشهوة)

** قال ابن القيم في كتابه: (الفوائد)، (ص: 157):

فصل:

** أَرْكَان الْكفْر أَرْبَعَة: الْكبر والحسد وَالْغَضَب والشهوة.

** فالكبر يمنعهُ الانقياد.

** والحسد يمنعهُ قبُول النَّصِيحَة وبذلها.

** وَالْغَضَب يمنعهُ الْعدْل.

** والشهوة تَمنعهُ التفرّغ لِلْعِبَادَةِ.

** فَإِذا انْهَدم ركن الْكبر سهل عَلَيْهِ الانقياد.

** وَإِذا انْهَدم ركن الْحَسَد سهل عَلَيْهِ قبُول النصح وبذله.

** وَإِذا انْهَدم ركن الْغَضَب سهل عَلَيْهِ الْعدْل والتواضع.

** وَإِذا انْهَدم ركن الشَّهْوَة سهل عَلَيْهِ الصَّبْر والعفاف وَالْعِبَادَة.

** وَزَوَال الْجبَال عَن أماكنها أيسر من زَوَال هَذِه الْأَرْبَعَة عَمَّن بلي بهَا، وَلَا سِيمَا إِذا صَارَت هيئات راسخة وملكات وصفات ثَابِتَة؛ فَإِنَّهُ لَا يَسْتَقِيم لَهُ مَعهَا عمل الْبَتَّةَ، وَلَا تزكو نَفسه مَعَ قِيَامهَا بهَا، وَكلما اجْتهد فِي الْعَمَل أفسدته عَلَيْهِ هَذِه الْأَرْبَعَة.

** وكل الْآفَات مُتَوَلّدَة مِنْهَا، وَإِذا استحكمت فِي الْقلب أرته الْبَاطِل فِي صُورَة الْحق، وَالْحق فِي صُورَة الْبَاطِل، وَالْمَعْرُوف فِي صُورَة الْمُنكر، وَالْمُنكر فِي صُورَة الْمَعْرُوف، وَقربت مِنْهُ الدُّنْيَا، وبعدت مِنْهُ الْآخِرَة. ** وَإِذا تَأَمَّلت كفر الْأُمَم رَأَيْته ناشئا مِنْهَا، وَعَلَيْهَا يَقع الْعَذَاب، وَتَكون خفته وشدته بِحَسب خفتها وشدتها.

** فَمن فتحهَا على نَفسه فتح عَلَيْهِ أَبْوَاب الشرور كلهَا عَاجلا وآجلا، ** وَمن أغلقها على نَفسه أغلق عَنهُ أبوب الشرور؛ فإنها تمنع الانقياد وَالْإِخْلَاص وَالتَّوْبَة والإنابة وَقبُول الْحق ونصيحة الْمُسلمين والتواضع لله ولخلقه.

** ومنشأ هَذِه الْأَرْبَعَة من جَهله بربه وجهله بِنَفسِهِ؛ فَإِنَّهُ لَو عرف ربه بِصِفَات الْكَمَال ونعوت الْجلَال وَعرف نَفسه بالنقائص والآفات لم يتكبر، وَلم يغْضب لَهَا، وَلم يحْسد أحدا على مَا أَتَاهُ الله؛ فَإِن الْحَسَد فِي الْحَقِيقَة نوع من معاداة الله؛ فَإِنَّهُ يكره نعْمَة الله على عَبده. وَقد أحبها الله وَأحب زَوَالهَا عَنهُ، وَالله يكره ذَلِك، فَهُوَ مضاد لله فِي قَضَائِهِ وَقدره ومحبته وكراهته؛ وَلذَلِك كَانَ إِبْلِيس عدوه حَقِيقَة؛ لِأَن ذَنبه كَانَ عَن كبر وحسد ** فَقلع هَاتين الصفتين بِمَعْرِفَة الله وتوحيده وَالرِّضَا بِهِ وَعنهُ والإنابة إِلَيْهِ.

** وَقلع الْغَضَب بِمَعْرِفَة النَّفس وَأَنَّهَا لَا تسْتَحقّ أَن يغْضب لَهَا وينتقم لَهَا؛ فَإِن ذَلِك إِيثَار لَهَا بِالرِّضَا وَالْغَضَب على خَالِقهَا وفاطرها.

** وَأعظم مَا تدفع بِهِ هَذِه الآفة أَن يعوّدها أَن تغْضب لَهُ سُبْحَانَهُ وترضى لَهُ، فَكلما دَخلهَا شَيْء من الْغَضَب وَالرِّضَا لَهُ خرج مِنْهَا مُقَابِله من الْغَضَب وَالرِّضَا لَهَا، وَكَذَا بِالْعَكْسِ.

** وَأما الشَّهْوَة فدواؤها صِحَة الْعلم والمعرفة بِأَن إعطاءها شهواتها أعظم أَسبَاب حرمانها إِيَّاهَا ومنعها مِنْهَا، وحميتها أعظم أَسبَاب اتصالها إِلَيْهَا، فَكلما فتحت عَلَيْهَا بَاب الشَّهَوَات كنت ساعيا فِي حرمانها إِيَّاهَا، وَكلما أغلقت عَنْهَا ذَلِك الْبَاب كنت ساعيا فِي إيصالها إِلَيْهَا على أكمل الْوُجُوه.

** فالغضب مثل السَّبع، إِذا أفلته صَاحبه بَدَأَ بِأَكْلِهِ.

** والشهوة مثل النَّار، إِذا أضرمها صَاحبهَا بدأت بإحراقه.

** وَالْكبر بِمَنْزِلَة مُنَازعَة الْملك ملكه، فَإِن لم يهلكك طردك عَنهُ.

** والحسد بِمَنْزِلَة معاداة من هُوَ أقدر مِنْك.

** وَالَّذِي يغلب شَهْوَته وغضبه يفرق الشَّيْطَان من ظله وَمن تغلبه شَهْوَته وغضبه يفرق من خياله. اهـ

** وقال أيضا في كتابه: (الفوائد)، (ص: 58):

 أصول الخطايا كلها ثلاثة:

(1) الكبر: وهو الذي أصار ابليس الي ما أصاره.

(2) والحرص: وهو الذي أخرج آدم من الجنة

(3) والحسد: وهو الذي جرأ أحدا بني آدم علي أخيه.

** فمن وقى شر هذه الثلاثة فقد وقى الشر.

** فالكفر من الكبر، والمعاصي من الحرص، والبغي والظلم من الحسد. اهـ

** والله الموفق.

** كتبها: أبو عبد الله أحمد بن ثابت الوصابي

** السبت 20 / 11/ 1438 هـ

سلسلة الفوائد اليومية: (77) فائدة اليوم بعنوان: (((مَنْ، بفتح الميم) ترد في كلام العرب على أربعة أوجه، وقد يحتمل مثال واحد هذه الأوجه الأربعة))

** قال ابن هشام في كتابه: (مغني اللبيب عن كتب الأعاريب)، (ص: 431):

(مَنْ) على أَرْبَعَة أوجه:

1 -شَرْطِيَّة، نَحْو: (من تكرمْ أكرمْ)، بسكون الفعلين، وقوله تعالى: {مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ}.

2 -واستفهامية، فتحتاج إِلَى جَوَاب، نَحْو: (من تكرمُ) برفع الفعل، وقوله تعالى: {مَنْ بَعَثنا منْ مَرْقَدِنَا}، {فَمن رَبكُمَا يَا مُوسَى}.

** وَإِذا قيل: (من يفعلُ هَذَا إِلَّا زيد) فَهِيَ (من) الاستفهامية، أشربت معنى النَّفْي، أي: (لا يفعلُ هَذَا إِلَّا زيد)، وَمِنْه قوله تعالى: {وَمن يغْفر الذُّنُوب إِلَّا الله}.

** وَلَا يتَقَيَّد جَوَاز ذَلِك بِأَن يتقدمها الْوَاو خلافًا لِابْنِ مَالك بِدَلِيل {من ذَا الَّذِي يشفع عِنْده إِلَّا بِإِذْنِهِ}.

3 -وموصولة، فِي نَحْو: (زارني من علمته) أي الذي علمته، وَمِنْه قوله تعالى: {ألم تَرَ أَن الله يسْجد لَهُ من فِي السَّمَاوَات وَمن فِي الأَرْض}.

4 -ونكرة مَوْصُوفَة، وَلِهَذَا دخلت عَلَيْهَا رب فِي قَوْل الشاعر:

(رُبَّ مَنْ أنضجْتُ غَيظاً قَلْبَهُ    ***    قَدْ تَمَنَّى لِيَ مَوْتاً لم يُطَعْ)

أي رُبَّ رجلٍ، أو شخص.

** ووصفت بالنكرة فِي نَحْو قَوْلهم: (مَرَرْتُ بمَنْ مُعْجِبٍ لك) بإِنْسَان مُعْجِبٍ لك.

((تَنْبِيه)):

** إذا قلت: (من يكرمني أكْرمه) احتملت (من) الْأَوْجه الْأَرْبَعَة:

** فَإِن قدرتها شَرْطِيَّة جزمت الْفِعْلَيْنِ.

** أَو مَوْصُولَة أَو مَوْصُوفَة رفعتهما.

** أو استفهامية رفعت الأول وجزمت الثَّانِي لِأَنَّهُ جَوَاب بِغَيْر الْفَاء.

** وَ(مَنْ) فِيهِنَّ مُبْتَدأ.

** وَخبر الاستفهامية الْجُمْلَة الأولى.

** وخبر الموصولة أَو الموصوفة الْجُمْلَة الثَّانِيَة.

** وخبر الشرطية الْجُمْلَة الأولى أَو الثَّانِيَة على خلاف فِي ذَلِك.

** وَتقول: (من زارني زرته) فَلَا تحسن الاستفهامية وَيحسن مَا عَداهَا. اهـ بتصرف وزيادة

** والله الموفق.

** كتبها: أبو عبد الله أحمد بن ثابت الوصابي

** السبت 20 / 11/ 1438 هـ

سلسلة الفوائد اليومية: (76) فائدة اليوم بعنوان: (شر الشيطان محصور في ستة أمور)

** قال ابن القيم في كتابه: (بدائع الفوائد)، (2/ 260):

** ولا يمكن حصر أجناس شره فضلا عن آحادها؛ إذ كل شر في العالم فهو السبب فيه , ولكن ينحصر شره في ستة أجناس , لا يزال بابن آدم حتى ينال منه واحدا منها أو أكثر .

 ** الشر الأول:

شر الكفر والشرك ومعاداة الله ورسوله، فإذا ظفر بذلك من ابن آدم برد أنينه واستراح من تعبه معه، وهو أول ما يريد من العبد فلا يزال به حتى يناله منه فإذا نال ذلك صيره من جنده وعسكره واستنابه على أمثاله وأشكاله فصار من دعاة إبليس ونوابه فإذا يئس منه من ذلك وكان ممن سبق له الإسلام في بطن أمه نقله إلى:

 ** المرتبة الثانية من الشر:

وهي البدعة، وهي أحب إليه من الفسوق والمعاصي؛ لأن ضررها في نفس الدين، وهو ضرر متعد، وهي ذنب لا يتاب منه، وهي مخالفة لدعوة الرسل ودعاء إلى خلاف ما جاءوا به، وهي باب الكفر والشرك، فإذا نال منه البدعة وجعله من أهلها بقي أيضا نائبه وداعيا من دعاته، فإن أعجزه من هذه المرتبة وكان العبد ممن سبقت له من الله موهبة السنة ومعاداة أهل البدع والضلال نقله إلى:

 ** المرتبة الثالثة من الشر:

وهي الكبائر على اختلاف أنواعها فهو أشد حرصا على أن يوقعه فيها ولا سيما إن كان عالما متبوعا فهو حريص على ذلك لينفر الناس عنه , ثم يشيع من ذنوبه ومعاصيه في الناس , ويستنيب منهم من يشيعها ويذيعها تدينا وتقربا بزعمه إلى الله تعالى وهو نائب إبليس ولا يشعر ؛ فإن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم , هذا إذا أحبوا إشاعتها وإذاعتها فكيف إذا تولوا هم إشاعتها وإذاعتها لا نصيحة منهم ولكن طاعة لإبليس ونيابة عنه , كل ذلك لينفر الناس عنه وعن الانتفاع به , وذنوب هذا ولو بلغت عنان السماء أهون عند الله من ذنوب هؤلاء فإنها ظلم منه لنفسه إذا استغفر الله وتاب إليه قبل الله توبته وبدل سيئاته حسنات , وأما ذنوب أولئك فظلم للمؤمنين وتتبع لعورتهم وقصد لفضيحتهم والله سبحانه بالمرصاد لا تخفى عليه كمائن الصدور ودسائس النفوس , فإن عجز الشيطان عن هذه المرتبة نقله إلى :

 ** المرتبة الرابعة:

وهي الصغائر التي إذا اجتمعت فربما أهلكت صاحبها كما قال النبي صلى الله عليه وسلم “إياكم ومحقرات الذنوب؛ فإن مثل ذلك مثل قوم نزلوا بفلاة من الأرض ” وذكر حديثا معناه: أن كل واحد منهم جاء بعود حطب حتى أوقدوا نارا عظيمة فطبخوا واشتووا، ولا يزال يسهل عليه أمر الصغائر حتى يستهين بها فيكون صاحب الكبيرة الخائف منها أحسن حالا منه، فإن أعجزه العبد من هذه المرتبة نقله إلى:

 ** المرتبة الخامسة:

وهي إشغاله بالمباحات التي لا ثواب فيها ولا عقاب، بل عاقبتها فوت الثواب الذي ضاع عليه باشتغاله بها، فإن أعجزه العبد من هذه المرتبة وكان حافظا لوقته شحيحا به يعلم مقدار أنفاسه وانقطاعها وما يقابلها من النعيم والعذاب نقله إلى:

 ** المرتبة السادسة:

وهو أن يشغله بالعمل المفضول عما هو أفضل منه ليزيح عنه الفضيلة ويفوته ثواب العمل الفاضل فيأمره بفعل الخير المفضول ويحضه عليه ويحسنه له إذا تضمن ترك ما هو أفضل وأعلى منه , وقل من يتنبه لهذا من الناس فإنه إذا رأى فيه داعيا قويا ومحركا إلى نوع من الطاعة لا يشك أنه طاعة وقربة فإنه لا يكاد يقول : إن هذا الداعي من الشيطان ؛ فإن الشيطان لا يأمر بخير , ويرى أن هذا خير , فيقول : هذا الداعي من الله , وهو معذور , ولم يصل علمه إلى أن الشيطان يأمر بسبعين بابا من أبواب الخير إما ليتوصل بها إلى باب واحد من الشر وإما ليفوت بها خيرا أعظم من تلك السبعين بابا وأجل وأفضل , وهذا لا يتوصل إلى معرفته إلا بنور من الله يقذفه في قلب العبد يكون سببه تجريد متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم وشدة عنايته بمراتب الأعمال عند الله وأحبها إليه وأرضاها له وأنفعها للعبد وأعمها نصيحة لله تعالى ولرسوله ولكتابه ولعباده المؤمنين خاصتهم وعامتهم , ولا يعرف هذا إلا من كان من ورثة الرسول صلى الله عليه وسلم ونوابه في الأمة وخلفائه في الأرض , وأكثر الخلق محجوبون عن ذلك فلا يخطر بقلوبهم , والله تعالى يمن بفضله على من يشاء من عباده .

 ** فإن أعجزه العبد من هذه المراتب الست وأعيا عليه سلط عليه حزبه من الإنس والجن بأنواع الأذى والتكفير والتضليل والتبديع والتحذير منه وقصد إخماله وإطفائه ليشوش عليه قلبه ويشغل بحربه فكره، وليمنع الناس من الانتفاع به فيبقى سعيه في تسليط المبطلين من شياطين الإنس والجن عليه ولا يفتر ولا يني، فحينئذ يلبس المؤمن لأمة الحرب ولا يضعها عنه إلى الموت، ومتى وضعها أسر أو أصيب فلا يزال في جهاد حتى يلقى الله.

** فتأمل هذا الفصل وتدبر موقعه وعظيم منفعته واجعله ميزانك تزن به الناس وتزن به الأعمال فإنه يطلعك على حقائق الوجود ومراتب الخلق.

** والله المستعان وعليه التكلان ولو لم يكن في هذا التعليق إلا هذا الفصل لكان نافعا لمن تدبره ووعاه.  اهـ

** والله الموفق.

** كتبها: أبو عبد الله أحمد بن ثابت الوصابي

 ** الجمعة 19 / 11/ 1438 هـ

سلسلة الفوائد اليومية : (75) فائدة اليوم بعنوان : (رباعيات طبية مفيدة من كلام ابن القيم رحمه الله )

**  قال الإمام ابن القيم في كتابه: ( زاد المعاد )، (4/ 379):

 فَصْلٌ :

 **  أَرْبَعَةٌ تَهْدِمُ الْبَدَنَ : الْهَمُّ، وَالْحُزْنُ، وَالْجُوعُ، وَالسَّهَرُ .

 **  وَأَرْبَعَةٌ تُفْرِحُ : النَّظَرُ إِلَى الْخُضْرَةِ، وَإِلَى الْمَاءِ الْجَارِي، وَالْمَحْبُوبِ، وَالثِّمَارِ .

 **  وَأَرْبَعَةٌ تُظْلِمُ الْبَصَرَ : الْمَشْيُ حَافِيًا، وَالتَّصَبُّحُ وَالتَّمَسِّي بِوَجْهِ الْبَغِيضِ وَالثَّقِيلِ، وَالْعَدُوِّ، وَكَثْرَةُ الْبُكَاءِ، وَكَثْرَةُ النَّظَرِ فِي الْخَطِّ الدَّقِيقِ .

 **  وَأَرْبَعَةٌ تُقَوِّي الْجِسْمَ : لُبْسُ الثَّوْبِ النَّاعِمِ، وَدُخُولُ الحمام المعتدل، وأكل الطعام الحلو الدسم، وَشَمُّ الرَّوَائِحِ الطَّيِّبَةِ .

 **  وَأَرْبَعَةٌ تُيَبِّسُ الْوَجْهَ، وَتُذْهِبُ مَاءَهُ وَبَهْجَتَهُ وَطَلَاوَتَهُ :

الْكَذِبُ، وَالْوَقَاحَةُ، وَكَثْرَةُ السُّؤَالِ عَنْ غَيْرِ عِلْمٍ، وَكَثْرَةُ الْفُجُورِ .

 **  وَأَرْبَعَةٌ تَزِيدُ فِي مَاءِ الْوَجْهِ وَبَهْجَتِهِ : الْمُرُوءَةُ، وَالْوَفَاءُ، وَالْكَرَمُ، وَالتَّقْوَى .

 **  وَأَرْبَعَةٌ تَجْلِبُ الْبَغْضَاءَ وَالْمَقْتَ : الْكِبْرُ، وَالْحَسَدُ، والكذب، والنميمة .

**  وَأَرْبَعَةٌ تَجْلِبُ الرِّزْقَ : قِيَامُ اللَّيْلِ، وَكَثْرَةُ الِاسْتِغْفَارِ بِالْأَسْحَارِ، وَتَعَاهُدُ الصَّدَقَةِ، وَالذِّكْرُ أَوَّلَ النَّهَارِ وَآخِرَهُ .

 **  وَأَرْبَعَةٌ تَمْنَعُ الرِّزْقَ : نَوْمُ الصُّبْحَةِ، وَقِلَّةُ الصَّلَاةِ، وَالْكَسَلُ، وَالْخِيَانَةُ.

 **  وَأَرْبَعَةٌ تَضُرُّ بِالْفَهْمِ وَالذِّهْنِ : إِدْمَانُ أَكْلِ الْحَامِضِ وَالْفَوَاكِهِ، وَالنَّوْمُ عَلَى الْقَفَا، وَالْهَمُّ، وَالْغَمُّ .

 **  وَأَرْبَعَةٌ تَزِيدُ فِي الْفَهْمِ : فَرَاغُ الْقَلْبِ، وَقِلَّةُ التَّمَلِّي مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَحُسْنُ تَدْبِيرِ الْغِذَاءِ بِالْأَشْيَاءِ الْحُلْوَةِ وَالدَّسِمَةِ، وَإِخْرَاجُ الْفَضَلَاتِ الْمُثْقِلَةِ لِلْبَدَنِ .

 ** وَمِمَّا يَضُرُّ بِالْعَقْلِ :إِدْمَانُ أَكْلِ الْبَصَلِ، وَالْبَاقِلَّا، وَالزَّيْتُونِ، وَالْبَاذِنْجَانِ، وَكَثْرَةُ الْجِمَاعِ، وَالْوَحْدَةُ، وَالْأَفْكَارُ، وَالسُّكْرُ، وَكَثْرَةُ الضَّحِكِ، وَالْغَمُّ .

 **  قَالَ بَعْضُ أَهْلِ النَّظَرِ: قُطِعْتُ فِي ثَلَاثِ مَجَالِسَ، فَلَمْ أَجِدْ لِذَلِكَ عِلَّةً إِلَّا أَنِّي أَكْثَرْتُ مِنْ أَكْلِ الْبَاذِنْجَانِ فِي أَحَدِ تِلْكَ الْأَيَّامِ، وَمِنَ الزَّيْتُونِ فِي الْآخَرِ، وَمِنَ الْبَاقِلَّا فِي الثَّالِثِ . اهـ

 **  والله الموفق .

**  كتبها : أبو عبد الله أحمد بن ثابت الوصابي

**  الأربعاء 17 / 11/ 1438 هـ

 

سلسلة الفوائد اليومية : (74) فائدة اليوم بعنوان: (الْفرق بَين خشوع الْإِيمَان وخشوع النِّفَاق)

**  قال ابن القيم في كتابه : ( الروح )، (ص: 232) :

فصل :

 **  وَالْفرق بَين خشوع الْإِيمَان وخشوع النِّفَاق :

**  أَن خشوع الْإِيمَان هُوَ خشوع الْقلب لله بالتعظيم والإجلال وَالْوَقار والمهابة وَالْحيَاء فينكسر الْقلب لله كسرة ملتئمة من الوجل والخجل وَالْحب وَالْحيَاء وشهود نعم الله وجناياته هُوَ فيخشع الْقلب لَا محَالة فيتبعه خشوع الْجَوَارِح .

**  وَأما خشوع النِّفَاق فيبدو على الْجَوَارِح تصنعا وتكلفا وَالْقلب غير خاشع .

**  وَكَانَ بعض الصَّحَابَة يَقُول : أعوذ بِاللَّه من خشوع النِّفَاق،

قيل لَهُ : وَمَا خشوع النِّفَاق ؟ قَالَ : أَن يرى الْجَسَد خَاشِعًا وَالْقلب غير خاشع .

**  فالخاشع لله عبد قد خمدت نيران شَهْوَته وَسكن دخانها عَن صَدره فإنجلى الصَّدْر وأشرق فِيهِ نور العظمة فَمَاتَتْ شهوات النَّفس للخوف وَالْوَقار الَّذِي حشي بِهِ وخمدت الْجَوَارِح وتوقر الْقلب وَاطْمَأَنَّ إِلَى الله وَذكره بِالسَّكِينَةِ الَّتِي نزلت عَلَيْهِ من ربه فَصَارَ مخبتا لَهُ والمخبت المطمئن .

**  فَإِن الخبت من الأَرْض مَا اطْمَأَن فإستنقع فِيهِ المَاء .

**  فَكَذَلِك الْقلب المخبت قد خشع وَاطْمَأَنَّ كالبقعة المطمئنة من الأَرْض الَّتِي يجْرِي إِلَيْهَا المَاء فيستقر فِيهَا،

**  وعلامته : أَن يسْجد بَين يَدي ربه إجلالا وذلا وانكسارا بَين يَدَيْهِ سَجْدَة لَا يرفع رَأسه عَنْهَا حَتَّى يلقاه، فَهَذَا خشوع الْإِيمَان .

**  وَأما الْقلب المتكبر فَإِنَّهُ قد اهتز بتكبره وَربا فَهُوَ كبقعة رابية من الأَرْض لَا يسْتَقرّ عَلَيْهَا المَاء .

**  وَأما التماوت وخشوع النِّفَاق فَهُوَ حَال عِنْد تكلّف إسكان الْجَوَارِح تصنعا ومراءاة وَنَفسه فِي الْبَاطِن شَابة طرية ذَات شهوات وإرادات فَهُوَ يخشع فِي الظَّاهِر وحية الْوَادي وَأسد الغابة رابض بَين جَنْبَيْهِ ينْتَظر الفريسة . اهـ بتصرف

**  والله الموفق .

**  كتبها : أبو عبد الله أحمد بن ثابت الوصابي

**  الثلاثاء 16 / 11/ 1438 هـ

سلسلة الفوائد اليومية : (73) فائدة اليوم بعنوان: ( القصص الإسرائيلية – من حيث القبول والرد - على ثلاثة أقسام )

** قال شيخ الإسلام في كتابه: (مقدمة في أصول التفسير)، (ص: 42):

( …  وَلَكِنَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ الْإِسْرَائِيلِيَّةَ تُذْكَرُ لِلِاسْتِشْهَادِ لَا لِلِاعْتِضَادِ .

**  فَإِنَّهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ :

**  أَحَدُهَا مَا عَلِمْنَا صِحَّتَهُ مِمَّا بِأَيْدِينَا مِمَّا يَشْهَدُ لَهُ بِالصِّدْقِ فَذَاكَ صَحِيحٌ. **  وَالثَّانِي مَا عَلِمْنَا كَذِبَهُ بِمَا عِنْدَنَا مِمَّا يُخَالِفُهُ .

**  وَالثَّالِثُ مَا هُوَ مَسْكُوتٌ عَنْهُ لَا مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ وَلَا مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ ، فَلَا نؤمن به ولا نكذبه ويجوز حِكَايَتُهُ لِمَا تَقَدَّمَ،

 

**  وَغَالِبُ ذَلِكَ مِمَّا لَا فَائِدَةَ فِيهِ تَعُودُ إِلَى أَمْرٍ دِينِيٍّ .

 

**  وَلِهَذَا يَخْتَلِفُ عُلَمَاءُ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي هَذَا كَثِيرًا .

**  وَيَأْتِي عَنِ الْمُفَسِّرِينَ خِلَافٌ بِسَبَبِ ذَلِكَ ،

**  كَمَا يَذْكُرُونَ فِي مِثْلِ هَذَا أَسْمَاءَ أَصْحَابِ الْكَهْفِ ، ولون كلبهم، وعددهم،

**  وَعَصَا مُوسَى مِنْ أَيِّ الشَّجَرِ كَانَتْ ،

**  وَأَسْمَاءَ الطُّيُورِ الَّتِي أَحْيَاهَا اللَّهُ لِإِبْرَاهِيمَ،

**  وَتَعْيِينَ الْبَعْضِ الَّذِي ضُرِبَ بِهِ الْقَتِيلُ مِنَ الْبَقَرَةِ،

**  وَنَوْعَ الشَّجَرَةِ الَّتِي كَلَّمَ اللَّهُ مِنْهَا مُوسَى،

**  إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا أَبْهَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ مِمَّا لَا فَائِدَةَ فِي تَعْيِينِهِ تَعُودُ على المكلفين في دينهم ولا دنياهم .

**  وَلَكِنَّ نَقْلَ الْخِلَافِ عَنْهُمْ فِي ذَلِكَ جَائِزٌ كَمَا قَالَ تَعَالَى : { سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ، وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ، وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ، قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلَّا مِراءً ظاهِراً وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً } [الْكَهْفِ: 22]

 

**  فَقَدِ اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ عَلَى الْأَدَبِ فِي هَذَا الْمَقَامِ وَتَعْلِيمِ مَا يَنْبَغِي فِي مِثْلِ هَذَا،

**  فَإِنَّهُ تَعَالَى أَخْبَرَ عَنْهُمْ بِثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ ضَعَّفَ الْقَوْلَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ وَسَكَتَ عَنِ الثَّالِثِ، فَدَلَّ عَلَى صِحَّتِهِ ؛ إِذْ لَوْ كَانَ بَاطِلًا لَرَدَّهُ كَمَا رَدَّهُمَا ، ثُمَّ أَرْشَدَ على أن الاطلاع عَلَى عِدَّتِهِمْ لَا طَائِلَ تَحْتَهُ فَقَالَ فِي مِثْلِ هَذَا : { قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ } فَإِنَّهُ ما يعلم ذلك إِلَّا قَلِيلٌ مِنَ النَّاسِ مِمَّنْ أَطْلَعَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ ،

فَلِهَذَا قَالَ : { فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلَّا مِراءً ظاهِراً } أَيْ : لَا تُجْهِدْ نَفْسَكَ فِيمَا لَا طَائِلَ تَحْتَهُ ، وَلَا تَسْأَلْهُمْ عَنْ ذَلِكَ ؛ فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا رَجْمَ الْغَيْبِ.

 

**  فَهَذَا أَحْسَنُ مَا يَكُونُ فِي حِكَايَةِ الْخِلَافِ :

**  أَنْ تَسْتَوْعِبَ الْأَقْوَالَ فِي ذَلِكَ الْمَقَامِ ،

**  وَأَنْ تُنَبِّهَ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْهَا وَتُبْطِلَ الْبَاطِلَ  ،

**  وَتَذْكُرَ فَائِدَةَ الْخِلَافِ وَثَمَرَتَهُ لِئَلَّا يَطُولَ الْنِزَاعُ وَالْخِلَافُ فِيمَا لَا فَائِدَةَ تَحْتَهُ، فَتَشْتَغِلُ بِهِ عَنِ الْأَهَمِّ فَالْأَهَمِّ .

 

**  فَأَمَّا مَنْ حَكَى خِلَافًا فِي مَسْأَلَةٍ وَلَمْ يَسْتَوْعِبْ أَقْوَالَ النَّاسِ فِيهَا فَهُوَ نَاقِصٌ إِذْ قَدْ يَكُونُ الصَّوَابُ فِي الَّذِي تَرَكَهُ،

**  أَوْ يَحْكِي الْخِلَافَ وَيُطْلِقُهُ وَلَا يُنَبِّهُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْأَقْوَالِ فَهُوَ نَاقِصٌ أَيْضًا،

 

**  فَإِنْ صَحَّحَ غَيْرَ الصَّحِيحِ عَامِدًا فَقَدْ تَعَمَّدَ الْكَذِبَ، أَوْ جَاهِلًا فَقَدْ أَخْطَأَ، **  وَكَذَلِكَ مَنْ نَصَبَ الْخِلَافَ فِيمَا لَا فَائِدَةَ تَحْتَهُ  .

**  أَوْ حَكَى أَقْوَالًا مُتَعَدِّدَةً لَفْظًا وَيَرْجِعُ حَاصِلُهَا إِلَى قَوْلٍ أَوْ قَوْلَيْنِ مَعْنًى فَقَدْ ضَيَّعَ الزَّمَانَ وَتَكَثَّرَ بِمَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ فَهُوَ كَلَابِسِ ثوبي زور،

والله الموفق للصواب . اهـ

** وذكر هذه الفائدة بنصها الحافظ المفسر ابن كثير في (تفسيره)، ط. العلمية( 1 / 10)، ولكنه لم يعزها إلى شيخ الإسلام.

 

**  والله الموفق .

**  كتبها : أبو عبد الله أحمد بن ثابت الوصابي

**  الإثنين  15 / 11/ 1438 هـ

 

سلسلة الفوائد اليومية : (72) فائدة اليوم بعنوان : ( أحسن الطرق في تفسير القران )

**  إن أحسن طرق تفسير القران الكريم هي :

( 1 ) تفسير القرآن بالقرآن، فما أجمل في مكان فإنه قد فسر في موضع آخر ، وما اختصر في مكان فقد بسط في موضع آخر .

( 2) تفسير القرآن بالسنة فإنها شارحة للقرآن وموضحة له .

( 3 ) تفسير القرآن بأقوال الصحابة – رضي الله عنهم – فإنهم أدرى بذلك حيث إنهم حضروا التنزيل وشاهدوا من القرائن والأحوال ما لم يعلمه غيرهم .

( 4) تفسير القرآن بأقوال التابعين الذين تعلموا على الصحابة وأخذوا عنهم .

( 5) تفسير القرآن بما تقتضيه اللغة العربية .

**  قال شيخ الإسلام في كتابه: (مقدمة في أصول التفسير)، (ص: 39):

**  فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَمَا أَحْسَنُ طُرُقِ التَّفْسِيرِ ؟

**  فَالْجَوَابُ : إِنَّ أَصَحَّ الطُّرُقِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُفَسَّرَ الْقُرْآنُ بِالْقُرْآنِ ، فَمَا أجمل في مكان فإنه قد بسط فِي مَوْضِعٍ آخَرَ .

 

**  فَإِنْ أَعْيَاكَ ذَلِكَ فَعَلَيْكَ بِالسُّنَّةِ ؛ فَإِنَّهَا شَارِحَةٌ لِلْقُرْآنِ وَمُوَضِّحَةٌ لَهُ،

**  بَلْ قَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى : كُلُّ مَا حَكَمَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ مِمَّا فَهِمَهُ مِنَ الْقُرْآنِ .

**  قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: { إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً } [النِّسَاءِ: 105] ،

**  وَقَالَ تَعَالَى : { وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } [النحل: 64]

**  وَقَالَ تَعَالَى: { وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } [النَّحْلِ: 44]

 

**  وَلِهَذَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْقُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ »  يَعْنِي السُّنَّةَ .

**  وَالسُّنَّةُ أَيْضًا تَنْزِلُ عَلَيْهِ بِالْوَحْيِ كَمَا يَنْزِلُ الْقُرْآنُ إِلَّا أَنَّهَا لَا تُتْلَى كَمَا يُتْلَى الْقُرْآنُ .

**  وَقَدِ اسْتَدَلَّ الْإِمَامُ الشافعي رحمه الله تعالى وَغَيْرُهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ عَلَى ذَلِكَ بِأَدِلَّةٍ كَثِيرَةٍ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ ذَلِكَ  ، …

 

**  وَحِينَئِذٍ إِذَا لَمْ نَجِدِ التَّفْسِيرَ فِي الْقُرْآنِ وَلَا فِي السُّنَّةِ رَجَعْنَا فِي ذَلِكَ إِلَى أَقْوَالِ الصَّحَابَةِ ؛ فَإِنَّهُمْ أَدْرَى بِذَلِكَ :

**  لِمَا شَاهَدُوا مِنَ الْقَرَائِنِ وَالْأَحْوَالِ الَّتِي اخْتُصُّوا بِهَا،

**  وَلِمَا لَهُمْ مِنَ الْفَهْمِ التَّامِّ وَالْعِلْمِ الصَّحِيحِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ ،

**  لَا سِيَّمَا عُلَمَاؤُهُمْ وكبراؤهم كالأئمة الأربعة الخلفاء الرَّاشِدِينَ، وَالْأَئِمَّةِ الْمَهْدِيِّينَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .

 

**  قَالَ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ نُوحٍ حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ : وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ مَا نَزَلَتْ آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ إِلَّا وَأَنَا أَعْلَمُ فِيمَنْ نَزَلَتْ، وَأَيْنَ نَزَلَتْ . 

**  وَلَوْ أَعْلَمُ مَكَانَ أَحَدٍ أَعْلَمَ بِكِتَابِ اللَّهِ مِنِّي تَنَالُهُ الْمَطَايَا لَأَتَيْتُهُ  .

 

**  وَقَالَ الْأَعْمَشُ أَيْضًا عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : كَانَ الرَّجُلُ مِنَّا إِذَا تَعَلَّمَ عَشْرَ آيَاتٍ لَمْ يُجَاوِزْهُنَّ حَتَّى يَعْرِفَ مَعَانِيَهُنَّ وَالْعَمَلَ بِهِنَّ .

 

**  وَقَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ: حَدَّثَنَا الَّذِينَ كَانُوا يُقْرِئُونَنَا أَنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَقْرِئُونَ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَانُوا إِذَا تَعَلَّمُوا عَشْرَ آيَاتٍ لَمْ يَخْلُفُوهَا حَتَّى يَعْمَلُوا بِمَا فِيهَا مِنَ الْعَمَلِ فَتَعَلَّمْنَا الْقُرْآنَ وَالْعَمَلَ جَمِيعًا .

 

**  وَمِنْهُمُ الْحَبْرُ الْبَحْرُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ ابْنُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وترجمان القرآن ببركة دُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ حَيْثُ قَالَ: « اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ»

 

**  وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ وحدثنا وَكِيعٌ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ مُسْلِمٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ: نِعْمَ تُرْجُمَانُ الْقُرْآنِ ابْنُ عَبَّاسٍ .

 

**  ثُمَّ رَوَاهُ عَنْ يَحْيَى بْنِ دَاوُدَ عَنْ إِسْحَاقَ الْأَزْرَقِ عَنْ سُفْيَانَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ صُبَيْحٍ أَبِي الضُّحَى عَنْ مَسْرُوقٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: نِعْمَ التُّرْجُمَانُ لِلْقُرْآنِ ابْنُ عَبَّاسٍ .

 

**  ثُمَّ رَوَاهُ عَنْ بُنْدَارٍ عَنْ جَعْفَرِ بن عون عن الأعمش به كَذَلِكَ .

 

**  فَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ إِلَى ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذِهِ الْعِبَارَةَ .

 

**  وَقَدْ مَاتَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ عَلَى الصَّحِيحِ وَعُمِّرَ بعده عبد الله بن عَبَّاسٍ سِتًّا وَثَلَاثِينَ سَنَةً، فَمَا ظَنُّكَ بِمَا كَسَبَهُ مِنَ الْعُلُومِ بَعْدَ ابْنِ مَسْعُودٍ.

 

**  وَقَالَ الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي وَائِلٍ : اسْتَخْلَفَ عَلِيٌّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ عَلَى الْمَوْسِمِ فَخَطَبَ النَّاسَ فَقَرَأَ فِي خُطْبَتِهِ سُورَةَ الْبَقَرَةِ وَفِي رِوَايَةٍ سُورَةَ النُّورِ فَفَسَّرَهَا تَفْسِيرًا لَوْ سَمِعَتْهُ الرُّومُ وَالتُّرْكُ وَالدَّيْلَمُ لَأَسْلَمُوا  .

….

**  [فَصْلٌ] إِذَا لَمْ تَجِدِ التَّفْسِيرَ فِي الْقُرْآنِ وَلَا فِي السُّنَّةِ وَلَا وَجَدْتَهُ عَنِ الصَّحَابَةِ، فَقَدْ رَجَعَ كَثِيرٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ فِي ذَلِكَ إِلَى أَقْوَالِ التَّابِعِينَ :

**  كَمُجَاهِدِ بْنِ جَبْرٍ ؛ فَإِنَّهُ كَانَ آيَةً فِي التَّفْسِيرِ كَمَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنَا أَبَانُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: عَرَضْتُ الْمُصْحَفَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ثَلَاثَ عَرَضَاتٍ مِنْ فَاتِحَتِهِ إِلَى خَاتِمَتِهِ أُوقِفُهُ عِنْدَ كُلِّ آيَةٍ مِنْهُ وَأَسْأَلُهُ عَنْهَا.

 

**  وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ حَدَّثَنَا طَلْقُ بْنُ غَنَّامٍ عَنْ عُثْمَانَ الْمَكِّيِّ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: رَأَيْتُ مُجَاهِدًا سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ وَمَعَهُ أَلْوَاحُهُ قَالَ: فَيَقُولُ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: اكْتُبْ، حَتَّى سَأَلَهُ عَنِ التَّفْسِيرِ كُلِّهِ.

 

**  وَلِهَذَا كَانَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ يَقُولُ: إِذَا جَاءَكَ التَّفْسِيرُ عَنْ مُجَاهِدٍ فَحَسْبُكَ بِهِ،

 

**  وَكَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَعِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَمَسْرُوقِ بْنِ الْأَجْدَعِ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَأَبِي الْعَالِيَةِ وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ وَقَتَادَةَ وَالضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ وَغَيْرِهِمْ مِنَ التَّابِعِينَ وَتَابِعِيهِمْ وَمَنْ بَعْدَهُمْ ،

 

**  فتذكر أقوالهم في الآية فيقع في عبارتهم تَبَايُنٌ فِي الْأَلْفَاظِ يَحْسَبُهَا مَنْ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ اخْتِلَافًا فَيَحْكِيهَا أَقْوَالًا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ يُعَبِّرُ عَنِ الشَّيْءِ بِلَازِمِهِ أَوْ بِنَظِيرِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَنُصُّ عَلَى الشَّيْءِ بِعَيْنِهِ، والكل بمعنى واحد في أكثر الْأَمَاكِنِ فَلْيَتَفَطَّنِ اللَّبِيبُ لِذَلِكَ وَاللَّهُ الْهَادِي .

اهـ باختصار   

** وذكر هذه الفائدة بنصها الحافظ ابن كثير في (تفسيره)، ط. العلمية( 1 / 8)، ولكنه لم يعزها إلى شيخ الإسلام.

 

 

**  ذكر بعض الأمثلة على تفسير القرآن بالقرآن، وبالسنة، وبالآثار، وباللغة العربية .

 

 

**  قال العلامة ابن عثيمين في كتابه : ( أصول في التفسير )، (ص: 25) :

 

( المرجع في تفسير القرآن )

**  يرجع في تفسير القرآن إلى ما يأتي :

أ- كلام الله تعالى: فيفسر القرآن بالقرآن، لأن الله تعالى هو الذي أنزله، وهو أعلم بما أراد به.

 

**  ولذلك أمثلة منها :

 

(1)- قوله تعالى: { أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ } (يونس: 62)

**  فقد فسر { أولياء الله } بقوله في الآية التي تليها: { الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ }  (يونس: 63)

 

(2)- قوله تعالى: { وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ } (الطارق: 2)

**  فقد فسر { الطارق } بقوله في الآية الثانية: { النَّجْمُ الثَّاقِبُ } 

(الطارق: 3) .

 

(3)- قوله تعالى: { وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا }  (النازعات: 30)

**  فقد فسر { دحاها } بقوله في الآيتين بعدها: { أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا }  (النازعات: 31) { وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا }  (النازعات: 32) .

 

ب – كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيفسر القرآن بالسنة، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم مبلغ عن الله تعالى، فهو أعلم الناس بمراد الله تعالى كلامه.

 

**  ولذلك أمثلة منها:

 

(1)- قوله تعالى : { لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ }  (يونس: الآية 26) **  ففسر النبي صلى الله عليه وسلم الزيادة بالنظر إلى وجه الله تعالى،

**  فيما رواه ابن جرير وابن أبي حاتم صريحا من حديث أبي موسى وأبي بن كعب  .

**  ورواه جرير من حديث كعب بن عجرة  في ” صحيح مسلم ” 

عن صهيب بن سنان عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث قال فيه :

” فيكشف الحجاب فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل “، ثم تلا هذه الآية { لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ } (يونس: 26)

 

(2)- قوله تعالى: { وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ } (لأنفال: الآية 60)

**  فقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم القوة بالرمي. رواه مسلم ، وغيره من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه .

 

ج- كلام الصحابة رضي الله عنهم لا سيما ذوو العلم منهم والعناية بالتفسير، لأن القرآن نزل بلغتهم وفي عصرهم، ولأنهم بعد الأنبياء أصدق الناس في طلب الحق، وأسلمهم من الأهواء، وأطهرهم من المخالفة التي تحول بين المرء وبين التوفيق للصواب .

 

**  ولذلك أمثلة كثيرة جدا منها:

 

(1)- قوله تعالى: { وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ }  (النساء: الآية 43)

**  فقد صح عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنه فسر الملامسة بالجماع .

 

د- كلام التابعين الذين اعتنوا بأخذ التفسير عن الصحابة رضي الله عنهم، لأن التابعين خير الناس بعد الصحابة، وأسلم من الأهواء ممن بعدهم .

ولم تكن اللغة العربية تغيرت كثيرا في عصرهم، فكانوا أقرب إلى الصواب في فهم القرآن ممن بعدهم.

 **  قال شيخ الإسلام ابن تيميه: إذا أجمعوا – يعني التابعين – على الشيء فلا يرتاب في كونه حجة، فإن اختلفوا فلا يكون قول بعضهم حجة على بعض ولا على من بعدهم، ويرجع في ذلك إلى لغة القرآن، أو ألسنة، أو عموم لغة العرب، أو أقوال الصحابة في ذلك.

 

**  وقال أيضا: من عدل عن مذاهب الصحابة والتابعين وتفسيرهم إلى ما يخالف ذلك، كان مخطئا في ذلك، بل مبتدعا، وإن كان مجتهدا مغفورا له خطؤة، ثم قال: فمن خالف قولهم وفسر القرآن بخلاف تفسيرهم، فقد أخطأ في الدليل والمدلول جميعا .

 

هـ – ما تقتضيه الكلمات من المعاني الشرعية أو اللغوية حسب السياق لقوله تعالى: { إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ } ، (النساء: الآية 105)

**  وقوله: { إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ }  (الزخرف: 3)

**  وقوله: { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ } 

(إبراهيم: الآية 4) .

 

**  فإن اختلف المعنى الشرعي واللغوي، أخذ بما يقتضيه الشرعي، لأن القرآن نزل لبيان الشرع، لا لبيان اللغة إلا أن يكون هناك دليل يترجح به المعنى اللغوي فيؤخذ به .

 

**  مثال ما اختلف فيه المعنيان، وقدم الشرعي :

**  قوله تعالى في المنافقين: { وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً }  (التوبة: الآية 84)

**  فالصلاة في اللغة الدعاء، وفي الشرع هنا الوقوف على الميت للدعاء له بصفة مخصوصة فيقدم المعنى الشرعي، لأنه المقصود للمتكلم المعهود للمخاطب،

**  وأما منع الدعاء لهم على وجه الإطلاق فمن دليل آخر .

 

**  ومثال ما اختلف فيه المعنيان، وقدم فيه اللغوي بالدليل:

**  قوله تعالى { خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ } (التوبة: الآية 103)

**  فالمراد بالصلاة هنا الدعاء، وبدليل ما رواه مسلم عن عبد الله بن أبي أوفي، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتى بصدقة قوم، صلى عليهم، فأتاه أبي بصدقته فقال: ” اللهم صل على آل أبي أوفي “.

 

**  وأمثلة ما اتفق فيه المعنيان الشرعي واللغوي كثيرة : كالسماء والأرض ، والصدق ، والكذب ، والحجر ، والإنسان . اهـ

 

**  والله الموفق .

**  كتبها : أبو عبد الله أحمد بن ثابت الوصابي

**  الأحد  14 / 11/ 1438 هـ

 

سلسلة الفوائد اليومية : (71) فائدة اليوم بعنوان : ( سوء الْخُلُقِ يَقُومُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَرْكَانٍ )

**  قال ابن القيم في كتابه : ( مدارج السالكين )، (2/ 295) :

 **  وَمَنْشَأُ جَمِيعِ الْأَخْلَاقِ السَّافِلَةِ، وَبِنَاؤُهَا عَلَى أَرْبَعَةِ أَرْكَانٍ :

**  الْجَهْلُ، وَالظُّلْمُ، وَالشَّهْوَةُ، وَالْغَضَبُ .

 **  فَالْجَهْلُ : يُرِيهِ الْحَسَنَ فِي صُورَةِ الْقَبِيحِ، وَالْقَبِيحَ فِي صُورَةِ الْحَسَنِ. وَالْكَمَالَ نَقْصًا وَالنَّقْصَ كَمَالًا.

 **  وَالظُّلْمُ : يَحْمِلُهُ عَلَى وَضْعِ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ .

*  فَيَغْضَبُ فِي مَوْضِعِ الرِّضَا، وَيَرْضَى فِي مَوْضِعِ الْغَضَبِ .

*  وَيَجْهَلُ فِي مَوْضِعِ الْأَنَاةِ، وَيَبْخَلُ فِي مَوْضِعِ الْبَذْلِ .

*  وَيَبْذُلُ فِي مَوْضِعِ الْبُخْلِ، وَيُحْجِمُ فِي مَوْضِعِ الْإِقْدَامِ .

*  وَيُقْدِمُ فِي مَوْضِعِ الْإِحْجَامِ،  وَيَلِينُ فِي مَوْضِعِ الشِّدَّةِ .

*  وَيَشْتَدُّ فِي مَوْضِعِ اللِّينِ، وَيَتَوَاضَعُ فِي مَوْضِعِ الْعِزَّةِ .

*  وَيَتَكَبَّرُ فِي مَوْضِعِ التَّوَاضُعِ .

 **  وَالشَّهْوَةُ : تَحْمِلُهُ عَلَى الْحِرْصِ وَالشُّحِّ وَالْبُخْلِ، وَعَدَمِ الْعِفَّةِ وَالنَّهْمَةِ وَالْجَشَعِ، وَالذُّلِّ وَالدَّنَاءَاتِ كُلِّهَا .

 **  وَالْغَضَبُ : يَحْمِلُهُ عَلَى الْكِبْرِ وَالْحِقْدِ وَالْحَسَدِ، وَالْعُدْوَانِ وَالسَّفَهِ.

 **  وَيَتَرَكَّبُ مِنْ بَيْنِ كُلِّ خُلُقَيْنِ مِنْ هَذِهِ الْأَخْلَاقِ : أَخْلَاقٌ مَذْمُومَةٌ .

 **  وَمِلَاكُ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ أَصْلَانِ :

**  إِفْرَاطُ النَّفْسِ فِي الضَّعْفِ، وَإِفْرَاطُهَا فِي الْقُوَّةِ.

**  فَيَتَوَلَّدُ مِنْ إِفْرَاطِهَا فِي الضَّعْفِ : الْمَهَانَةُ وَالْبُخْلُ، وَالْخِسَّةُ وَاللُّؤْمُ، وَالذُّلُّ وَالْحِرْصُ، وَالشُّحُّ وَسَفْسَافُ الْأُمُورِ وَالْأَخْلَاقِ.

 **  وَيَتَوَلَّدُ مِنْ إِفْرَاطِهَا فِي الْقُوَّةِ : الظُّلْمُ وَالْغَضَبُ وَالْحِدَّةُ، وَالْفُحْشُ وَالطَّيْشُ. اهـ المراد، ويقرأ بقية كلامه الممتع والمفيد .

 والله الموفق .

كتبها : أبو عبد الله أحمد بن ثابت الوصابي

السبت  13 / 11/ 1438 هـ

 

 

سلسلة الفوائد اليومية :(70) فائدة اليوم بعنوان : ( حُسْنُ الْخُلُقِ يَقُومُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَرْكَانٍ )

**  قال ابن القيم في كتابه : ( مدارج السالكين )،(2/ 294) :

 فَصْلٌ

**  الدِّينُ كُلُّهُ خُلُقٌ . فَمَنْ زَادَ عَلَيْكَ فِي الْخُلُقِ  زَادَ عَلَيْكَ فِي الدِّينِ  …

**  وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ حُسْنَ الْخُلُقِ بَذْلُ النَّدَى، وَكَفُّ الْأَذَى، وَاحْتِمَالُ الْأَذَى.

**  وَقِيلَ: حُسْنُ الْخُلُقِ: بَذْلُ الْجَمِيلِ، وَكَفُّ الْقَبِيحِ.

**  وَقِيلَ: التَّخَلِّي مِنَ الرَّذَائِلِ، وَالتَّحَلِّي بِالْفَضَائِلِ .

**  وَحُسْنُ الْخُلُقِ يَقُومُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَرْكَانٍ لَا يُتَصَوَّرُ قِيَامُ سَاقِهِ إِلَّا عَلَيْهَا: الصَّبْرُ، وَالْعِفَّةُ، وَالشَّجَاعَةُ، وَالْعَدْلُ .

**  فَالصَّبْرُ: يَحْمِلُهُ عَلَى الِاحْتِمَالِ وَكَظْمِ الْغَيْظِ، وَكَفِّ الْأَذَى، وَالْحِلْمِ وَالْأَنَاةِ وَالرِّفْقِ، وَعَدَمِ الطَّيْشِ وَالْعَجَلَةِ.

**  وَالْعِفَّةُ: تَحْمِلُهُ عَلَى اجْتِنَابِ الرَّذَائِلِ وَالْقَبَائِحِ مِنَ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ،

**  وَتَحْمِلُهُ عَلَى الْحَيَاءِ، وَهُوَ رَأْسُ كُلِّ خَيْرٍ.

**  وَتَمْنَعُهُ مِنَ الْفَحْشَاءِ، وَالْبُخْلِ وَالْكَذِبِ، وَالْغَيْبَةِ وَالنَّمِيمَةِ.

 **  وَالشَّجَاعَةُ: تَحْمِلُهُ عَلَى عِزَّةِ النَّفْسِ، وَإِيثَارِ مَعَالِي الْأَخْلَاقِ وَالشِّيَمِ، وَعَلَى الْبَذْلِ وَالنَّدَى، الَّذِي هُوَ شَجَاعَةُ النَّفْسِ وَقُوَّتُهَا عَلَى إِخْرَاجِ الْمَحْبُوبِ وَمُفَارَقَتِهِ.

**  وَتَحْمِلُهُ عَلَى كَظْمِ الْغَيْظِ وَالْحِلْمِ ؛ فَإِنَّهُ بِقُوَّةِ نَفْسِهِ وَشَجَاعَتِهَا يُمْسِكُ عِنَانَهَا، وَيَكْبَحُهَا بِلِجَامِهَا عَنِ النَّزْغِ وَالْبَطْشِ. كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرْعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ: الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ » وَهُوَ حَقِيقَةُ الشَّجَاعَةِ، وَهِيَ مَلَكَةٌ يَقْتَدِرُ بِهَا الْعَبْدُ عَلَى قَهْرِ خَصْمِهِ.

**  وَالْعَدْلُ: يَحْمِلُهُ عَلَى اعْتِدَالِ أَخْلَاقِهِ، وَتَوَسُّطِهِ فِيهَا بَيْنَ طَرَفَيِ الْإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ.

**  فَيَحْمِلُهُ عَلَى خُلُقِ الْجُودِ وَالسَّخَاءِ الَّذِي هُوَ تَوَسُّطٌ بَيْنَ الذُّلِّ وَالْقِحَةِ.

**  وَعَلَى خُلُقِ الشَّجَاعَةِ، الَّذِي هُوَ تَوَسُّطٌ بَيْنَ الْجُبْنِ وَالتَّهَوُّرِ .

**  وَعَلَى خُلُقِ الْحِلْمِ، الَّذِي هُوَ تَوَسُّطٌ بَيْنَ الْغَضَبِ وَالْمَهَانَةِ وَسُقُوطِ النَّفْسِ.

وَمَنْشَأُ جَمِيعِ الْأَخْلَاقِ الْفَاضِلَةِ مِنْ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ . اهـ المراد

 والله الموفق .

كتبها : أبو عبد الله أحمد بن ثابت الوصابي

الجمعة  12 / 11/ 1438 هـ

سلسلة الفوائد اليومية : (69) فائدة اليوم بعنوان : ( معرفة سند علم النحو ، وطبقات النحويين )

**  قال الأزهري في كتابه : ( شرح التصريح على التوضيح )، (1/ 5):

 **  وقد تضافرت الروايات على أن أول من وضع النحو أبو الأسود،

**  وأنه أخذه أولا عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه،

 **  وكان أبو الأسود كوفي الدار، بصري المنشأ، ومات وقد أسن،

 **  واتفقوا على أن أول من وضع التصريف معاذ بن مسلم الهراء؛ بفتح الهاء وتشديد الراء، نسبة إلى بيع الثياب الهروية؛

 **  وكان تخرج بأبي الأسود؛ وأدب عبد الملك بن مروان،

 **  ثم خلف أبا الأسود خمسة نفر؛

**  أولهم : عنبسة الفيل، كان اسم أبيه معدان، قتل فيلا لعبد الله بن عامر بن كريز فسمي معدان الفيل ؛ وسمي ابنه عنبسة الفيل.

**  وثانيهم : ميمون الأقرن،

**  وثالثهم يحيى بن يعمر العدواني،

**  والرابع والخامس : ولدا أبي الأسود عطاء وأبو الحارث،

 **  ثم خلف هؤلاء عبد الله  بن [أبي] إسحاق الحضرمي؛

**  وعيسى بن عمر الثقفي؛

**  وأبو عمرو بن العلاء؛

 **  ثم خلفهم الخليل بن أحمد الفراهيدي؛

**  ثم سيبويه؛ والكسائي،

 **  ثم صار الناس بعد ذلك فريقين، كوفيا وبصريا،

 **  ثم خلف سيبويه أبو الحسن الأخفش الأوسط سعيد بن مسعدة،

وخلف الكسائي الفراء.

 **  ثم جاء بعد ذلك صالح بن إسحاق الجرمي، وبكر بن عثمان المازني،

**  ثم جاء بعدهما محمد بن يزيد المبرد،

**  وجاء بعده أبو إسحاق الزجاج؛ وأبو بكر بن السراج؛ وابن درستويه؛ وأبو بكر محمد بن مبرمان،

**  ثم جاء بعد هؤلاء أبو علي الحسن بن عبد الغفار الفارسي؛ وأبو سعيد الحسن بن عبد الله السيرافي ؛ وعلي بن عيسى الرماني؛

**  ثم أبو الفتح بن جني؛

**  ثم الشيخ عبد القاهر الجرجاني ؛

**  ثم الزمخشري؛

**  ثم ابن الحاجب؛

**  ثم ابن مالك؛

**  ثم ابن هشام . اهـ  بزيادة ما بين المعكوفين

  والله الموفق .

 كتبها : أبو عبد الله أحمد بن ثابت الوصابي

 الخميس  11 / 11/ 1438 هـ

(68) سلسة الفوائد اليومية: فائدة اليوم بعنوان: ( معرفة الخصال الطيبة في الديك التي لا يوجد بعضها عند كثير من العقلاء )

**  عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَا تَسُبُّوا الدِّيكَ فَإِنَّهُ يُوقِظُ لِلصَّلَاةِ »

**  رواه أبو داود وغيره ، [وصححه الألباني] 

 **  وعن عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه : أنَّ ديكاً صرخَ عند رسول الله – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فسبَّهُ رجلٌ ،

” فنهى عن سبِّ الدِّيكِ “. رواه البزار بإسناد لا بأس به، والطبراني؛ إلا أنه قال فيه : ” لا تَلْعَنْه ، ولا تسبّه ؛ فإنه يدعو إلى الصلاة “.

 **  وقال الشيخ الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (3/ 62): [صحيح لغيره]

 ** وقال الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه (4/ 128) :

3303 – حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ : « إِذَا سَمِعْتُمْ صِيَاحَ الدِّيَكَةِ فَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ، فَإِنَّهَا رَأَتْ مَلَكًا، وَإِذَا سَمِعْتُمْ نَهِيقَ الحِمَارِ فَتَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِنَّهُ رَأَى شَيْطَانًا »

 **  وفي هذا الحديث لطيفة إسنادية ، وهي :

**  أن هذا الحديث أخرجه أيضا بهذا الإسناد:

**  الإمام مسلم برقم : (2729)

**  والإمام النسائي ( في الكبرى ) برقم : (  10714 )

**  والإمام أبو داود برقم : ( 5102 )

**  والإمام الترمذي برقم : (  3459 )

**  وفي كتاب : ( فتح الباري ) ، لابن حجر (6/ 352) : 

  **  قَوْلُهُ : ( عَنْ جَعْفَرَ بْنِ رَبِيعَةَ ) هَذَا الْحَدِيثُ مِمَّا اتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ

الْخَمْسَةُ أَصْحَابُ الْأُصُولِ عَلَى إِخْرَاجِهِ عَنْ شَيْخٍ وَاحِدٍ وَهُوَ قُتَيْبَةُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ .

 ** قَوْلُهُ : ( إِذَا سَمِعْتُمْ صِيَاحَ الدِّيَكَةِ ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ ، جَمْعُ دِيكٍ ، وَهُوَ ذَكَرُ الدَّجَاجِ .

 ** وَلِلدِّيكِ خَصِيصَةٌ لَيْسَتْ لِغَيْرِهِ مِنْ مَعْرِفَةِ الْوَقْتِ اللَّيْلِيِّ ؛ فَإِنَّهُ يُقَسِّطُ أَصْوَاتَهُ فِيهَا تَقْسِيطًا لَا يَكَادُ يَتَفَاوَتُ ، وَيُوَالِي صِيَاحَهُ قَبْلَ الْفَجْرِ وَبَعْدَهُ لَا يَكَادُ يُخْطِئُ ، سَوَاءٌ أَطَالَ اللَّيْلُ أَمْ قَصُرَ .

 ** وَمِنْ ثَمَّ أَفْتَى بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ بِاعْتِمَادِ الدِّيكِ الْمُجَرَّبِ فِي الْوَقْتِ .

 ** وَيُؤَيِّدُهُ الْحَدِيثُ الَّذِي سَأَذْكُرُهُ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ ، …

 ** قَالَ الدَّاوُدِيُّ : يُتَعَلَّمُ مِنَ الدِّيكِ خَمْسُ خِصَالٍ :

حُسْنُ الصَّوْتِ ، وَالْقِيَامُ فِي السَّحَرِ ، وَالْغَيْرَةُ ، وَالسَّخَاءُ ، وَكَثْرَةُ الْجِمَاعِ . اهـ

**  وفي كتاب : ( تحفة العروس ، أو الزواج الإسلامي السعيد ) ، لمحمود مهدي الاستانبولي ، ( صـ 461) :

( دجاجة تتغزل بزوجها وتثني عليه )

(1) لقد شغفني زوجي حبا ، وتملك كل جارحة من جوارحي، ولو كان لي أن أقتطع من لحمي شطرا وأطعمه إياه لفعلت ، ولو كان لي أن أكسوه أجمل ثيابي لما ترددت .

  (2) ولم لا أفعل كل ذلك ؟ إنه لمثال المروءة والكرم والحنو ،

** إن وقع على حبة سمينة دعانا إليها .

** وإن سقط على شربة ماء توقف واستقدمنا لنبدأ بالشرب قبله .

** وإن سمع صوتا مفزعا انتفخت أوداجه ، وتصلبت أعصابه ، وثار الدم في وجهه ، واستعد للقاء المكروه بنفسه ، ولو جاء المكروه من أكبر مخلوق وأقسى معتد لكان موقفه موقف المدافع الذاب عن حماه !

** فليت شعري أي مخلوق يقف منا هذا الموقف النبيل .

 (3) وجماله فتنة لا مثيل لها ، وصورته سحر لا يشبهه شيء ،

** أود أحيانا أن ينقلب جسمي كله عينا واسعة الحدقة لتستمتع بجماله ،

** ولتغترف من حسنه ما شاء أن تفعل ،

** وكم أود أن ينقلب جسمي كله أذنا واسعة مرهفة لتتلقف صوته الجميل ، ولتستمتع إلى أناشيده الرائعة وغنائه العذب .

 (4) أما ذلك العرف القرمزي اللين الذي يتدلى من مفرقه ، فقطعة فنية من صنع خالق عظيم قادر ،

** وأما ذلك العنق الطويل الوسيم الذي يشبه غصن المنثور وقت ازدهاره ،

** وأما ذلك الفم الجميل الدقيق الذي أودعه الله أعذب لسان ،

** وأما ذانك الجناحان الملونان بأجمل الألوان ،

** وأما تلك الساقان الدقيقتان ، وتلك الأصابع الزمردية ،

** وتلك الأظافر العاجية ، وتلك المشية المتهادية ،

** فصنع خالق جميل أحب الجمال فطبع خلقه بطابعه ، فجاؤوا أجمل مخلوقات من صنع أجمل خالق .

 (5)  ما أبهج صباحنا حين يخرج زوجنا من مخدعه ،

** ويمشي مشية المدل بجماله !

** ويصعد في أعلى مكان ،

** ويفتن في الإنشاد والشدو في صوت هو السحر الحلال !

** إنا لنخرج في الصباح ، ونقف ذاهلات من فرط ما نشعر به من روعة ونشوة ،

** وكم نتمنى أن يقف الزمان في تلك اللحظة ليستمر ذلك الصوت في نغماته . اهـ

 

**  والله الموفق .

**  كتبها : أبو عبد الله أحمد بن ثابت الوصابي

**  الأربعاء  10 / 11/ 1438 هـ

 

 

سلسلة الفوائد اليومية: (67) فائدة اليوم بعنوان : ( لطيفة إسنادية وهي : اتفاق الأئمة الخمسة على إخراج حديث بسند واحد )

** قال الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه (4/ 128) :

3303 – حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ :

« إِذَا سَمِعْتُمْ صِيَاحَ الدِّيَكَةِ فَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ، فَإِنَّهَا رَأَتْ مَلَكًا، وَإِذَا سَمِعْتُمْ نَهِيقَ الحِمَارِ فَتَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِنَّهُ رَأَى شَيْطَانًا »

 **  وأخرجه بهذا الإسناد أيضا :

**  الإمام مسلم برقم : (2729)

**  والإمام النسائي ( في الكبرى ) برقم : (  10714 )

**  والإمام أبو داود برقم : ( 5102 )

**  والإمام الترمذي برقم : (  3459 )

**  وفي كتاب : ( فتح الباري ) ، لابن حجر (6/ 352) : 

  **  قَوْلُهُ : ( عَنْ جَعْفَرَ بْنِ رَبِيعَةَ ) هَذَا الْحَدِيثُ مِمَّا اتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ

الْخَمْسَةُ أَصْحَابُ الْأُصُولِ عَلَى إِخْرَاجِهِ عَنْ شَيْخٍ وَاحِدٍ وَهُوَ قُتَيْبَةُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ . اهـ

 **  والله الموفق .

 **  كتبها : أبو عبد الله أحمد بن ثابت الوصابي

 **  الثلاثاء  9 / 11/ 1438 هـ

(66) فائدة اليوم بعنوان : ( الحقوق الزوجية / الحلقة الثانية / حقوق الزوج )

** قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {  وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ }

 ** و قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: { الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ }

 ** وفي : ( تفسير ابن كثير ) ، ط العلمية (1/ 459):

**  وَقَوْلُهُ : { وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ } أَيْ فِي الْفَضِيلَةِ فِي الْخُلُقِ والخلق وَالْمَنْزِلَةِ وَطَاعَةِ الْأَمْرِ وَالْإِنْفَاقِ وَالْقِيَامِ بِالْمَصَالِحٍ وَالْفَضْلِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى:{ الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ } [النِّسَاءِ: 34] .

**  وَقَوْلُهُ : { وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }أَيْ عَزِيزٌ فِي انْتِقَامِهِ مِمَّنْ عَصَاهُ وَخَالَفَ أَمْرَهُ، حَكِيمٌ فِي أمره وشرعه وقدره .

 ** وقال أيضا في (2/ 256) :

يَقُولُ تَعَالَى: { الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ } أَيِ : الرَّجُلُ قَيِّمٌ عَلَى الْمَرْأَةِ، أَيْ : هُوَ رَئِيسُهَا ،وَكَبِيرُهَا،وَالْحَاكِمُ عَلَيْهَا ،وَمُؤَدِّبُهَا إِذَا اعْوَجَّتْ،

{ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ } أَيْ : لِأَنَّ الرِّجَالَ أَفْضَلُ مِنَ النِّسَاءِ، ، وَالرَّجُلُ خَيْرٌ مِنَ الْمَرْأَةِ، وَلِهَذَا كَانَتِ النُّبُوَّةُ مُخْتَصَّةٌ بِالرِّجَالِ، وَكَذَلِكَ الْمُلْكُ الْأَعْظَمُ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ، وَكَذَا مَنْصِبُ الْقَضَاءِ وَغَيْرُ ذَلِكَ.

{ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ }أَيْ : مِنَ الْمُهُورِ وَالنَّفَقَاتِ وَالْكُلَفِ الَّتِي أَوْجَبَهَا اللَّهُ عَلَيْهِمْ لَهُنَّ فِي كِتَابِهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَالرَّجُلُ أَفْضَلُ مِنَ الْمَرْأَةِ فِي نَفْسِهِ، وَلَهُ الْفَضْلُ عَلَيْهَا وَالْإِفْضَالُ، فَنَاسَبَ أَنْ يَكُونَ قَيِّمًا عَلَيْهَا، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: { وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ } [الْبَقَرَةِ: 228] ، . . . الخ كلامه ، رحمه الله . اهـ

 

** عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِابْنَةٍ لَهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ ابْنَتِي قَدْ أَبَتْ أَنْ تَتَزَوَّجَ فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَطِيعِي أَبَاكِ ،

فَقَالَتْ : وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا أَتَزَوَّجُ حَتَّى تُخْبِرَنِي مَا حَقُّ الزَّوْجِ عَلَى زَوْجَتِهِ ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : حَقُّ الزَّوْجِ عَلَى زَوْجَتِهِ أَنْ لَوْ كَانَتْ قَرْحَةٌ فَلَحَسَتْهَا ، أوِ انْتَثَر مِنْخَراهُ صَديداً أوْ دَماً ثمَّ ابْتَلَعَتْهُ مَا أدَّتْ حَقَّهُ )

قَالَتْ : وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:  لا تُنْكِحوهُنَّ إلاَّ بإذْنِهِنَّ )

رواه ابن حبان وغيره ، وقال الشيخ الألباني [حسن صحيح]

وعن معاذ رضي الله عنه قال:، قال النبيِّ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – :

” لوْ أَمْرتُ أحَداً أنْ يسجُدَ لأحَدٍ؛ لأمْرتُ المرأَةَ أنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِها؛ مِنْ عِظَمِ حقِّه عَليْها، ولا تَجدُ امْرأَةٌ حلاوةَ الإيمان؛ حتى تُؤَدِّيَ حقَّ زوْجِها، ولو سَألها نَفْسَها وهيَ على ظَهْرِ قَتَبٍ ” . رواه الحاكم وغيره ، وقال الشيخ الألباني [حسن صحيح]

** وفي كتاب : ( النهاية في غريب الحديث والأثر ) ، (4/ 11) :

** ( القَتَب ) للجَمل كالإِكاف لِغَيْرِهِ .

** وَمَعْنَاهُ الحثُّ لَهُنَّ عَلَى مُطاوعة أزواجِهن، وَأَنَّهُ لَا يَسعُهُنّ الِامْتِنَاعُ فِي هَذِهِ الْحَالِ، فَكَيْفَ فِي غَيْرِهَا . اهـ

 

** والإكاف، ويقال: الوكاف: برذعة الحمار، وهي كالسرج للفرس.

 

** وعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَوْ تَعْلَمُ الْمَرْأَةُ حَقَّ الزَّوْجِ مَا قَعَدَتْ مَا حَضَرَ غَدَاؤُهُ وَعَشَاؤُهُ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهُ»  رواه الطبراني في المعجم الكبير ، وصححه الألباني .

 

** وحقوق الزوج على زوجته كثيرة نذكر منها ما تيسر .

 

** (( الحق الأول )) :

** أن تطيعه إذا أمر .

 

** عَنْ حُصَيْنِ بْنِ مِحْصَنٍ، عَنْ عَمَّةٍ لَهُ أَنَّهَا أَتَتْ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحَاجَةٍ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ حَاجَتِهَا قَالَ: «أَذَاتُ زَوْجٍ أَنْتِ؟» قَالَتْ: نَعَمْ قَالَ: «فَكَيْفَ أَنْتِ لَهُ؟» قَالَتْ: مَا آلُوهُ إِلَّا مَا أَعْجَزُ عَنْهُ قَالَ: «انْظُرِي أَيْنَ أَنْتِ مِنْهُ، فَإِنَّهُ جَنَّتُكِ وَنَارُكِ »

رواه النسائي في السنن الكبرى (8/ 184) ، وصححه الألباني .

 

** عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه ، قَالَ: قِيلَ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيُّ النِّسَاءِ خَيْرٌ قَالَ: « الَّتِي تَسُرُّهُ إِذَا نَظَرَ، وَتُطِيعُهُ إِذَا أَمَرَ وَلَا تُخَالِفُهُ فِي نَفْسِهَا وَمَالِهَا بِمَا يَكْرَهُ » رواه النسائي في السنن الكبرى (5/ 161)، وقال الشيخ الألباني [حسن صحيح]

 

**  وفي كتاب : ( الفتاوى الكبرى ) لشيخ الإسلام ابن تيمية (3/ 145):

وَلَيْسَ عَلَى الْمَرْأَةِ بَعْدَ حَقِّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ أَوْجَبَ مِنْ حَقِّ الزَّوْجِ . اهـ المراد

 

** وطاعة المرأة زوجها من موجبات دخول الجنة .

** عن عبد الرحمن بن عوفٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: “إذا صلَّتِ المرَأةُ خَمْسَها، وصامَتْ شَهْرَها، وحَفِظَتْ فرْجَها، وأطاعَتْ زَوْجَها، قيلَ لها: ادْخُلي الجنَّةَ مِنْ أي أَبوابِ الجنَّةِ شِئْتِ”. رواه أحمد وغيره ، وقال الشيخ الألباني [حسن لغيره]

 

** وطاعة المرأة زوجها مشروطة بكونها في غير معصية الله ،

 

** فإن أمرها بمعصية الله سبحانه وتعالى فلا سمع له ولا طاعة :

كأن يأمرها بترك الصلاة ، أو الفطر في رمضان ، أو خلع الحجاب ، أو مصافحة إخوانه ، أو يطلب منها جماعها في دبرها ، أو في أثناء حيضتها ، أو غير ذلك من المعاصي .

 

** عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ جَيْشًا، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا، فَأَوْقَدَ نَارًا، وَقَالَ: ادْخُلُوهَا، فَأَرَادَ نَاسٌ أَنْ يَدْخُلُوهَا، وَقَالَ الْآخَرُونَ: إِنَّا قَدْ فَرَرْنَا مِنْهَا، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ لِلَّذِينَ أَرَادُوا أَنْ يَدْخُلُوهَا: «لَوْ دَخَلْتُمُوهَا لَمْ تَزَالُوا فِيهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»، وَقَالَ لِلْآخَرِينَ قَوْلًا حَسَنًا، وَقَالَ: «لَا طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ، إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ » متفق عليه

 

 

** وقد بوب البخاري في صحيحه من كتاب النكاح (7/ 32) فقال :

بَابُ لاَ تُطِيعُ المَرْأَةُ زَوْجَهَا فِي مَعْصِيَةٍ .

 

** وساق بسنده إلى عَائِشَةَ رضي الله عنها ، أَنَّ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ زَوَّجَتِ ابْنَتَهَا، فَتَمَعَّطَ شَعَرُ رَأْسِهَا، فَجَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَتْ: إِنَّ زَوْجَهَا أَمَرَنِي أَنْ أَصِلَ فِي شَعَرِهَا،

فَقَالَ: « لاَ ، إِنَّهُ قَدْ لُعِنَ المُوصِلاَتُ »

وأخرجه مسلم أيضا .

 

 

** ((الحق الثاني )) :

** أن تجيبه إذا دعاها إلى فراشه إذا لم يوجد مانع من حيض أو نفاس أو مرض أو نحو ذلك من الأعذار الشرعية .

 

** عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: « إِذَا بَاتَتِ الْمَرْأَةُ، هَاجِرَةً فِرَاشَ زَوْجِهَا، لَعَنَتْهَا الْمَلَائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ »  رواه مسلم

 

** وعَنْه أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا مِنْ رَجُلٍ يَدْعُو امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهَا، فَتَأْبَى عَلَيْهِ، إِلَّا كَانَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ سَاخِطًا عَلَيْهَا حَتَّى يَرْضَى عَنْهَا » متفق عليه ، وهذا لفظ مسلم .

 

** وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: “اثْنانِ لا تُجاوِزُ صلاتُهما رُؤوسَهما: عبدٌ أبَق مِنْ مَواليه حتى يرجعَ، وامْرأَةٌ عَصَتْ زوْجَها حتى تَرْجعَ”.

رواه الطبراني وغيره ، وصححه الألباني .

 

** والمراد باللعن هنا : الدعاء عليها بالطرد من رحمة الله ،

فأي أمرأة عاقلة ترضى لنفسها أن تدعو عليها الْمَلَائِكَة بالطرد من رحمة الله ، ومن هذه التي تتحمل ذلك ؟!

 

** وفي كتاب 🙁 المفهم) ، للقرطبي (13/ 24):

** وقوله : (( ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشها ، فتأبى عليه إلا كان الذي في السماء ساخطًا عليها )) ؛

** دليل على تحريم امتناع المرأة على زوجها إذا أرادها . ولا خلاف فيه ، وإليه الإشارة بقوله تعالى : {وللرجال عليهن درجة } ،

** والمرأة في ذلك بخلاف الرَّجل ، فلو دعت المرأة زوجها إلى ذلك لم يجب عليه إجابتها ، إلاَّ أن يقصد بالامتناع مضارَّتها ، فيحرم ذلك عليه.

** والفرق بينهما : أن الرَّجل هو الذي ابتغى بماله ، فهو المالك للبضع . والدرجة التي له عليها هي السلطنة التي له بسبب ملكه .

** وأيضًا : فقد لا ينشطُ الرَّجل في وقت تَدْعُوه ، فلا ينتشر، ولا يتهيأ له ذلك ، بخلاف المرأة .

** وقوله : (( الذي في السماء )) ؛

ظاهره : أن المراد به : الله تعالى ؛ ويكون معناه كمعنى قوله تعالى :

{ أأمنتم من في السماء } ، وقد تكلمنا عليه في كتاب الصلاة .

** ويحتمل أن يراد به هنا : الملائكة . كما قد جاء في الرواية الأخرى : (( إلا لعنتها الملائكة حتى تُصْبح )).اهـ

 

** وفي كتاب : ( سبل السلام ) للصنعاني (2/ 210):

إخْبَارٍ بِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ إجَابَةُ زَوْجِهَا أَيْ إذَا دَعَاهَا لِلْجِمَاعِ لِأَنَّ قَوْلَهُ إلَى فِرَاشِهِ كِنَايَةٌ عَنْ الْجِمَاعِ كَمَا فِي قَوْلِهِ «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ» ،

** وَدَلِيلُ الْوُجُوبِ لَعْنُ الْمَلَائِكَةِ لَهَا إذْ لَا يَلْعَنُونَ إلَّا عَنْ أَمْرِ اللَّهِ، وَلَا يَكُونُ إلَّا عُقُوبَةً، وَلَا عُقُوبَةَ إلَّا عَلَى تَرْكِ وَاجِبٍ . اهـ المراد

 

** ولماذا استحقت المرأة هذا الوعيد الشديد ؟

 

** لأنها بامتناعها قد تضطر الزوج إلى البحث عن الحرام – عياذا بالله –

** ؛ فإن صبر الرجل على ترك الجماع أضعف من صبر المرأة ؛

** ولأنها قد تتسبب بهذا الامتناع إلى هدم بناء الأسرة .

 

** ((الحق الثالث )) :

** أن تشكره ولا تكفره .

 

** عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَا يَنْظُرُ اللهُ إِلَى امْرَأَةٍ لَا تَشْكَرُ لِزَوْجِهَا وَهِيَ لَا تَسْتَغْنِي عَنْهُ » رواه النسائي في السنن الكبرى (8/ 239) ، [وصححه الألباني]

 

** فدل هذا الحديث على وجوب شكر المرأة لزوجها المحسن إليها ، خاصة إذا كان قائما بأمورها التي لا تستغني عنها .

 

** ولا يقصد بالشكر هنا مجرد شكر اللسان فقط ، ثم تؤذيه بمساوئ أخلاقها وأفعالها ، بل يقصد به قيامها بحقه على أتم الوجوه وأكملها .

 

** فالحذر الحذر من كفران العشير ؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد حذر من ذلك غاية التحذير ، وأخبر أن كفران العشير وكفران الإحسان سبب من أسباب دخول النار .

 

**  عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أُرِيتُ النَّارَ فَإِذَا أَكْثَرُ أَهْلِهَا النِّسَاءُ، يَكْفُرْنَ» قِيلَ: أَيَكْفُرْنَ بِاللَّهِ؟ قَالَ: ” يَكْفُرْنَ العَشِيرَ، وَيَكْفُرْنَ الإِحْسَانَ، لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ، ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا، قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ ” متفق عليه

 

** ((الحق الرابع )) :

** أن تقر في البيت ، فلا تخرج إلا بإذنه .

 

** قال الله تعالى : { وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى }

 

**  وفي ( تفسير ابن كثير ) ، ت سلامة (6/ 409):

**  وَقَوْلُهُ: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} أَيِ: الْزَمْنَ بُيُوتَكُنَّ فَلَا تَخْرُجْنَ لِغَيْرِ حَاجَةٍ.

**  وَمِنِ الْحَوَائِجِ الشَّرْعِيَّةِ الصَّلَاةُ فِي الْمَسْجِدِ بِشَرْطِهِ، كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ، وَلْيَخْرُجْنَ وَهُنَّ تَفِلات” وَفِي رِوَايَةٍ: “وَبُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ” اهـ المراد

 

**  وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( الْمَرْأَةُ عَوْرَةٌ ، وَإِنَّهَا إِذَا خَرَجَتِ؛ اسْتَشْرَفَهَا الشَّيْطَانُ ، وَإِنَّهَا لَا تَكُونُ إِلَى وَجْهِ اللَّهِ: أَقْرَبَ مِنْهَا في قعر بيتها)) .

رواه ابن حبان (8/ 156) [وصححه الألباني]

 

**  وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” إِذَا اسْتَأْذَنَتْ أَحَدَكُمُ امْرَأَتُهُ أَنْ تَأْتِيَ الْمَسْجِدَ، فَلَا يَمْنَعْهَا “

**  وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «صَلَاةُ الْمَرْأَةِ فِي بَيْتِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي حُجْرَتِهَا، وَصَلَاتُهَا فِي مَخْدَعِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي بَيْتِهَا» رواه أبو داود (1/ 156) ، [وصححه الألباني]

**  (والمِخْدع) بكسر الميم وضَمِّها وإسكان الخاء المعجمة وفتح الدال المهملة: هو الخزانة تكون في البيت. انظر (مختار الصحاح )،(ص: 88)

 

** (( الحق الخامس )) :

** لا تأذن لأحد في بيته إلا بإذنه .

 

** عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « . . . وَلاَ تَأْذَنَ فِي بَيْتِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ ، . . . ) متفق عليه

 

** وعن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ، قَالَ : قَالَ : رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :  . . . وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، . . . ) رواه مسلم   

 

** وفي ( فتح الباري لابن حجر ) ، (9/ 296):

** وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يَفْتَاتُ عَلَى الزَّوْجِ بِالْإِذْنِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ ، وَهُوَ مَحْمُول على مَا لَا يُعلم رِضَا الزَّوْجِ بِهِ ،

** أَمَّا لَوْ عَلِمَتْ رِضَا الزَّوْجِ بِذَلِكَ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهَا كَمَنْ جَرَتْ عَادَتُهُ بِإِدْخَالِ الضِّيفَانِ مَوْضِعًا مُعَدًّا لَهُمْ سَوَاءٌ كَانَ حَاضِرًا أَمْ غَائِبًا فَلَا يَفْتَقِرْ إِدْخَالُهُمْ إِلَى إِذْنٍ خَاصٍّ لِذَلِكَ ،

** وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنِ اعْتِبَارِ إِذْنِهِ تَفْصِيلًا أَوْ إِجْمَالًا

قَوْلُهُ ( إِلَّا بِإِذْنِهِ ) أَيِ الصَّرِيحِ ،

** وَهَلْ يَقُومُ مَا يَقْتَرِنُ بِهِ عَلَامَةُ رِضَاهُ مَقَامَ التَّصْرِيحِ بِالرِّضَا فِيهِ نَظَرٌ .

اهـ

** (( الحق السادس )) :

** لا تصوم النافلة – وزوجها حاضر – إلا بإذنه .  

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « لاَ يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَصُومَ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ ، . . . » متفق عليه

 

** وفي ( شرح النووي على مسلم ) ، (7/ 115):

** وقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا تَصُمِ الْمَرْأَةُ وَبَعْلُهَا شَاهِدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ )

** هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى صَوْمِ التَّطَوُّعِ وَالْمَنْدُوبِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ زَمَنٌ مُعَيَّنٌ .

** وَهَذَا النَّهْيُ لِلتَّحْرِيمِ صَرَّحَ بِهِ أَصْحَابُنَا .

** وَسَبَبُهُ أَنَّ الزَّوْجَ لَهُ حَقُّ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا فِي كُلِّ الْأَيَّامِ ،

وَحَقُّهُ فِيهِ وَاجِبٌ عَلَى الْفَوْرِ فَلَا يَفُوتُهُ بِتَطَوُّعٍ وَلَا بِوَاجِبٍ عَلَى التَّرَاخِي .

** فَإِنْ قِيلَ : فَيَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ لَهَا الصَّوْمُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ ، فَإِنْ أَرَادَ الِاسْتِمْتَاعَ بِهَا كَانَ لَهُ ذَلِكَ وَيُفْسِدُ صَوْمُهَا .

** فَالْجَوَابُ ” أَنَّ صَوْمَهَا يَمْنَعُهُ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ فِي الْعَادَةِ لِأَنَّهُ يَهَابُ انْتَهَاكَ الصَّوْمِ بِالْإِفْسَادِ

وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ ) أَيْ مُقِيمٌ فِي الْبَلَدِ ،

** أَمَّا إِذَا كَانَ مُسَافِرًا فَلَهَا الصَّوْمُ لِأَنَّهُ لَا يَتَأَتَّى مِنْهُ الِاسْتِمْتَاعُ إِذَا لَمْ تَكُنْ مَعَهُ . اهـ

 

** وفي ( سبل السلام ) ، (1/ 585):

** فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْوَفَاءَ بِحَقِّ الزَّوْجِ أقدم مِنْ التَّطَوُّعِ بِالصَّوْمِ ** وَأَمَّا رَمَضَانُ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْها وَإِنْ كَرِهَ الزَّوْجُ ، وَيُقَاسُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ فَلَوْ صَامَتْ النَّفَلَ بِغَيْرِ إذْنِهِ كَانَتْ فَاعِلَةً لِمُحَرَّمٍ .اهـ

 

** (( الحق السابع )) :

** لا تنفق من ماله إلا بإذنه .

 

** عَنْ أَبِي أُمَامَةَ البَاهِلِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي خُطْبَتِهِ عَامَ حَجَّةِ الوَدَاعِ يَقُولُ: لاَ تُنْفِقُ امْرَأَةٌ شَيْئًا مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا إِلاَّ بِإِذْنِ زَوْجِهَا، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَلاَ الطَّعَامُ، قَالَ: ذَاكَ أَفْضَلُ أَمْوَالِنَا. رواه أحمد وغيره [وصححه الألباني]

** وفي ( تحفة الأحوذي ) ، (3/ 276):

قَوْلُهُ (لَا تُنْفِقُ) نَفْيٌ ، وَقِيلَ نَهْيٌ (إِلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا) أَيْ صَرِيحًا أَوْ دَلَالَةً .

(قَالَ ذَلِكَ أَفْضَلُ أَمْوَالِنَا) يَعْنِي فَإِذَا لَمْ تَجُزِ الصَّدَقَةُ بِمَا هُوَ أَقَلُّ قَدْرًا مِنَ الطَّعَامِ بِغَيْرِ إِذْنِ الزَّوْجِ فَكَيْفَ تَجُوزُ بِالطَّعَامِ الَّذِي هُوَ أَفْضَلُ .

اهـ

** وفي ( شرح النووي على مسلم ) (7/ 112):

وَالْإِذْنُ ضَرْبَانِ :

أَحَدُهُمَا الْإِذْنُ الصَّرِيحُ فِي النَّفَقَةِ وَالصَّدَقَةِ .

وَالثَّانِي الْإِذْنُ الْمَفْهُومُ مِنَ اطِّرَادِ الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ كَإِعْطَاءِ السَّائِلِ كِسْرَةً وَنَحْوَهَا مِمَّا جَرَتِ الْعَادَةُ بِهِ وَاطَّرَدَ الْعُرْفُ فِيهِ وَعُلِمَ بِالْعُرْفِ رِضَاءُ الزَّوْجِ وَالْمَالِكِ بِهِ فَإِذْنُهُ فِي ذَلِكَ حَاصِلٌ وَإِنْ لَمْ يَتَكَلَّمْ ، وَهَذَا إِذَا عُلِمَ رِضَاهُ لِاطِّرَادِ الْعُرْفِ وَعُلِمَ أَنَّ نَفْسَهُ كَنُفُوسِ غَالِبِ النَّاسِ فِي السَّمَاحَةِ بِذَلِكَ وَالرِّضَا بِهِ ** فَإِنِ اضْطَرَبَ الْعُرْفُ وَشَكَّ فِي رِضَاهُ ، أَوْ كَانَ شَخْصًا يَشُحُّ بِذَلِكَ وَعُلِمَ مِنْ حَالِهِ ذَلِكَ أَوْ شَكَّ فِيهِ لَمْ يَجُزْ لِلْمَرْأَةِ وَغَيْرِهَا التَّصَدُّقُ مِنْ مَالِهِ إِلَّا بِصَرِيحِ إِذْنِهِ .اهـ

 

** (( الحق الثامن )) :

** الإحسان في معاملته ، بالمداعبة والملاعبة والملاطفة والتزين ؛

** فإن الزوج في هذه الحياة يتحمل المشاق والمتاعب من أجل الحصول على القوت الضروري ،

** فيحتاج من زوجته أن تستقبله بالبشر والطلاقة والبسمة الطيبة والقلب الحنون والمنظر الحسن في نفسها وثيابها وبيتها والكلمات اللطيفة التي تخفف عنه هذه المتاعب .   

 

** عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه ، قَالَ: قِيلَ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيُّ النِّسَاءِ خَيْرٌ قَالَ: « الَّتِي تَسُرُّهُ إِذَا نَظَرَ، وَتُطِيعُهُ إِذَا أَمَرَ وَلَا تُخَالِفُهُ فِي نَفْسِهَا وَمَالِهَا بِمَا يَكْرَهُ » رواه النسائي في السنن الكبرى (5/ 161)، وقال الشيخ الألباني [حسن صحيح]

 

**   وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَامٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «خَيْرُ النِّسَاءِ تَسُرُّكَ إِذَا أَبْصَرْتَ، وَتُعْطِيكَ إِذَا أَمَرْتَ، وَتَحْفَظُ غَيْبَتَكَ فِي نَفْسِهَا وَمَالِكَ»

رواه الطبراني في ( المعجم الكبير ) ، (13/ 160) ، وصححه الألباني .

 

**   وعَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: إِنِّي أَصَبْتُ امْرَأَةً ذَاتَ حَسَبٍ وَمَنْصِبٍ، إِلَّا أَنَّهَا لَا تَلِدُ، أَفَأَتَزَوَّجُهَا؟ فَنَهَاهُ، ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَةَ، فَنَهَاهُ، ثُمَّ أَتَاهُ الثَّالِثَةَ، فَنَهَاهُ، فَقَالَ: «تَزَوَّجُوا الْوَلُودَ الْوَدُودَ، فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمْ»[ رواه النسائي وغيره ، وقال الشيخ الألباني : حسن صحيح ]

**   قال الشيخ الألباني رحمه الله في ( صحيح الترغيب والترهيب ) ، (2/ 407) :

**   (الودود): هي التي تحب زوجها.

**  (الولود): التي تكثر ولادتها.

**   وقيد بهذين لأن الولود إذا لم تكن ودوداً لم يرغب الزوج فيها، والودود إذا لم تكن ولوداً لم يحصل المطلوب، وهو تكثير الأمة بكثرة التوالد،

**   ويعرف هذان الوصفان في الأبكار من أقاربها، إذ الغالب سراية طباع الأقارب بعضهن إلى بعض.

**  قوله: “فإني مكاثر بكم الأمم” أي: مفاخر بسببكم سائر الأمم بكثرة أتباعي . والله أعلم. اهـ المراد

 

** ولتحذر الزوجة غاية الحذر من تعمد أذية زوجها ؛ فإن ذلك يسبب لها دعاء الحور العين عليها .

 

**  عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لاَ تُؤْذِي امْرَأَةٌ زَوْجَهَا فِي الدُّنْيَا، إِلاَّ قَالَتْ زَوْجَتُهُ مِنَ الحُورِ العِينِ: لاَ تُؤْذِيهِ، قَاتَلَكِ اللَّهُ، فَإِنَّمَا هُوَ عِنْدَكَ دَخِيلٌ يُوشِكُ أَنْ يُفَارِقَكِ إِلَيْنَا.

رواه الترمذي وصححه الألباني .

 

** (( الحق التاسع )) :

** الاهتمام بحسن مظهره ، وهذا من حسن عشرتها له ، ومن أسباب جلب المحبة بينهما  .

 

** (( الحق العاشر )) :

** الإحسان في معاملة أقاربه ، كأبويه وأخواته وعماته وخالاته ونحوهن ،

** وأما إخوانه وعمه وخاله وبنو عمه وبنو خاله ونحوهم من الأقارب الأجانب فتحسن إليهم بدون اختلاط بهم ، كأن تتصدق عليهم ، أو تصنع لهم طعاما أو تغسل لهم ثيابا وترسل بها مع زوجها أو أولادها ، ونحو ذلك .

 

** (( الحق الحادي عشر )) :

** الحرص على البقاء معه طول الحياة ، فلا تطلب الطلاق من غير سبب شرعي .

**  عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

« أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا طَلَاقًا فِي غَيْرِ مَا بَأْسٍ، فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ » رواه أحمد وغيره وصححه الألباني .

**  وفي ( فيض القدير ) ، للمناوي (3/ 138):

**  (أيما امرأة سألت زوجها الطلاق) في رواية طلاقها (من غير ما بأس) بزيادة ( ما ) للتأكيد .

**  و( البأس ) الشدة ، أي في غير حالة شدة تدعوها وتلجئها إلى المفارقة كأن تخاف أن لا تقيم حدود الله فيما يجب عليها من حسن الصحبة وجميل العشرة لكراهتها له أو بأن يضارها لتنخلع منه .

**  (فحرام عليها) أي ممنوع عنها (رائحة الجنة) أول ما يجد ريحها المحسنون المتقون لا أنها لا تجد ريحها أصلا فهو لمزيد المبالغة في التهديد وكم له من نظير .

**  قال ابن العربي: هذا وعيد عظيم لا يقابل طلب المرأة الخروج من النكاح لو صح .

**  وقال ابن حجر: الأخبار الواردة في ترغيب المرأة من طلب طلاق زوجها محمولة على ما إذا لم يكن سبب يقتضي ذلك كحديث ثوبان هذا .

اهـ

 

** (( الحق الثاني عشر )) :

**  حفظ أسراره ، خاصة فيما يتعلق بأسرار الفراش .

 

**  قال تعالى : { فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللهُ }

**  وفي : ( تفسير البغوي ) – إحياء التراث (1/ 612) :

{ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ } ، أَيْ: حَافِظَاتٌ لِلْفُرُوجِ فِي غَيْبَةِ الْأَزْوَاجِ،

وَقِيلَ : حَافِظَاتٌ لِسِرِّهِمْ . اهـ

**  وفي ( فيض القدير ) ، (2/ 538):

( . . .  والظاهر أن المرأة كالرجل فيحرم عليها إفشاء سره كأن تقول هو سريع الإنزال أو كبير الآلة أو غير ذلك مما يتعلق بالمجامعة ولم أر من تعرض له . اهـ المراد

 

**  عَنْ أَسْمَاءُ بِنْتُ يَزِيدَ، أَنَّهَا كَانَتْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ قُعُودٌ عِنْدَهُ فَقَالَ: ” لَعَلَّ رَجُلًا يَقُولُ: مَا يَفْعَلُ بِأَهْلِهِ، وَلَعَلَّ امْرَأَةً تُخْبِرُ بِمَا فَعَلَتْ مَعَ زَوْجِهَا فَأَرَمَّ الْقَوْمُ ” فَقُلْتُ: إِي وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُنَّ لَيَقُلْنَ وَإِنَّهُمْ لَيَفْعَلُونَ قَالَ: ” فَلَا تَفْعَلُوا فَإِنَّمَا مِثْلُ ذَلِكَ مِثْلُ الشَّيْطَانُ  لَقِيَ شَيْطَانَةً فِي طَرِيقٍ فَغَشِيَهَا وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ ”

رواه أحمد وغيره ، وحسنه الألباني .

 

**  وقال جرير بن عطية  يرثي امرأته في عفافها :

 

كانَت إِذا هَجَرَ الحَليلُ فِراشَها … خُزِنَ الحَديثُ وَعَفَّتِ الأَسرارُ

 

** (( الحق الثالث عشر )) :

**  الحرص على تربية أولاده تربية حسنة  ؛ فإنها أكثر اختلاطا بهم من أبيهم ،

**  فتربيهم على طاعة الله عز وجل ، وطاعة رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وطاعة الوالدين في غير معصية الله،

**  وتربيتهم على العقيدة الصحيحة ، والشجاعة ، والتوكل على الله ، وأكل الحلال الطيب ، والصدق ، والأمانة ، ومراقبة الله في السر والعلن ، ومحبة الخير للناس ، وغير ذلك من محاسن الأخلاق وجميل الصفات .

 

** (( تحذير )) :

**  بعض الأمهات الجاهلات يهملن أولادهن غاية الأهمال ،

**  فلا تهتم بهم في أمر دين ولا دنيا ،

**  فتجد الواحد من أولادها ضعيفا في بدنه لسوء التغذية ، ضعيفا في عقله لسوء التربية ،

**  قد ملأت قلوبهم بالأهام ، والمخاوف ، والعقائد الباطلة ، والحكايات الخرافية ، 

**  تصور لهم الجن والعفاريت في كل زاوية من زوايا البيت ،

**  فينشأ الولد – ذكرا كان أو أنثى – على هذه الحال السيئة ، ولا حول ولا قوة إلا بالله .

 

 

**  قال الشاعر:

عود بنيك على الاداب في الصغر     كيما  تقر  بهم   عيناك   في   الكبر

فإنما    مثل    الآداب    تجمعها       في عنفوان الصبا كالنقش في الحجر

هي الكنوز التي  تنمو  ذخائرها     ولا   يخاف   عليها   حادث    العبر

 

**  وقال الآخر :

إهمال   تربية البنين   جريمة   ***    عادت   على   الآباء    بالنكبات

 

**  وقال الآخر :

وليس   النبت   ينبت   في   جنان         كمثل   النبت   ينبت   في   فلاة

وهل    يُرجى      لأطفال    كمال          إذا   ارتضعوا  ثدي   الناقصات

 

**  وقال الشاعر:

تلك   العصا   من   تلكم   العصية         لا    تلد    الحية    إلا    حويّة

 

 

**  وقد تقدم في حديث عبد الله بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: « . . .  وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ، وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ، . . . »  متفق عليه .

 

** (( الحق الرابع عشر )) :

**  الحداد عليه عند موته أربعة أشهر وعشرا .

 

**  عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ، قَالَتْ: لَمَّا جَاءَ نَعْيُ أَبِي سُفْيَانَ مِنَ الشَّأْمِ، دَعَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا بِصُفْرَةٍ فِي اليَوْمِ الثَّالِثِ، فَمَسَحَتْ عَارِضَيْهَا، وَذِرَاعَيْهَا، وَقَالَتْ: إِنِّي كُنْتُ عَنْ هَذَا لَغَنِيَّةً، لَوْلاَ أَنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «لاَ يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ، أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاَثٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجٍ، فَإِنَّهَا تُحِدُّ عَلَيْهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا » متفق عليه .

**  وفي كتاب : ( الاستذكار ) لابن عبد البر (6/ 230) :

**  أَمَّا الْإِحْدَادُ : فَتَرْكُ الْمَرْأَةِ لِلزِّينَةِ كُلِّهَا من اللباس والطيب والحلي وَالْكُحْلِ وَمَا تَتَزَيَّنُ بِهِ النِّسَاءُ مَا دُمْنَ فِي عِدَّتِهِنَّ ،

**  يُقَالُ لَهَا حِينَئِذٍ امْرَأَةٌ حَادٌّ وَمُحِدٌّ لِأَنَّهُ يُقَالُ أَحَدَّتِ الْمَرْأَةُ وَحَدَّتْ تُحِدُّ فَهِيَ حَادٌّ وَمُحِدٌّ

**  فَالْعِدَّةُ وَاجِبَةٌ فِي الْقُرْآنِ وَالْإِحْدَادُ وَاجِبٌ بِالسُّنَّةِ المجتمع عليها

**  وقد شذ الحسن عنها وَحْدَهُ فَهُوَ مَحْجُوجٌ بِهَا

**  وَمَعْنَى إِحْدَادِ الْمُتَوَفَّى عَنْهُنَّ أَزْوَاجُهُنَّ مِنَ النِّسَاءِ تَرْكُ الزِّينَةِ الرَّاغِبَةِ إِلَى الْأَزْوَاجِ وَذَلِكَ لِبَاسُ الثَّوْبِ الْمَصْبُوغِ لِلزِّينَةِ وَلِبَاسُ الرَّقِيقِ الْمُسْتَحْسَنِ مِنَ الْكَتَّانِ وَالْقُطْنِ وَلَا تَلْبَسُ خَزًّا وَلَا حَرِيرًا وَلَا شَيْئًا مِنَ الْحُلِيِّ وَلَا تَمَسُّ أَحَدًا مِنْ طِيبٍ

**  وَجَائِزٌ لَهُنَّ لِبَاسُ الْغَلِيظِ الْخَشِنِ مِنْ ثِيَابِ الْكَتَّانِ وَالْقُطْنِ وَتَلْبِسُ الْبَيَاضَ كُلَّهُ وَالسَّوَادَ الَّذِي لَيْسَ بِزِينَةٍ وَيَبِتْنَ فِي بُيُوتِهِنَّ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ

**  وَلَا بَأْسَ أَنْ تَدَّهِنَ مِنَ الْأَدْهَانِ بِمَا لَيْسَ بِطِيبٍ .

 

**  وفي : ( شرح النووي على مسلم ) (10/ 112) :

((لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ تُحِدُّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا)

**  فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الْإِحْدَادِ عَلَى الْمُعْتَدَّةِ مِنْ وَفَاةِ زَوْجِهَا وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ فِي الْجُمْلَةِ وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي تَفْصِيلِهِ فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مُعْتَدَّةٍ عَنْ وَفَاةٍ سَوَاءٌ الْمَدْخُولُ بِهَا وَغَيْرُهَا وَالصَّغِيرَةُ وَالْكَبِيرَةُ وَالْبِكْرُ وَالثَّيِّبُ وَالْحُرَّةُ وَالْأَمَةُ وَالْمُسْلِمَةُ وَالْكَافِرَةُ هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَالْجُمْهُورِ . . . الخ ) .اهـ

 

** (( الحق الخامس عشر )) :

**  متابعته في السكن ، فتسكن معه حيث سكن ، سواء كان هذا السكن رفيعا أو وضيعا ، واسعا أو ضيقا  ، على حسب قدرة الزوج  ، { لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا }.

 

 

 

**  وقال الإمام الذهبي في كتابه ( الكبائر ) (ص: 174) :

**   وَيَنْبَغِي للْمَرْأَة أَن تعرف أَنَّهَا كالمملوك للزَّوْج فَلَا تتصرف فِي نَفسهَا وَلَا فِي مَاله إِلَّا بِإِذْنِهِ

**   وَتقدم حَقه على حَقّهَا وَحُقُوق أَقَاربه على حُقُوق أقاربها

**   وَتَكون مستعدة لتمتعه بهَا بِجَمِيعِ أَسبَاب النَّظَافَة

**   وَلَا تفتخر عَلَيْهِ بجمالها

**   وَلَا تعيبه بقبح إِن كَانَ فِيهِ

**   قَالَ الْأَصْمَعِي دخلت الْبَادِيَة فَإِذا امْرَأَة حسناء لَهَا بعل قَبِيح فَقلت لَهَا كَيفَ ترْضينَ لنَفسك أَن تَكُونِي تَحت مثل هَذَا فَقَالَت اسْمَع يَا هَذَا لَعَلَّه أحسن فِيمَا بَينه وَبَين الله خالقه فجعلني ثَوَابه ولعلي أَسَأْت فَجعله عقوبتي . اهـ

 

**  وقال أيضا في نفس المصدر (ص: 175) :

**   وَيجب على الْمَرْأَة أَيْضا دوَام الْحيَاء من زَوجهَا

**   وغض طرفها قدامه

**   وَالطَّاعَة لأَمره

**   وَالسُّكُوت عِنْد كَلَامه

**   وَالْقِيَام عِنْد قدومه

**   والابتعاد عَن جَمِيع مَا يسخطه

**   وَالْقِيَام مَعَه عِنْد خُرُوجه

**   وَعرض نَفسهَا عَلَيْهِ عِنْد نَومه

**   وَترك الْخِيَانَة لَهُ فِي غيبته فِي فرَاشه وَمَاله وبيته

**   وَطيب الرَّائِحَة وتعاهد الْفَم بِالسِّوَاكِ وبالمسك وَالطّيب

**   ودوام الزِّينَة بِحَضْرَتِهِ

**   وَتركهَا الْغَيْبَة

**   وإكرام أَهله وأقاربه

**   وَترى الْقَلِيل مِنْهُ كثيراً . اهـ

 

**   وقال الشاعر :

إذا رمتها كانت فراشا تقلني   ***   وعند فراغي خادم يتملق

 

 

** وأخيرا :  أختم بهذه النصائح والتوجيهات ، لعل الله أن ينفع بها .

(1) كوني – أيتها الزوجة الكريمة – قنوعة بزوجك ، طويلا كان أو قصيرا ، حسنا أو قبيحا ، نحيفا أو سمينا .

 

(2) كوني قنوعة بحالتك ، من حيث العسر واليسر ، والغنى والفقر ، والصحة والمرض ، والإنجاب وعدمه ، وغير ذلك ؛ فالقناعة كنز لا يفنى وهي علامة الراحة ، وعنوان السعادة . 

 

** وإياك أن تمدي عينيك إلى ما متع الله به غيرك من النساء ، من لباس  ، أو حلي  ، أو زوج  ، أو ولد  ، أو بيت  ، أو غير ذلك  من زهرة الحياة الدنيا ، فيصيبك السخط والضجر واستحقار الخير الذي أعطاك الله ، وعندها يلحقك الشقاء والنكد والتعاسة – عياذا بالله – ،

فلا أنك تمتعت بالموجود ، ولا أنك حصلت على المفقود .

 

** عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ، وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ »

متفق عليه .

**  وفي كتاب ” ( المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم ) ، (9/ 62):

**  قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( ليس الغنى عن كثرة العرض ))-

بفتح العين والراء – ، وهو : حُطام الدنيا ومتاعها .

**  فأما ” العَرْض “- بفتح العين وسكون الراء – ، فهو : ما خلا العقار والحيوان فيما يدخله الكيل والوزن ، هذا قول أبي عبيد في العَرَض والعَرْض .

**  وفي كتاب العين : ” العَرَض ” : ما نيل من الدنيا ، ومنه قوله تعالى : { تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا } ، وجمعه : عُروض .

**  ومعنى هذا الحديث : أن الغنى النافع أو العظيم أو الممدوح ، هو غنى النفس ،

**  وبيانه : أنه إذا استغنت نفسه كفّث عن المطامع ، فعزّت وعظمت ، فجعل لها من الحظوة والنزاهة والتشريف والمدح أكثر ممن كان غنيًا بماله ، فقيرًا بحرصه وشرهه ، فإن ذلك يورطه في رذائل الأمور ، وخسائس الأفعال ، لبخله ودناءة همّته ، فيكثر ذامُّه من الناس ، ويصغر قدره فيهم ؛ فيكون أحقر من كل حقير ، وأذل من كل صغير . اهـ

 **  عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: « قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ، وَرُزِقَ كَفَافًا، وَقَنَّعَهُ اللهُ بِمَا آتَاهُ » رواه مسلم .

 **  وإليك – أختي الكريمة – هذه القصة التي فيها العظة والعبرة ،

وهي قصة إسماعيل عليه السلام عندما  كبر وتزوج .

 **  عن ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما قال :  . . . 

وَشَبَّ الغُلاَمُ وَتَعَلَّمَ العَرَبِيَّةَ مِنْهُمْ، وَأَنْفَسَهُمْ وَأَعْجَبَهُمْ حِينَ شَبَّ،

**  فَلَمَّا أَدْرَكَ زَوَّجُوهُ امْرَأَةً مِنْهُمْ [ يعني : من قبيلة جرهم ]، وَمَاتَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ،

**  فَجَاءَ إِبْرَاهِيمُ بَعْدَمَا تَزَوَّجَ إِسْمَاعِيلُ يُطَالِعُ تَرِكَتَهُ، فَلَمْ يَجِدْ إِسْمَاعِيلَ، فَسَأَلَ امْرَأَتَهُ عَنْهُ فَقَالَتْ: خَرَجَ يَبْتَغِي لَنَا،

**  ثُمَّ سَأَلَهَا عَنْ عَيْشِهِمْ وَهَيْئَتِهِمْ، فَقَالَتْ نَحْنُ بِشَرٍّ، نَحْنُ فِي ضِيقٍ وَشِدَّةٍ، فَشَكَتْ إِلَيْهِ،

**  قَالَ: فَإِذَا جَاءَ زَوْجُكِ فَاقْرَئِي عَلَيْهِ السَّلاَمَ، وَقُولِي لَهُ يُغَيِّرْ عَتَبَةَ بَابِهِ، **  فَلَمَّا جَاءَ إِسْمَاعِيلُ كَأَنَّهُ آنَسَ شَيْئًا، فَقَالَ: هَلْ جَاءَكُمْ مِنْ أَحَدٍ؟

**  قَالَتْ: نَعَمْ، جَاءَنَا شَيْخٌ كَذَا وَكَذَا، فَسَأَلَنَا عَنْكَ فَأَخْبَرْتُهُ، وَسَأَلَنِي كَيْفَ عَيْشُنَا، فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّا فِي جَهْدٍ وَشِدَّةٍ،

**  قَالَ: فَهَلْ أَوْصَاكِ بِشَيْءٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ السَّلاَمَ، وَيَقُولُ غَيِّرْ عَتَبَةَ بَابِكَ،

**  قَالَ: ذَاكِ أَبِي، وَقَدْ أَمَرَنِي أَنْ أُفَارِقَكِ، الحَقِي بِأَهْلِكِ، فَطَلَّقَهَا،

 

**  وَتَزَوَّجَ مِنْهُمْ أُخْرَى، فَلَبِثَ عَنْهُمْ إِبْرَاهِيمُ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أَتَاهُمْ بَعْدُ فَلَمْ يَجِدْهُ، فَدَخَلَ عَلَى امْرَأَتِهِ فَسَأَلَهَا عَنْهُ، فَقَالَتْ: خَرَجَ يَبْتَغِي لَنَا،

**  قَالَ: كَيْفَ أَنْتُمْ؟ وَسَأَلَهَا عَنْ عَيْشِهِمْ وَهَيْئَتِهِمْ، فَقَالَتْ: نَحْنُ بِخَيْرٍ وَسَعَةٍ، وَأَثْنَتْ عَلَى اللَّهِ، فَقَالَ: مَا طَعَامُكُمْ؟ قَالَتِ اللَّحْمُ، قَالَ فَمَا شَرَابُكُمْ؟ قَالَتِ المَاءُ. قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي اللَّحْمِ وَالمَاءِ،

**  قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ يَوْمَئِذٍ حَبٌّ، وَلَوْ كَانَ لَهُمْ دَعَا لَهُمْ فِيهِ ».

**  قَالَ: فَهُمَا لاَ يَخْلُو عَلَيْهِمَا أَحَدٌ بِغَيْرِ مَكَّةَ إِلَّا لَمْ يُوَافِقَاهُ،

**  قَالَ: فَإِذَا جَاءَ زَوْجُكِ فَاقْرَئِي عَلَيْهِ السَّلاَمَ، وَمُرِيهِ يُثْبِتُ عَتَبَةَ بَابِهِ، فَلَمَّا جَاءَ إِسْمَاعِيلُ قَالَ: هَلْ أَتَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، أَتَانَا شَيْخٌ حَسَنُ الهَيْئَةِ، وَأَثْنَتْ عَلَيْهِ، فَسَأَلَنِي عَنْكَ فَأَخْبَرْتُهُ، فَسَأَلَنِي كَيْفَ عَيْشُنَا فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّا بِخَيْرٍ، قَالَ: فَأَوْصَاكِ بِشَيْءٍ، قَالَتْ: نَعَمْ، هُوَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلاَمَ، وَيَأْمُرُكَ أَنْ تُثْبِتَ عَتَبَةَ بَابِكَ، قَالَ: ذَاكِ أَبِي وَأَنْتِ العَتَبَةُ، أَمَرَنِي أَنْ أُمْسِكَكِ، . . .الخ  

الحديث ) أخرجه البخاري (4/ 142) برقم : ( 3364  )

 

 (3) كوني دائما وأبدا زوجة جديدة في حياة زوجك ، وذلك بحسن التبعل والتأنث والتصنع والتجمل للزوج .

 (4) كوني صابرة على زوجك وفية معه خاصة عند تغير الحال به إلى فقر ، أو ضعف ، أو كبر ، أو مرض ، أو نحو ذلك .

 (5) كوني متواضعة لزوجك ، فلا تتكبري عليه بمال  ، أو جمال  ، أو حسب  ، أو علم  ، أو غير ذلك مما يسبب النفرة بينكما .

 **  بل أشعريه – من خلال أقوالك وأفعالك – أنك تحترميه وتقدريه ، وأنه رجل البيت ، وأنه لك كالأمير المطاع ؛ فإن هذا مما يزيد المحبة ويقوي روابط الأسرة .

 **  وساق أبو نعيم في كتابه : ( حلية الأولياء ) ، (5/ 198):

إلى امْرَأَة سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أنها قَالَتِ :

” مَا كُنَّا نُكَلِّمُ أَزْوَاجَنَا إِلَّا كَمَا تُكَلِّمُوا أُمَرَاءَكُمْ: أَصْلَحَكَ اللهُ، عَافَاكَ اللهُ ”

 (6) لا تصفي امرأة لزوجك ؛ فإنه حرام ، وربما كان سببا في طلاقك .

 **  عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لاَ تُبَاشِرُ المَرْأَةُ المَرْأَةَ، فَتَنْعَتَهَا لِزَوْجِهَا كَأَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا »  رواه البخاري

**  وفي ( فتح الباري ) ، لابن حجر (9/ 338):

 قَوْلُهُ : ( لَا تُبَاشِرِ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ ) زَادَ النَّسَائِيُّ فِي رِوَايَتِهِ ( فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ ) .

قَوْلُهُ : ( فَتَنْعَتُهَا لِزَوْجِهَا كَأَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا  ) قَالَ الْقَابِسِيُّ : هَذَا أَصْلٌ لِمَالِكٍ فِي سَدِّ الذَّرَائِعِ ؛ فَإِنَّ الْحِكْمَةَ فِي هَذَا النَّهْيِ خَشْيَةُ أَنْ يُعْجِبَ الزَّوْجَ الْوَصْفُ الْمَذْكُورُ فَيُفْضِي ذَلِكَ إِلَى تَطْلِيقِ الْوَاصِفَةِ أَوْ الِافْتِتَانِ بِالْمَوْصُوفَةِ . اهـ المراد

 

 (7) يجب على الأمهات أن يحسن تربية بناتهن ، وأن يعلمنهن حقوق الأزواج قبل حلول وقت الزواج ليكن على بصيرة من أمرهن ، كما كان يفعل ذلك نساء السلف – رضي الله عنهن – .

 ** ومما ذكره التاريخ من وصايا الأمهات لبناتهن وصية أمامة بنت الحارث زوجة عوف بن مسلم الشيباني لبنتها أم إياس بنت عوف بن مسلم قبل رحيلها إلى زوجها عمرو بن حجر ملك كندة ، ( وهذا كان قبل الإسلام ) فقالت لها :

**  ” أي بنيّة، إن الوصية لو تركت لعقل وأدب، أو مكرمة في حسب لتركت ذلك منك، ولزويته عنك، ولكن الوصية تذكرة للعاقل، ومنبهة للغافل.

**  أي بنية، إنه لو استغنت المرأة بغنى أبويها وشدة حاجتهما إليها كنت أغنى الناس عن الزوج، ولكن للرجال خلق النساء، كما لهن خلق الرجال.

**  أي بنية، إنك قد فارقت الحِواء الذي منه خرجت، والوكر الذي منه درجت، إلى وكر لم تعرفيه، وقرين لم تألفيه، فأصبح بملكه عليك ملكا، **  فكوني له أمة يكن لك عبدا، واحفظي عني خصالا عشرا، تكن لك دركا وذكرا؛

**  فأما الأولى والثانية فالمعاشرة له بالقناعة، وحسن السمع له والطاعة، فإن في القناعة راحة القلب، وحسن السمع والطاعة رأفة الرب؛

**  وأما الثالثة والرابعة فلا تقع عيناه منك على قبيح، ولا يشم أنفه منك إلا طيب الريح؛ واعلمي، أي بنيّة، أن الماء أطيب الطيب المفقود، وأن الكحل أحسن الحسن الموجود.

**  وأما الخامسة والسادسة فالتَّعهد لوقت وطعامه، والهدوّ عند منامه، فإن حرارة الجوع ملهبة، وتنغيص النَّومة مغضبة؛

**  وأما السابعة والثامنة فالاحتفاظ بماله والرعاية على حشمه وعياله، فإن الاحتفاظ بالمال من حسن التقدير، والرعاية على الحشم والعيال من حسن التدبير؛

**  وأما التاسعة والعاشرة فلا تفشي له سرا، ولا تعصي له أمرا، فإنك إن أفشيت سرّه لم تأمني غدره، وإن عصيت أمره أوغرت صدره.

**  واتّقي الفرح لديه إذا كان ترحا، والاكتئاب عنده إذا كان فرحا، فإن الأولى من التقصير، والثانية من التكدير،

**  واعلمي أنك لن تصلي إلى ذلك منه حتى تؤثري هواه على هواك، ورضاه على رضاك فيهما أحببت وكرهت.

والله يخير لك، ويصنع لك برحمته.

**  قال: فلما حملت إليه غلبت على أمره، وولدت منه سبعة أملاك، ملكوا من بعده . اهـ

 **  انظر كتاب ( المعمرون والوصايا ) (ص: 37) لأبي حاتم سهل بن محمد بن عثمان الجشمي السجستاني (المتوفى: 248هـ)

**  و( العقد الفريد ) ، (7/ 89) لابن عبد ربه الأندلسي (المتوفى: 328هـ)

**  و ( جمهرة الأمثال ) ،(1/ 571) لأبي هلال الحسن بن عبد الله العسكري (المتوفى: نحو 395هـ)

**  و(تحفة العروس) صـ (91)، لمحمود بن مهدي الاستانبولي .

 **  ( والخلاصة ) :

احرص – أيتها الزوجة الموفقة – كل الحرص على كل ما يسعد زوجك ويدخل عليه السرور ،

وابتعد كل البعد عن كل ما يؤذيه ويدخل عليه الحزن .

 **  والله الموفق .

 **  كتبها : أبو عبد الله أحمد بن ثابت الوصابي

 **  الخميس  4 / 11/ 1438 هـ

(65) فائدة اليوم بعنوان : ( الحقوق الزوجية / الحلقة الأولى )

**  الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وعلى آله وأصحابه والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين  .

أما بعد :

**  فنظرا لكثرة النكاح بين العيدين أحببت أن أكتب نبذة يسيرة عن النكاح وفضله، وبيان شيء من الحقوق الزوجية التي لو عرفت وطبقت لحصلت السعادة والراحة والطمأنينة في المجتمع .

**  وقد جعلت هذه النبذة أربع حلقات وهي : مقدمة عن فضل النكاح ثم ذكر حقوق الزوج ثم ذكر حقوق الزوجة ثم نصيحة للزوجين .

 **  فأقول مستعينا بالله :

**  إن الزواج نعمة عظيمة ومنة جسيمة، امتن الله به على العباد فقال جل من قائل : { وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ }

**  فعن طريق الزواج يحصل السكون، وهو الراحة والطمأنينة،

**  وتحصل أيضا المودة، وهي المحبة والألفة والتوافق بين الزوجين،

** وتحصل به الرحمة والشفقة بينهما، وغير ذلك من المنافع والمصالح الكثيرة المتكاثرة التي لا يحصيها إلا الله .

 ** فإذا كان الزواج بهذه الأهمية فالواجب على كل من الزوجين أن يبذل غاية جهده في المحافظة على هذه النعمة العظيمة ورعايتها وحمايتها من كل ما يضعفها أو يزيلها بالكلية .

 ** وإذا سألنا وقلنا : كيف نستطيع أن نحافظ على الحياة الزوجية ؟

 **  فالجواب : أن ذلك ممكن وسهل جدا، وذلك إذا قام كل واحد من الزوجين بأداء الحق الذي عليه تجاه الأخر بصدق وإخلاص ومحبة ورغبة على قدر ما يستطيع :{ لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا } ، { فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ } 

 

** أيها الزوج الكريم،  أيتها الزوجة الكريمة، إن الزواج ليس مجرد متعة فقط، بل هو متعة ومسئولية عظيمة جدا .

 ** عَنِ عبد الله بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: « أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ، وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ، وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ، أَلَا فَكُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ » متفق عليه .

 

** وفي ( شرح النووي على مسلم ) (12/ 213):

قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم (كلكم راع وكلكم مسؤول عَنْ رَعِيَّتِهِ)

قَالَ الْعُلَمَاءُ : ( الرَّاعِي ) هُوَ الْحَافِظُ الْمُؤْتَمَنُ الْمُلْتَزِمُ صَلَاحَ مَا قَامَ عَلَيْهِ وَمَا هُوَ تَحْتَ نَظَرِهِ، فَفِيهِ أَنَّ كُلَّ مَنْ كَانَ تَحْتَ نَظَرِهِ شَيْءٌ فَهُوَ مُطَالَبٌ بِالْعَدْلِ فِيهِ وَالْقِيَامِ بِمَصَالِحِهِ فِي دِينِهِ وَدُنْيَاهُ وَمُتَعَلِّقَاتِهِ .اهـ

 

** وعَنْ عَمْرِو بْنِ الأَحْوَصِ الجشمي رضي الله عنه أَنَّهُ شَهِدَ حَجَّةَ الوَدَاعِ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَذَكَّرَ، وَوَعَظَ، …

فَقَالَ: … أَلاَ إِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلِنِسَائِكُمْ عَلَيْكُمْ حَقًّا، فَأَمَّا حَقُّكُمْ

عَلَى نِسَائِكُمْ فَلاَ يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ مَنْ تَكْرَهُونَ، وَلاَ يَأْذَنَّ فِي بُيُوتِكُمْ لِمَنْ تَكْرَهُونَ، أَلاَ وَحَقُّهُنَّ عَلَيْكُمْ أَنْ تُحْسِنُوا إِلَيْهِنَّ فِي كِسْوَتِهِنَّ وَطَعَامِهِنَّ.

رواه الترمذي [وحسنه الألباني] 

 

** وعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ حيدة الْقُشَيْرِيِّ رضي الله عنه ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا حَقُّ زَوْجَةِ أَحَدِنَا عَلَيْهِ؟، قَالَ: «أَنْ تُطْعِمَهَا إِذَا طَعِمْتَ، وَتَكْسُوَهَا إِذَا اكْتَسَيْتَ، أَوِ اكْتَسَبْتَ، وَلَا تَضْرِبِ الْوَجْهَ، وَلَا تُقَبِّحْ، وَلَا تَهْجُرْ إِلَّا فِي الْبَيْتِ»، رواه أَبُو دَاوُدَ وغيره، وقال الألباني: حسن صحيح، وقال شيخنا الوادعي : هذا حديث حسن .

 

** قَالَ أَبُو دَاوُدَ: ” ( وَلَا تُقَبِّحْ ) أَنْ تَقُولَ: قَبَّحَكِ اللَّهُ “

** فمن هذه الأدلة وغيرها نعرف أن الله جل وعلا قد أوجب على كل واحد من الزوجين حقوقا تجاه الأخر يجب عليه أن يؤديها كما أراد الله سبحانه وتعالى .

 ** وسوف أبدأ بذكر حقوق الزوج على زوجته ؛ لأنه أعظم الحقين .

**  كتبها : أبو عبد الله أحمد بن ثابت الوصابي

 **  السبت  28 / 10/ 1438 هـ

(64) فائدة اليوم بعنوان : ( الصبر عن الشهوات المحرمات سبب في نيل الدرجات العاليات )

**  قال الله تعالى : { وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (22) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ (23) سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ }

 **  وقال : { إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ }

 **  وقال : { أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلامًا }

**  وقال : { وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا }

 **  وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ: رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، « … وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ » متفق عليه .

**  وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ، وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ » متفق عليه .

 أي : لا وصول لأحد إلى الْجَنَّةَ إِلَّا بفعل الْمَكَارِهِ من الطاعات، وَلا نجاة لأحد من النَّار إلا بِترك الشَّهَوَاتِ من المحرمات .

 

**  وفي ( تفسير ابن كثير )، ط العلمية (8/ 297) :

 **  وَقَوْلُهُ تعالى: { وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا } أَيْ بِسَبَبِ صَبْرِهِمْ أَعْطَاهُمْ وَنَوَّلَهُمْ وَبَوَّأَهُمْ جَنَّةً وَحَرِيراً أَيْ مَنْزِلًا رَحْبًا وعيشا غيدا وَلِبَاسًا حَسَنًا.

**  وَرَوَى الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ هِشَامِ بْنِ سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيِّ قَالَ: قُرِئَ عَلَى أَبِي سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيِّ سُورَةُ هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ فَلَمَّا بَلَغَ الْقَارِئُ إِلَى قَوْلِهِ تعالى: { وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً } قَالَ: بِمَا صَبَرُوا عَلَى تَرْكِ الشَّهَوَاتِ فِي الدُّنْيَا .

 **  ثُمَّ أنشد يقول: [الطويل]

 

كَمْ   قَتِيلٌ    بِشَهْوَةٍ   وَأَسِيرٌ  ***  أُفٍّ مِنْ مُشْتَهِي خِلَافَ الْجَمِيلِ

شَهَوَاتُ الْإِنْسَانِ تُوْرِثُهُ الذُّلَّ  ***  وَتُلْقِيهِ   في   البلاء    الطويل 

.اهـ

 **  وفي كتاب : ( الفوائد )، (ص: 139):

 **  فصل الصبر عن الشهوة أسهل من الصبر على ما توجبه الشهوة فإنها :

**  إما أن توجب ألما وعقوبة .

**  وإما أن تقطع لذة أكمل منها .

**  وإما أن تضيع وقتا إضاعته حسرة وندامة .

**  وأما أن تثلم عرضا توفيره أنفع للعبد من ثلمه .

**  وأما أن تذهب مالا بقاؤه خير له من ذهابه .

**  وإما أن تضع قدرا وجاها قيامه خير من وضعه .

**  وأما أن تسلب نعمة بقاؤها ألذ وأطيب من قضاء الشهوة .

**  وأما أن تطرق لوضيع إليك طريقا لم يكن يجدها قبل ذلك .

**  وأما أن تجلب هما وغما وحزنا وخوفا لا يقارب لذة الشهوة .

**  وإما أن تنسى علما ذكره ألذ من نيل الشهوة .

**  وأما أن تشمت عدوا وتحزن وليا .

**  وإما أن تقطع الطريق على نعمة مقبلة .

**  وأما أن تحدث عيبا يبقى صفة لا تزول ؛ فان الأعمال تورث الصفات والأخلاق . اهـ

 

 **  والله الموفق .

 **  كتبها : أبو عبد الله أحمد بن ثابت الوصابي

 **  الإثنين  23 / 10/ 1438 هـ

 

(63) فائدة اليوم بعنوان : ( التحذير من الذنوب؛ فإنها سبب هلاك الأفراد والمجتمعات والشعوب )

**  إن للذنوب عواقب وخيمة، وأضرارًا سيئة.

**   إنها تجلب كل شر ونكد وبلاء.

**  إنها تظلم القلب، وتضيق الصدر، وتكدر صفو العيش .

**  إنها تجلب الفقر والذلة والمهانة، والأمراض والأسقام .

**  إنها تزيل النعم وتجلب النقم.

**  إنها تجلب العذاب الأليم، وتوصل صاحبها إلى دار الجحيم.

 

**  فكم أهلكت من أمة، وكم أسقطت من دولة، وكم خلفت من آثار سيئة وأحوال مدمرة،

 

**  وكل يوم وهي تتزايد وتتفاقم وتتوسع وتنتقل من سيء إلى أسوأ :

**  فصار الناس في الظلام بعد أن كانوا في النور،

**  وفي الخوف بعد أن كانوا في الأمن،

**  وفي قلق واضطراب بعد أن كانوا في هدوء واطمئنان،

**  وفي قلة بعد أن كانوا في كثرة،

**  وفي فقر بعد أن كانوا في غنى،

**  وفي ضيق بعد أن كانوا في سعة،

**  وفي سكون بعد أن كانوا في حركة ونشاط،

**  وتعطلت كثير من المدارس والأسواق والمزارع والمصانع،

**  وقتلت الرجال ويتمت الأطفال ورملت كثير من النساء،

**  وكثر الخراب والدمار، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

 

**  قال الله تعالى : { وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ }

**  وقال : {  وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا }

**  وقال : {  وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُّكْرًا (8) فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا (9) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (10) }

**  وقال : {  وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ (112) وَلَقَدْ جَاءهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ }

**  وقال : { لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (15) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَى أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ (16) ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلاَّ الْكَفُورَ (17) }

**  وقال : {  إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (17) وَلا يَسْتَثْنُونَ (18) فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (19) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ }

إلى قوله  : { كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (33) }

 

**  وقال : {  فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ، فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا، وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ، وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ، وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا، وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ، وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ }

 

**  قال ابن القيم ـ رحمه الله في كتابه القيم 🙁 الجواب الكافي )، (ص: 42)ـ:

 

**  فَممَا يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ، أَنَّ الذُّنُوبَ وَالْمَعَاصِيَ تَضُرُّ وَلَا بُدَّ،

**  وأَنَّ ضَرَرَهَا فِي الْقَلْبِ كَضَرَرِ السُّمُومِ فِي الْأَبْدَانِ عَلَى اخْتِلَافِ دَرَجَاتِهَا فِي الضَّرَرِ،

 

**  وَهَلْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ شَرٌّ وَدَاءٌ إِلَّا سَبَبُهُ الذُّنُوبُ وَالْمَعَاصِي،

 

**  فَمَا الَّذِي أَخْرَجَ الْأَبَوَيْنِ مِنَ الْجَنَّةِ، دَارِ اللَّذَّةِ وَالنَّعِيمِ وَالْبَهْجَةِ وَالسُّرُورِ إِلَى دَارِ الْآلَامِ وَالْأَحْزَانِ وَالْمَصَائِبِ؟

**  فَمَا الَّذِي أَخْرَجَ إِبْلِيسَ مِنْ مَلَكُوتِ السَّمَاءِ وَطَرَدَهُ وَلَعَنَهُ،

وَمَسَخَ ظَاهِرَهُ وَبَاطِنَهُ فَجَعَلَ صُورَتَهُ أَقْبَحَ صُورَةٍ وَأَشْنَعَهَا، وَبَاطِنَهُ أَقْبَحَ مِنْ صُورَتِهِ وَأَشْنَعَ،

وَبُدِّلَ بِالْقُرْبِ بُعْدًا، وَبِالرَّحْمَةِ لَعْنَةً، وَبِالْجَمَالِ قُبْحًا، وَبِالْجَنَّةِ نَارًا تَلَظَّى، وَبِالْإِيمَانِ كُفْرًا،

وَبِمُوَالَاةِ الْوَلِيِّ الْحَمِيدِ أَعْظَمَ عَدَاوَةٍ وَمُشَاقَّةٍ،

وَبِزَجَلِ التَّسْبِيحِ وَالتَّقْدِيسِ وَالتَّهْلِيلِ زَجَلَ الْكُفْرِ وَالشِّرْكِ وَالْكَذِبِ وَالزُّورِ وَالْفُحْشِ،

وَبِلِبَاسِ الْإِيمَانِ لِبَاسَ الْكُفْرِ وَالْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ،

فَهَانَ عَلَى اللَّهِ غَايَةَ الْهَوَانِ، وَسَقَطَ مِنْ عَيْنِهِ غَايَةَ السُّقُوطِ، وَحَلَّ عَلَيْهِ غَضَبُ الرَّبِّ تَعَالَى فَأَهْوَاهُ، وَمَقَتَهُ أَكْبَرَ الْمَقْتِ فَأَرْدَاهُ،

فَصَارَ قَوَّادًا لِكُلِّ فَاسِقٍ وَمُجْرِمٍ، رَضِيَ لِنَفْسِهِ بِالْقِيَادَةِ بَعْدَ تِلْكَ الْعِبَادَةِ وَالسِّيَادَةِ،

 

**  فَعِيَاذًا بِكَ اللَّهُمَّ مِنْ مُخَالَفَةِ أَمْرِكَ وَارْتِكَابِ نَهْيِكَ .

 

**  وَمَا الَّذِي أَغْرَقَ أَهْلَ الْأَرْضِ كُلَّهُمْ حَتَّى عَلَا الْمَاءُ فَوْقَ رَأْسِ الْجِبَالِ؟

 

**  وَمَا الَّذِي سَلَّطَ الرِّيحَ الْعَقِيمَ عَلَى قَوْمِ عَادٍ حَتَّى أَلْقَتْهُمْ مَوْتَى عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٌ،

وَدَمَّرَتْ مَا مَرَّ عَلَيْهِ مِنْ دِيَارِهِمْ وَحُرُوثِهِمْ وَزُرُوعِهِمْ وَدَوَابِّهِمْ، حَتَّى صَارُوا عِبْرَةً لِلْأُمَمِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ؟

 

**  وَمَا الَّذِي أَرْسَلَ عَلَى قَوْمِ ثَمُودَ الصَّيْحَةَ حَتَّى قَطَعَتْ قُلُوبَهُمْ فِي أَجْوَافِهِمْ وَمَاتُوا عَنْ آخِرِهِمْ ؟

 

**  وَمَا الَّذِي رَفَعَ قُرَى اللُّوطِيَّةِ حَتَّى سَمِعَتِ الْمَلَائِكَةُ نَبِيحَ كِلَابِهِمْ، ثُمَّ قَلَبَهَا عَلَيْهِمْ، فَجَعَلَ عَالِيَهَا سَافِلَهَا، فَأَهْلَكَهُمْ جَمِيعًا، ثُمَّ أَتْبَعَهُمْ حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَمْطَرَهَا عَلَيْهِمْ،

فَجَمَعَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْعُقُوبَةِ مَا لَمْ يَجْمَعْهُ عَلَى أُمَّةٍ غَيْرِهِمْ، وَلِإِخْوَانِهِمْ أَمْثَالُهَا، وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ؟

 

**  وَمَا الَّذِي أَرْسَلَ عَلَى قَوْمِ شُعَيْبٍ سَحَابَ الْعَذَابِ كَالظُّلَلِ، فَلَمَّا صَارَ فَوْقَ رُءُوسِهِمْ أَمْطَرَ عَلَيْهِمْ نَارًا تَلَظَّى ؟

 

**  وَمَا الَّذِي أَغْرَقَ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ فِي الْبَحْرِ، ثُمَّ نَقَلَتْ أَرْوَاحَهُمْ إِلَى جَهَنَّمَ، فَالْأَجْسَادُ لِلْغَرَقِ، وَالْأَرْوَاحُ لِلْحَرْقِ ؟

 

**  وَمَا الَّذِي خَسَفَ بِقَارُونَ وَدَارِهِ وَمَالِهِ وَأَهْلِهِ ؟

 

**  وَمَا الَّذِي أَهْلَكَ الْقُرُونَ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ بِأَنْوَاعِ الْعُقُوبَاتِ، وَدَمَّرَهَا تَدْمِيرًا؟

 

**  وَمَا الَّذِي أَهْلَكَ قَوْمَ صَاحِبِ يس بِالصَّيْحَةِ حَتَّى خَمَدُوا عَنْ آخِرِهِمْ؟

 

**  وَمَا الَّذِي بَعَثَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ قَوْمًا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ، وَقَتَلُوا الرِّجَالَ، وَسَبُوا الذُّرِّيَّةَ وَالنِّسَاءَ، وَأَحْرَقُوا الدِّيَارَ، وَنَهَبُوا الْأَمْوَالَ، ثُمَّ بَعَثَهُمْ عَلَيْهِمْ مَرَّةً ثَانِيَةً فَأَهْلَكُوا مَا قَدَرُوا عَلَيْهِ وَتَبَّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا؟

**  وَمَا الَّذِي سَلَّطَ عَلَيْهِمْ أَنْوَاعَ الْعُقُوبَاتِ، مَرَّةً بِالْقَتْلِ وَالسَّبْيِ وَخَرَابِ الْبِلَادِ، وَمَرَّةً بِجَوْرِ الْمُلُوكِ، وَمَرَّةً بِمَسْخِهِمْ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ،

وَآخِرُ ذَلِكَ أَقْسَمَ الرَّبُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ} [سُورَةُ الْأَعْرَافِ: 167] .

 

**  قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ عُمَرَ وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا فُتِحَتْ قُبْرُصُ فُرِّقَ بَيْنَ أَهْلِهَا، فَبَكَى بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَرَأَيْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ جَالِسًا وَحْدَهُ يَبْكِي، فَقُلْتُ: يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ مَا يُبْكِيكَ فِي يَوْمٍ أَعَزَّ اللَّهُ فِيهِ الْإِسْلَامَ وَأَهْلَهُ، فَقَالَ: وَيْحَكَ يَا جُبَيْرُ، مَا أَهْوَنُ الْخَلْقِ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِذَا أَضَاعُوا أَمْرَهُ، بَيْنَمَا هِيَ أُمَّةٌ قَاهِرَةٌ ظَاهِرَةٌ لَهُمُ الْمُلْكُ، تَرَكُوا أَمْرَ اللَّهِ فَصَارُوا إِلَى مَا تَرَى .

 

**  وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ: أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْبَخْتَرِيِّ يَقُولُ: أَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَقُولُ : « لَنْ يَهْلِكَ النَّاسُ حَتَّى يَعْذِرُوا مِنْ أَنْفُسِهِمْ » .

 

**  وَفِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلِّمَ – يَقُولُ: « إِذَا ظَهَرَتِ الْمَعَاصِي فِي أُمَّتِي عَمَّهُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمَا فِيهِمْ يَوْمَئِذٍ أُنَاسٌ صَالِحُونَ؟ قَالَ: بَلَى، قُلْتُ: كَيْفَ يُصْنَعُ بِأُولَئِكَ؟ قَالَ: يُصِيبُهُمْ مَا أَصَابَ النَّاسَ، ثُمَّ يَصِيرُونَ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ » … الخ كلامه رحمه الله ). اهـ المراد

 

**  والمخرج من هذه المصائب والفتن، والشدائد والمحن التي سببت هذه الأضرار العظيمة والأخطار الجسيمة، هو الرجوع الصادق إلى الله سبحانه وتعالى بالتوبة النصوح،

**  ويكون ذلك بالإقلاع عن الذنب،

**  والندم على فعله،

**  والعزم الأكيد على عدم الرجوع إليه،

وإرجاع الحقوق إلى أصحابها .

كما قال تعالى قال : { ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } 

**  وقال : {  إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ }

**  وقال : {  وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }

**  وقال : { مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا } .

 

**  قال العلامة السعدي ـ رحمه الله تعالى في تفسيره ( تيسير الكريم الرحمن ) (ص: 414) ـ :

{ إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ } من النعمة والإحسان ورغد العيش

{ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ } بأن ينتقلوا من الإيمان إلى الكفر، ومن الطاعة إلى المعصية، أو من شكر نعم الله إلى البطر بها، فيسلبهم الله عند ذلك إياها.

**  وكذلك إذا غير العباد ما بأنفسهم من المعصية، فانتقلوا إلى طاعة الله، غير الله عليهم ما كانوا فيه من الشقاء إلى الخير والسرور والغبطة والرحمة،

{ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا } أي: عذابا وشدة وأمرا يكرهونه، فإن إرادته لا بد أن تنفذ فيهم . اهـ

 

 

**  والله الموفق .

**  كتبها : أبو عبد الله أحمد بن ثابت الوصابي

**  الخميس  19 / 10/ 1438 هـ

(62) فائدة اليوم بعنوان : ( حسن الظن بالله يحتاج إلى عمل، وإلا كان غرورا )

**  قال ابن القيم رحمه الله في كتابه القيم 🙁 الجواب الكافي )،

 (1/ 86) :

فصل :

**  فقد تبين الفرق بين حسن الظن والغرور، وأنّ حسن الظن إن حمل على العمل، وحثَّ عليه، وساق إليه، فهو صحيح. وإن دعا إلى البطالة والانهماك في المعاصي، فهو غرور.

**  وحسن الظن هو الرجاء. فمن كان رجاؤه حاديًا  له على الطاعة، زاجرًا له عن المعصية، فهو رجاء صحيح. ومن كانت بطالته رجاءً، ورجاؤه بطالةً وتفريطًا، فهو المغرور.

**  ولو أن رجلًا له أرض يؤمّل أن يعود عليه من مُغَلِّها ما ينفعه فأهملها، ولم يبذُرها، ولم يحرثها، وأحسن ظنه بأنه يأتي من مغلّها ما يأتي مَن حَرَث ، وبَذَر، وسقَى، وتعاهَد الأرضَ، لعدَّه الناس من أسفه

السفهاء.

 

** وكذلك لو حسّن ظنَّه وقوّى رجاءَه بأن يجيئه ولد من غير جماع، أو يصير أعلمَ أهل زمانه من غير طلبِ للعلم  وحرص تامّ عليه، وأمثال ذلك.

فكذلك من حسّن ظنه وقوّى رجاءه في الفوز بالدرجات العلى والنعيم المقيم، من غير طاعة ولا تقرب إلى الله تعالى بامتثال أوامره واجتناب نواهيه. وبالله التوفيق .

 

** وقد قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ} [البقرة: 218].

 

** فتأمَّلْ كيف جعل رجاءَهم إتيانَهم بهذه الطاعات!

 

** وقال المغترون: إنّ المفرِّطين المضيِّعين لحقوق الله، المعطِّلين لأوامره، الباغين على عباده، المتجرّئين على محارمه { أولئك يرجون رحمة الله } !

** وسرّ المسألة : أنّ الرَّجاء وحسن الظن إنما يكون مع الإتيان بالأسباب التي اقتضتها حكمة الله في شرعه، وقدَره، وثوابه وكرامته؛ فيأتي العبد بها، ثم يحسن ظنّه بربه، ويرجوه أن لا يكِلَه إليها، وأن يجعلها موصلةً إلى ما ينفعه، ويصرف ما يعارضها، ويبطل أثرها.

 

((  فصل )) :

** ومما ينبغي أن يعلم أنّ من رجا شيئًا استلزم رجاؤه أمورًا:

أحدها: محبة ما يرجوه .

الثاني: خوفه من فواته .

الثالث: سعيه في تحصيله بحسب الإمكان .

 

** وأما رجاءٌ لا يقارنه شيء من ذلك، فهو من باب الأماني !

** والرجاء شيء، والأماني شيء آخر.

** فكلُّ راجٍ خائفٌ، والسائر على الطريق إذا خاف أسرَعَ السيرَ مخافةَ الفوات.

** وفي جامع الترمذي من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: “مَن خاف أدلَجَ، ومن أدلج بلغ المنزل .

ألا إنّ سلعة الله غالية، ألا إنّ سلعة الله الجنّة”.

 

** وهو سبحانه كما جعل الرَّجاء لأهل الأعمال الصالحة، فكذلك جعل الخوف لأهل الأعمال.

** فعُلِمَ أنّ الرَّجاء والخوف النافع هو ما اقترن به العمل.

** قال الله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (57) وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (58) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (59) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (60) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (61) } [المؤمنون: 57 – 61].

 

** وقد روى الترمذي في جامعه عن عائشة رضي الله عنها قالت: سألتُ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عن هذه الآية فقلت : أهم الذين يشربون الخمر ويزنون ويسرقون؟ فقال: “لا يا بنت الصديق، ولكنهم الذين يصومون ويصلّون  ويتصدّقون، ويخافون أن لا يُتقبَل منهم . أولئك يسارعون في الخيرات”.

 

** وقد روي من حديث أبي هريرة أيضًا .

 

** والله سبحانه وصف أهل السعادة بالإحسان مع الخوف، ووصف الأشقياء بالإساءة مع الأمن. ومن تأمل أحوال الصحابة رضي الله عنهم وجدهم في غاية العمل مع غاية الخوف. ونحن جمعنا بين التقصير- بل التفريط- والأمن! فهذا الصدّيق يقول: “وددتُ أنّي شعرة في جنب عبد مؤمن”.    /  ذكره أحمد عنه .

** وذكر عنه أنه كان يمسك بلسانه ويقول: هذا أوردني الموارد!

** وكان يبكي كثيرًا، ويقول: ابكوا، فإنْ لم تبكُوا فتباكَوا .

** وكان إذا قام إلى الصلاة كأنه عود من خشية الله عَزَّ وَجَلَّ .

** وأتي بطائر، فقلّبه، ثم قال: ما صِيدَ مِن صَيدٍ ولا قُطعت من شجرة إلا بما ضيّعَتْ من [18/ ب] التسبيح .  

. . .،  وهذا باب يطول تتبعه  . . .  الخ كلامه رحمة الله عليه ) .

اهـ المراد .

 

**  والله الموفق .

**  كتبها : أبو عبد الله أحمد بن ثابت الوصابي

**  الأربعاء  18 / 10/ 1438 هـ

(61) فائدة اليوم بعنوان : ( التحذير من أساليب مكر النفس الخبيثة بصاحبها لإيقاعه في الذنوب )

**  قال ابن القيم ـ رحمه الله في كتابه القيم 🙁 الجواب الكافي )،

(ص: 21)ـ :

 

فَصْلٌ :

الْأَمْرُ الثَّانِي :

**  أَنْ يَحْذَرَ مُغَالَطَةَ نَفْسِهِ عَلَى هَذِهِ الْأَسْبَابِ،

**  وَهَذَا مِنْ أَهَمِّ الْأُمُورِ، فَإِنَّ الْعَبْدَ يَعْرِفُ أَنَّ الْمَعْصِيَةَ وَالْغَفْلَةَ مِنَ الْأَسْبَابِ الْمُضِرَّةِ لَهُ فِي دُنْيَاهُ وَآخِرَتِهِ وَلَا بُدَّ،

**  وَلَكِنْ تُغَالِطُهُ نَفْسُهُ بِالِاتِّكَالِ عَلَى عَفْوِ اللَّهِ وَمَغْفِرَتِهِ تَارَةً ،

**  وَبِالتَّسْوِيفِ بِالتَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ بِاللِّسَانِ تَارَةً،

**  وَبِفِعْلِ الْمَنْدُوبَاتِ تَارَةً،

**  وَبِالْعِلْمِ تَارَةً،

**  وَبِالِاحْتِجَاجِ بِالْقَدَرِ تَارَةً،

**  وَبِالِاحْتِجَاجِ بِالْأَشْبَاهِ وَالنُّظَرَاءِ تَارَةً،

**  وَبِالِاقْتِدَاءِ بِالْأَكَابِرِ تَارَةً أُخْرَى.

 

**  وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يَظُنُّ أَنَّهُ لَوْ فَعَلَ مَا فَعَلَ ثُمَّ قَالَ : ( أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ )، زَالَ أَثَرُ الذَّنْبِ وَرَاحَ هَذَا بِهَذَا،

 

**  وَقَالَ لِي رَجُلٌ مِنَ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى الْفِقْهِ: أَنَا أَفْعَلُ مَا أَفْعَلُ ثُمَّ أَقُولُ:

( سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ ) ، مِائَةَ مَرَّةٍ وَقَدْ غُفِرَ ذَلِكَ أَجْمَعُهُ ،

كَمَا صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَنَّهُ قَالَ : « مَنْ قَالَ فِي يَوْمٍ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، مِائَةَ مَرَّةٍ حُطَّتْ خَطَايَاهُ، وَلَوْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ» ،

 

**  وَقَالَ لِي آخَرُ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ : نَحْنُ إِذَا فَعَلَ أَحَدُنَا مَا فَعَلَ، اغْتَسَلَ وَطَافَ بِالْبَيْتِ أُسْبُوعًا وَقَدْ مُحِيَ عَنْهُ ذَلِكَ ،

 

**  وَقَالَ لِي آخَرُ: قَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَنَّهُ قَالَ: «أَذْنَبَ عَبْدٌ ذَنْبًا، فَقَالَ: أَيْ رَبِّ أَصَبْتُ ذَنْبًا فَاغْفِرْ لِي، فَغَفَرَ اللَّهُ ذَنْبَهُ، ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أَذْنَبَ ذَنْبًا آخَرَ، فَقَالَ: أَيْ رَبِّ أَصَبْتُ ذَنْبًا، فَاغْفِرْ لِي، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: عَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ، قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي، فَلْيَصْنَعْ مَا شَاءَ.»  وَقَالَ: أَنَا لَا أَشُكُّ أَنَّ لِي رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ،

 

**  وَهَذَا الضَّرْبُ مِنَ النَّاسِ قَدْ تَعَلَّقَ بِنُصُوصٍ مِنَ الرَّجَاءِ، وَاتَّكَلَ عَلَيْهَا وَتَعَلَّقَ بِهَا بِكِلْتَا يَدَيْهِ .

**  وَإِذَا عُوتِبَ عَلَى الْخَطَايَا وَالِانْهِمَاكِ فِيهَا، سَرَدَ لَكَ مَا يَحْفَظُهُ مِنْ سَعَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ وَمَغْفِرَتِهِ وَنُصُوصِ الرَّجَاءِ،

 

**  وَلِلْجُهَّالِ مِنْ هَذَا الضَّرْبِ مِنَ النَّاسِ فِي هَذَا الْبَابِ غَرَائِبُ وَعَجَائِبُ

 

**  كَقَوْلِ بَعْضِهِمْ:

وَكَثِّرْ مَا اسْتَطَعْتَ مِنَ الْخَطَايَا     إِذَا كَانَ الْقُدُومُ عَلَى كَرِيمٍ

 

**  وَقَوْلِ الْآخَرِ: التَّنَزُّهُ مِنَ الذُّنُوبِ جَهْلٌ بِسَعَةِ عَفْوِ اللَّهِ .

**  وَقَالَ الْآخَرُ: تَرْكُ الذُّنُوبِ جَرَاءَةٌ عَلَى مَغْفِرَةِ اللَّهِ وَاسْتِصْغَارٌ لها! .

**  وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ حَزْمٍ : رَأَيْتُ بَعْضَ هَؤُلَاءِ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ :

اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعِصْمَةِ .

 

**  وَمِنْ هَؤُلَاءِ الْمَغْرُورِينَ مَنْ يَتَعَلَّقُ بِمَسْأَلَةِ الْجَبْرِ، وَأَنَّ الْعَبْدَ لَا فِعْلَ لَهُ الْبَتَّةَ وَلَا اخْتِيَارَ، وَإِنَّمَا هُوَ مَجْبُورٌ عَلَى فِعْلِ الْمَعَاصِي .

 

**  وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يَغْتَرُّ بِمَسْأَلَةِ الْإِرْجَاءِ، وَأَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ مُجَرَّدُ التَّصْدِيقِ، وَالْأَعْمَالَ لَيْسَتْ مِنَ الْإِيمَانِ، وَأَنَّ إِيمَانَ أَفْسَقِ النَّاسِ كَإِيمَانِ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ .

 

**  وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يَغْتَرُّ بِمَحَبَّةِ الْفُقَرَاءِ وَالْمَشَايِخِ وَالصَّالِحِينَ، وَكَثْرَةِ التَّرَدُّدِ إِلَى قُبُورِهِمْ، وَالتَّضَرُّعِ إِلَيْهِمْ، وَالِاسْتِشْفَاعِ بِهِمْ، وَالتَّوَسُّلِ إِلَى اللَّهِ بِهِمْ، وَسُؤَالِهِ بِحَقِّهِمْ عَلَيْهِ، وَحُرْمَتِهِمْ عِنْدَهُ .

 

**  وَمِنْهُمْ مَنْ يَغْتَرُّ بِآبَائِهِ وَأَسْلَافِهِ، وَأَنَّ لَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ مَكَانَةً وَصَلَاحًا، فَلَا يَدَعُوهُ أَنْ يُخَلِّصُوهُ كَمَا يُشَاهِدُ فِي حَضْرَةِ الْمُلُوكِ،

**  فَإِنَّ الْمُلُوكَ تَهَبُ لِخَوَاصِّهِمْ ذُنُوبَ أَبْنَائِهِمْ وَأَقَارِبِهِمْ ،

وَإِذَا وَقَعَ أَحَدٌ مِنْهُمْ فِي أَمْرٍ مُفْظِعٍ خَلَّصَهُ أَبُوهُ وَجَدُّهُ بِجَاهِهِ وَمَنْزِلَتِهِ.

 

**  وَمِنْهُمْ مَنْ يَغْتَرُّ بِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ غَنِيٌّ عَنْ عَذَابِهِ، وَعَذَابُهُ لَا يَزِيدُ فِي مُلْكِهِ شَيْئًا، وَرَحْمَتُهُ لَهُ لَا تَنْقُصُ مِنْ مُلْكِهِ شَيْئًا، فَيَقُولُ: أَنَا مُضْطَرٌّ إِلَى رَحْمَتِهِ، وَهُوَ أَغْنَى الْأَغْنِيَاءِ، وَلَوْ أَنَّ فَقِيرًا مِسْكِينًا مُضْطَرًّا إِلَى شَرْبَةِ مَاءٍ عِنْدَ مَنْ فِي دَارِهِ شَطٌّ يَجْرِي لَمَا مَنَعَهُ مِنْهَا فَاللَّهُ أَكْرَمُ وَأَوْسَعُ فَالْمَغْفِرَةُ لَا تَنْقُصُهُ شَيْئًا وَالْعُقُوبَةُ لَا تَزِيدُ فِي مُلْكِهِ شَيْئًا .

 

**  وَمِنْهُمْ مَنْ يَغْتَرُّ بِفَهْمٍ فَاسِدٍ فَهِمَهُ هُوَ وَأَضْرَابُهُ مِنْ نُصُوصِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، فَاتَّكَلُوا عَلَيْهِ كَاتِّكَالِ بَعْضِهِمْ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى} [سُورَةُ الضُّحَى: 55] .

**  قَالَ : وَهُوَ لَا يَرْضَى أَنْ يَكُونَ فِي النَّارِ أَحَدٌ مِنْ أُمَّتِهِ،

**  وَهَذَا مِنْ أَقْبَحِ الْجَهْلِ، وَأَبْيَنِ الْكَذِبِ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يَرْضَى بِمَا يَرْضَى بِهِ رَبُّهُ عَزَّ وَجَلَّ،

**  وَاللَّهُ تَعَالَى يُرْضِيهِ تَعْذِيبُ الظَّلَمَةِ وَالْفَسَقَةِ وَالْخَوَنَةِ وَالْمُصِرِّينَ عَلَى الْكَبَائِرِ، فَحَاشَا رَسُولَهُ أَنْ يَرْضَى بِمَا لَا يَرْضَى بِهِ رَبُّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى .

 

**  وَكَاتِّكَالِ بَعْضِهِمْ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: { إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا } [سُورَةُ الزُّمَرِ: 53]

**  وَهَذَا أَيْضًا مِنْ أَقْبَحِ الْجَهْلِ، فَإِنَّ الشِّرْكَ دَاخِلٌ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، فَإِنَّهُ رَأْسُ الذُّنُوبِ وَأَسَاسُهَا، وَلَا خِلَافَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ فِي حَقِّ التَّائِبِينَ، فَإِنَّهُ يَغْفِرُ ذَنْبَ كُلِّ تَائِبٍ مِنْ أَيِّ ذَنْبٍ كَانَ، وَلَوْ كَانَتِ الْآيَةُ فِي حَقِّ غَيْرِ التَّائِبِينَ لَبَطَلَتْ نُصُوصُ الْوَعِيدِ كُلُّهَا .

 

**  وَأَحَادِيثُ إِخْرَاجِ قَوْمٍ مِنَ الْمُوَحِّدِينَ مِنَ النَّارِ بِالشَّفَاعَةِ .

**  وَهَذَا إِنَّمَا أَتَى صَاحِبَهُ مِنْ قِلَّةِ عِلْمِهِ وَفَهْمِهِ، فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ هَاهُنَا عَمَّمَ وَأَطْلَقَ، فَعُلِمَ أَنَّهُ أَرَادَ التَّائِبِينَ،

وَفِي سُورَةِ النِّسَاءِ خَصَّصَ وَقَيَّدَ فَقَالَ: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [سُورَةُ النِّسَاءِ: 48] ،

فَأَخْبَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ لَا يَغْفِرُ الشِّرْكَ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ يَغْفِرُ مَا دُونَهُ، وَلَوْ كَانَ هَذَا فِي حَقِّ التَّائِبِ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الشِّرْكِ وَغَيْرِهِ،

 

**  وَكَاغْتِرَارِ بَعْضِ الْجُهَّالِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: { يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ } [سُورَةُ الِانْفِطَارِ: 66]

فَيَقُولُ : كَرَّمَهُ ، وَقَدْ يَقُولُ بَعْضُهُمْ : إِنَّهُ لَقَّنَ الْمُغْتَرَّ حُجَّتَهُ،

**  وَهَذَا جَهْلٌ قَبِيحٌ، وَإِنَّمَا غَرَّهُ بِرَبِّهِ الْغَرُورُ، وَهُوَ الشَّيْطَانُ، وَنَفْسُهُ الْأَمَّارَةُ بِالسُّوءِ وَجَهْلُهُ وَهَوَاهُ،

وَأَتَى سُبْحَانَهُ بِلَفْظِ ( الْكَرِيمِ ) وَهُوَ السَّيِّدُ الْعَظِيمُ الْمُطَاعُ، الَّذِي لَا يَنْبَغِي الِاغْتِرَارُ بِهِ ، وَلَا إِهْمَالُ حَقِّهِ ، فَوَضَعَ هَذَا الْمُغْتَرُّ الْغَرُورَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وَاغْتَرَّ بِمَنْ لَا يَنْبَغِي الِاغْتِرَارُ بِهِ .

. . . الخ . اهـ المراد

 

**  وننصح بقراءة بقية كلامه الماتع والمفيد رحمه الله تعالى .  

 

**  والله الموفق .

**  كتبها : أبو عبد الله أحمد بن ثابت الوصابي

**  الثلاثاء  17 / 10/ 1438 هـ

(60) فائدة اليوم بعنوان : ( التواضع خلق رفيع، والتكبر خلق وضيع )

**  التواضع وصف كريم وخلق عظيم، أمر الله به، وحث عليه، ورغب فيه ووعد عليه الأجر العظيم والنفع العميم في الدنيا والآخرة .

 

**  وهو علامة بارزة للأنبياء والمرسلين وعباد الله المؤمنين،

 

**  والكبر : عكسه تمامًا .

 

** فمن تواضع لله فقدوته الأنبياء والمرسلون ومن تبعهم من عباد الله الصالحين.

 

** ومن تكبر فقدوته الشيطان الرجيم ومن تبعه من المتكبرين الجبارين من الإنس والجن والشياطين .

 

 

**  قال تعالى : { وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } .

**  قال تعالى : { وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا }.

**  وقال الله تعالى : { وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً * كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيٍّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا }.

**  وقال تعالى: { تِلْكَ الدّارُ الاَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأرْضِ وَلاَ فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتّقِينَ } . 

**  وقال تعالى عن لقمان موصيًا ولده : { وَلاَ تُصَعّرْ خَدّكَ لِلنّاسِ وَلاَ تَمْشِ فِي الأرْضِ مَرَحاً إِنّ اللّهَ لاَ يُحِبّ كُلّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ } . 

** وقال الله تعالى:{ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ }.

 

**  وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ: « … وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللهُ » رواه مسلم .

 

**  وعَنْ عِيَاضِ المُجَاشِعٍي ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : « … وَإِنَّ اللهَ أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى لَا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، وَلَا يَبْغِي أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ » رواه مسلم .

 

**  وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ـ رضي الله عنه ـ عَنِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ» قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً، قَالَ: «إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ » رواه مسلم .

 

**  وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ـ رضي الله عنه ـ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ : الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدَةً مِنْهُمَا، أَلْقَيْتُهُ فِي جَهَنَّمَ ” رواه مسلم وغيره، وهذا لفظ أحمد.

 

**  وعَنْ عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ، قَالَ: يُحْشَرُ الْمُتَكَبِّرُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ أَمْثَالَ الذَّرِّ فِي صُوَرِ الرِّجَالِ يَغْشَاهُمُ الذُّلُّ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ، فَيُسَاقُونَ إِلَى سِجْنٍ فِي جَهَنَّمَ يُسَمَّى بُولَسَ تَعْلُوهُمْ نَارُ الأَنْيَارِ يُسْقَوْنَ مِنْ عُصَارَةِ أَهْلِ النَّارِ طِينَةَ الخَبَالِ . رواه أحمد وغيره، وحسنه الألباني .

 

وفي كتاب : ( شرح الزرقاني على الموطأ )، (4/ 678):

**  وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: التَّوَاضُعُ انْكِسَارٌ، وَالتَّذَلُّلُ ضِدُّ التَّكَبُّرِ،

**  فَالتَّوَاضُعُ إِنْ كَانَ لِلَّهِ، أَوْ لِرَسُولِهِ، أَوْ لِلْحَاكِمِ، أَوْ لِلْعَالِمِ، فَهَذَا وَاجِبٌ يَرْفَعُ اللَّهُ بِهِ فِي الدَّارَيْنِ،

**  وَأَمَّا لِسَائِرِ الْخَلْقِ فَإِنْ قُصِدَ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ يَرْفَعُ قَدْرَ صَاحِبِهِ فِي الْقُلُوبِ، وَيُطَيِّبُ ذِكْرَهُ فِي الْأَفْوَاهِ، وَيَرْفَعُ قَدْرَهُ فِي الْآخِرَةِ،

**  وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ لِأَجْلِ الدُّنْيَا فَلَا عِزَّ مَعَهُ. اهـ المراد

 

**  وقال ابن القيم في كتابه : ( الروح )، (ص: 233):

**  التَّوَاضُع : هُوَ انكسار الْقلب لله، وخفض جنَاح الذل وَالرَّحْمَة بعباده، فَلَا يرى لَهُ على أحد فضلا، وَلَا يرى لَهُ عِنْد أحد حَقًا ، بل يرى الْفضل للنَّاس عَلَيْهِ والحقوق لَهُم قبله.

**  وَهَذَا خلق إِنَّمَا يُعْطِيهِ الله عز وَجل من يُحِبهُ ويكرمه ويقربه. اهـ المراد

 

**  وفي كتاب : ( التنوير شرح الجامع الصغير )، للصنعاني (10/ 184):

**  وقال الطبري: في التواضع مصلحة الدارين فلو استعمله الناس في الدنيا لزالت بينهم الشحناء فاستراحوا من نصب المباهات والمفاخرات. اهـ

 

** وفي كتاب: ( الآداب النافعة بالألفاظ المختارة الجامعة )، (ص:10):

**  وذكر الكبر عند المعتصم. فقال : حظ صاحبه من الله المقت، ومن الناس اللعن.

**  وقال بعضهم : إذا نال الشريف رتبة تواضع فيها، وإذا نال الوضيع رتبة تكبر فيها.

**  وقال يحيى بن خالد: من بلغ رتبة فتاه فيها، فقد أخبر أن محله دونها،

ومن بلغ رتبة فتواضع فيها، فقد أخبر أن محله فوقها .

.  .  .  .  .  .  .

**  وقال عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ : رأس التواضع أن تبدأ بالسلام لمن لقيت، وترضى بالدون من المجلس .

**  وقال مصعب بن الزبير : التواضع من مصائد الشرف . اهـ

 

 

**  وفي كتاب : ( فتح القدير ) للشوكاني (5/ 464):

**  { مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ } أَيْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ، وَهَذَا تَحْقِيرٌ لَهُ.

**  قَالَ الْحَسَنُ: كَيْفَ يَتَكَبَّرُ مَنْ خَرَجَ مِنْ مَخْرَجِ الْبَوْلِ مَرَّتَيْنِ. اهـ المراد

 

**  و في ( تفسير القرطبي ) ، (7 / 334) :

**  ولا يتكبر على أحد من عباد الله، فإنه مؤلف من أقذار، مشحون من أوضار(1)، صائر إلى جنة إن أطاع أو إلى نار.

**  وقال ابن العربي : وكان شيوخنا يستحبون أن ينظر المرء في الأبيات الحكمية التي جمعت هذه الأوصاف العلمية :

كيف يزهو مَنْ رجيعهُ(2)               أَبَدَ  الدهرِ ضجيعُه

فـهــو  مـنـه   وإلـيـه             وأَخــوه ورضـيـعُـه

وهو يـدعـوه إلى الحُ (3)         شِّ بصغر فيطيعه؟!!. اهـ

(1)   والأوضار: الأوساخ.

(2)   الرجيع: العذرة والروث .

(3)   الحش بالتثليث: النخل المجتمع، ويكنى به عن بيت الخلاء، لما كان من عادتهم التغوط في البساتين .

 

**  وفي ( تفسير القرطبي ) أيضا ، (18/ 294) :

**  وَرُوِيَ أَنَّ مُطَرِّفَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ رَأَى المهلب ابن أَبِي صُفْرَةَ يَتَبَخْتَرُ فِي مُطْرَفٍ خَزٍّ وَجُبَّةِ خَزٍّ فَقَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، مَا هذه المشية التي يبغضها الله؟!

 **  فقال له : أتعرفني ؟

**  قال نعم ، أولك نُطْفَةٌ مَذِرَةٌ، وَآخِرُكَ جِيفَةُ قَذِرَةٌ، وَأَنْتَ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ  تَحْمِلُ الْعَذِرَةَ.

**  فَمَضَى الْمُهَلَّبُ وَتَرَكَ مِشْيَتَهُ .

**  نَظَمَ الْكَلَامَ مَحْمُودٌ الْوَرَّاقُ فَقَالَ :

عَجِبْتُ مِنْ مُعْجَبٍ بِصُورَتِهِ              وَكَانَ   بِالْأَمْسِ  نُطْفَةً  مَذِرَهْ

وَفِي غَدٍ  بَعْدَ حُسْنِ  هَيْئَتِهِ               يَصِيرُ فِي الْأَرْضِ جِيفَةً قَذِرَهْ

وَهُوَ  عَلَى عُجْبِهِ  وَنَخْوَتِهِ              مَا بَيْنَ  يَوْمَيْنِ  يَحْمِلُ  الْعَذِرَهْ

 

**  وَقَالَ آخَرُ:

هَلْ فِي ابْنِ آدَمَ غَيْرَ الرَّأْسِ مَكْرُمَةٌ              وَهُوَ بِخَمْسٍ مِنَ الْأَوْسَاخِ مَضْرُوبُ

أَنْفٌ يَسِيلُ وَأُذْنٌ رِيحُهَا سَهِكٌ (**)               وَالْعَيْنُ   مُرْمَصَةٌ   وَالثَّغْرُ  مَلْهُوبُ

يَا ابْنَ التُّرَابِ وَمَأْكُولَ التُّرَابِ غَدًا                قَصِّرْ    فَإِنَّكَ   مَأْكُولٌ    وَمَشْرُوبُ

(**) السهك- محركة- ريح كريهة تجدها من الإنسان إذا عرق. اهـ

 

 

**  وقال الشاعر :

تواضع  تكن  كالنجم  لاح  لناظرٍ         على صفحات الماء وهو رفيعُ

ولا  تك   كالدخان   يعلو   بنفسه         إلى طبقات الجو  وهو  وضيعُ

وأكرم    أخلاق    الفتى   وأجلها         تواضعه   للناس   وهو  رفيع

وأقبح شيء أن يرى المرء نفسه         رفيعا  وعند  العالمين  وضيع

 

**  وقال آخر :

إن  كريم  الأصل  كالغصن  كلما          ازداد من خير تواضع وانحنى

 

**  وقال آخر :

وكفى  بملتمس  التواضع  رفعة         وكفى  بملتمس   العلو  سفالا

 

**  والله الموفق .

**  كتبها : أبو عبد الله أحمد بن ثابت الوصابي

**  السبت  14 / 10/ 1438 هـ

(59) فائدة اليوم بعنوان : ( التفصيل والبيان في كيفية مكابدة الإنسان )

**  قال تعالى :{ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ }

**  في هذه الآية العظيمة يخبر الله سبحانه وتعالى خبرا مؤكدا بثلاثة مؤكدات ، وهي : القسم ، واللام. وحرف ( قد ) الدالة على التحقيق  ، أنه خلق الإنسان في شدة ومشقة ، منذ بداية تخلقه في بطن أمه إِلى أَن يستقر به القرار إِماَّ في الجنة وإِمَّا في النار .

**  فإن كان من أهل الجنة استراح وذهبت عنه تلك الشدائد والمشاق .

**  وإن كان من أهل النار تَضَاعَفت عليه تلك الشدائد والمشاق أضعافا كثيرة .

 

**  وفي ( تفسير القرطبي ) (20/ 62) :

{ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ (4) }

**  إِلَى هُنَا انْتَهَى الْقَسَمُ، وَهَذَا جَوَابُهُ.

**  وَلِلَّهِ أَنْ يُقْسِمَ بِمَا يَشَاءُ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ لِتَعْظِيمِهَا، كَمَا تَقَدَّمَ.

**  وَالْإِنْسَانُ هُنَا ابْنُ آدَمَ.

**  ( فِي كَبَدٍ ) أَيْ : فِي شِدَّةٍ وَعَنَاءٍ مِنْ مُكَابَدَةِ الدُّنْيَا.

**  وَأَصْلُ ( الْكَبَدِ ) الشِّدَّةُ. وَمِنْهُ ( تَكَبَّدَ اللَّبَنُ ): غَلُظَ وَخَثَرَ وَاشْتَدَّ.

**  وَمِنْهُ ( الْكَبِدُ) ، لِأَنَّهُ دَمٌ تَغَلَّظَ وَاشْتَدَّ.

**  وَيُقَالُ: ( كَابَدْتُ هَذَا الْأَمْرَ): قَاسَيْتُ شِدَّتَهُ:

**  قَالَ لَبِيدٌ:

يَا عَيْنُ هَلَّا بَكَيْتِ أَرْبَدَ إِذْ    * * *    قُمْنَا وَقَامَ الْخُصُومُ فِي كَبَدِ

**  قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ: ( فِي كَبَدٍ ) أَيْ فِي شِدَّةٍ وَنَصَبٍ.

**  وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا: فِي شِدَّةٍ مِنْ حَمْلِهُ ، وَوِلَادَتِهِ ، وَرَضَاعِهِ ، وَنَبْتِ أَسْنَانِهِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَحْوَالِهِ.

**  وَرَوَى عِكْرِمَةُ عَنْهُ قَالَ : مُنْتَصِبًا فِي بَطْنِ أُمِّهِ.

**  وَالْكَبَدُ: الِاسْتِوَاءُ وَالِاسْتِقَامَةُ.

**  فَهَذَا امْتِنَانٌ عَلَيْهِ فِي الْخِلْقَةِ.

**  وَلَمْ يَخْلُقِ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ دَابَّةً فِي بَطْنِ أُمِّهَا إِلَّا مُنْكَبَّةً عَلَى وَجْهِهَا إِلَّا ابْنَ آدَمَ، فَإِنَّهُ مُنْتَصِبٌ انْتِصَابًا، وَهُوَ قَوْلُ النَّخَعِيِّ وَمُجَاهِدٍ وَغَيْرهِمَا.

**  ابْنُ كَيْسَانَ: مُنْتَصِبًا رَأْسُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، فَإِذَا أَذِنَ اللَّهُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ قَلَبَ رَأْسَهُ إِلَى رِجْلَيْ أُمِّهِ.

**  وَقَالَ الْحَسَنُ: يُكَابِدُ مَصَائِبَ الدُّنْيَا وَشَدَائِدَ الْآخِرَةِ.

**  وَعَنْهُ أَيْضًا: يُكَابِدُ الشُّكْرَ عَلَى السَّرَّاءِ وَيُكَابِدُ الصَّبْرَ عَلَى الضَّرَّاءِ، لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِهِمَا. وَرَوَاهُ ابْنُ عُمَرَ.

**  وَقَالَ يَمَانٌ: لَمْ يَخْلُقِ اللَّهُ خَلْقًا يُكَابِدُ مَا يُكَابِدُ ابْنُ آدَمَ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ أَضْعَفُ الْخَلْقِ.

 

**  ( قَالَ عُلَمَاؤُنَا ):

**  أَوَّلُ مَا يُكَابِدُ قَطْعَ سُرَّتِهِ،

**  ثُمَّ إذا قُمِطَ قِمَاطًا، وَشُدَّ رِبَاطًا، يُكَابِدُ الضِّيقَ وَالتَّعَبَ،

**  ثُمَّ يُكَابِدُ الِارْتِضَاعَ، وَلَوْ فَاتَهُ لَضَاعَ،

**  ثُمَّ يُكَابِدُ نَبْتَ أَسْنَانِهِ، وَتَحَرُّكَ لِسَانِهِ،

**  ثُمَّ يُكَابِدُ الْفِطَامَ، الَّذِي هُوَ أَشَدُّ مِنَ اللِّطَامِ،

**  ثُمَّ يُكَابِدُ الْخِتَانَ، وَالْأَوْجَاعَ وَالْأَحْزَانَ،

**  ثُمَّ يُكَابِدُ الْمُعَلِّمَ وَصَوْلَتَهُ، وَالْمُؤَدِّبَ وَسِيَاسَتَهُ، وَالْأُسْتَاذَ وَهَيْبَتَهُ،

**  ثُمَّ يُكَابِدُ شُغْلَ التَّزْوِيجِ وَالتَّعْجِيلَ فِيهِ ،

**  ثُمَّ يُكَابِدُ شُغْلَ الْأَوْلَادِ، وَالْخَدَمِ وَالْأَجْنَادِ،

**  ثُمَّ يُكَابِدُ شُغْلَ الدُّورِ، وَبِنَاءِ الْقُصُورِ،

**  ثُمَّ الْكِبَرَ وَالْهَرَمَ، وَضَعْفَ الرُّكْبَةِ وَالْقَدَمِ، فِي مَصَائِبَ يَكْثُرُ تَعْدَادُهَا، وَنَوَائِبَ يَطُولُ إِيرَادُهَا، مِنْ :

صُدَاعِ الرَّأْسِ، وَوَجَعِ الْأَضْرَاسِ، وَرَمَدِ الْعَيْنِ، وَغَمِّ الدَّيْنِ، وَوَجَعِ السِّنِّ، وَأَلَمِ الْأُذُنِ. **  وَيُكَابِدُ مِحَنًا فِي الْمَالِ وَالنَّفْسِ، مِثْلَ الضَّرْبِ وَالْحَبْسِ، وَلَا يَمْضِي عَلَيْهِ يَوْمٌ إِلَّا يُقَاسِي فِيهِ شِدَّةً، وَلَا يُكَابِدُ إِلَّا مَشَقَّةً،

**  ثُمَّ الموت بعد ذلك كله،

**  ثم مسألة الْمَلَكِ، وَضَغْطَةَ الْقَبْرِ وَظُلْمَتَهُ ،

**  ثُمَّ الْبَعْثَ وَالْعَرْضَ عَلَى اللَّهِ، إِلَى أَنْ يَسْتَقِرَّ بِهِ الْقَرَارُ، إِمَّا فِي الْجَنَّةِ وَإِمَّا فِي النَّارِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ( لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ ) ،

**  فَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ إِلَيْهِ لَمَّا اخْتَارَ هَذِهِ الشَّدَائِدَ .

**  وَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ لَهُ خَالِقًا دَبَّرَهُ، وَقَضَى عَلَيْهِ بِهَذِهِ الْأَحْوَالِ، فَلْيَمْتَثِلْ أَمْرَهُ. اهـ

 

**  قال أبو عبد الله ، وفقه الله :

( تنبيه ) :

**  المعلوم أن مكَابِدة الْخِتَان تكون قبل مكَابِدة الْفِطَام ،

**  فالْخِتَان في اليوم السابع  ، والْفِطَام بعد الحولين .

 

 

**  والله الموفق .

 

**  كتبها : أبو عبد الله أحمد بن ثابت الوصابي

**  الخميس  12 / 10/ 1438 هـ

 

(58) فائدة اليوم بعنوان : ( ذكر بعض الألقاب والنسب التي على غير ظاهرها )

(1)  يزيد الفقير ، لقب بذلك ؛ بسبب فقار الظهر لا من فقر المال .

 

**  في ( شرح النووي على مسلم ) ،(3/ 50):

**  (حَدَّثَنِي يَزِيدُ الْفَقِيرُ) هُوَ يَزِيدُ بْنُ صُهَيْبٍ الْكُوفِيُّ ثُمَّ الْمَكِّيُّ أَبُو عُثْمَانَ ،

**  قِيلَ لَهُ : الْفَقِيرُ ؛ لِأَنَّهُ أُصِيبَ فِي فَقَارِ ظَهْرِهِ فَكَانَ يَأْلَمُ مِنْهُ حَتَّى يَنْحَنِيَ لَهُ .

 

**  وفي ( فتح الباري ) لابن حجر (1/ 436):

**  قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا يَزِيدُ الْفَقِير ) هُوَ بن صُهَيْبٍ يُكَنَّى أَبَا عُثْمَانَ تَابِعِيُّ مَشْهُورٌ ،

**  قِيلَ لَهُ : الْفَقِيرُ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَشْكُوُ فَقَارِ ظَهْرِهِ وَلَمْ يَكُنْ فَقِيرًا مِنَ الْمَالِ .

**  قَالَ صَاحِبُ الْمُحْكَمِ : رَجُلٌ فَقِيرٌ مَكْسُورُ فَقَارِ الظَّهْرِ ، وَيُقَالُ لَهُ : فَقِّيرٌ بِالتَّشْدِيدِ أَيْضًا . اهـ

 

 

(2) أبو حمزة السكري ، لقب بذلك ؛ بسبب حلاوة كلامه ، لا من بيعه السكر :

 

**  وفي ( سير أعلام النبلاء ) ط الحديث (7/ 68):

**  الحَافِظُ، الإِمَامُ، الحُجَّةُ، مُحَمَّدُ بنُ مَيْمُوْنٍ المَرْوَزي، عَالِمُ مَرْوٍ.

**  وَلَمْ يَكُنْ يَبِيْعُ السُّكَّرَ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ السُّكَّرِيّ؛ لِحَلاَوَةِ كَلاَمِهِ. اهـ

 

 

(3) حميد الطويل  ، لم يكن طويلا . وإنما لقب بذلك ؛ بسبب جاره حميد القصير .

**  وقيل : بسبب طول في يديه .

**  وفي كتاب : ( الوافي بالوفيات ) للصفدي ، (13/ 120):

**  وَلم يكن بالطويل ، وَلَكِن كَانَ طَوِيل الْيَدَيْنِ يغسل الْمَوْتَى ،

فَإِذا وقف عِنْد رَأس الْمَيِّت تبلغ يَده رجل الْمَيِّت من طولهَا.

**  وَقيل كَانَ فِي جِيرَانه رجل قصير سميُّه فَقَالَ الْجِيرَان لَهُ : الطَّوِيل تمييزاً .

 

(4) عبيد الله بن عبد الله الْيَهُودِيّ ، لم يكن يَهُودِيّا .

وإنما لقب بذلك ؛ بسبب أنه سكن درب الْيَهُود بِبَغْدَاد .

 

**  وفي كتاب : ( نزهة الألباب في الألقاب ) لابن حجر (2/ 314):

3278 – ( الْيَهُودِيّ )

**  جمَاعَة من أهل أَصْبَهَان من قَرْيَة الْيَهُودِيَّة ، وَعرف بهَا أَبُو مُحَمَّد عبيد الله بن عبد الله بن البيع صَاحب الْمحَامِلِي لِأَنَّهُ كَانَ يسكن درب الْيَهُود بِبَغْدَاد

3279 – وَمثله أَحْمد بن مُحَمَّد بن عبد الْكَرِيم الْجِرْجَانِيّ كَانَ يسكن بَاب الْيَهُود بجرجان . اهـ

 

 

(5) مُعَاوِيَة بن عبد الْكَرِيم ( الضال ) ، لقب بذلك ؛ بسبب أنه ضل فِي طَرِيق مَكَّة .

 

(6) عبد الله بن مُحَمَّد ( الضَّعِيف  ) ، لقب بذلك ؛ بسبب أنه كَانَ ضَعِيفا فِي بدنه لَا فِي حَدِيثه .

 

**  وفي ( الباعث الحثيث إلى اختصار علوم الحديث ) (ص: 220):

**  قال الحافظ عبد الغني بن سعيد المصري: رجلان جليلان لزمهما لقبان قبيحان: **  معاوية بن عبد الكريم ” الضال “، وإنما ضل في طريق مكة.

**  وعبد الله بن محمد ” الضعيف “، وإنما كان ضعيفاً في جسمه، لا في حديثه.

 

(7) خَالِدٌ الْحَذَّاءُ ، لَمْ يَكُنْ حَذَّاءً، وإنما لقب بذلك ؛ بسبب أنه كان يجالس الحذائين .

**  وفي كتاب : ( شرح التبصرة والتذكرة ألفية العراقي ) ، (2/ 287):

( . . . وقريبٌ منْ ذلكَ: خالدٌ الحَذَّاءُ، وهوَ خالدُ بنُ مِهْرانَ.

**  واختلِفَ في سببِ انتسابِهِ لذلكَ :

**  فقالَ يزيدُ بنُ هارونَ فيما حكاهُ البخاريُّ في” التاريخ ” : ما حذا نعلاً قطُّ، إنما كانَ يجلسُ إلى حَذَّاءٍ فنسبَ إليهِ،

**  وكذا قالَ محمدُ بنُ سعدٍ : (( لَمْ يكنْ بحذَّاءٍ، ولكنْ كانَ يجلسُ إليهمْ )) ،

**  قالَ: وقالَ فهدُ بنُ حيَّانَ: لَمْ يَحذُ خالدٌ قطُّ، وإنما كانَ يقولُ: احذُ على هذا النحوِ؛ فلقِّبَ: الحذَّاءَ. اهـ

 

**  وفي كتاب : ( مقدمة ابن الصلاح ) ، (ص: 373) :

النَّوْعُ الثَّامِنُ وَالْخَمْسُونَ

مَعْرِفَةُ النِّسَبِ الَّتِي بَاطِنُهَا عَلَى خِلَافِ ظَاهِرِهَا الَّذِي هُوَ السَّابِقُ إِلَى الْفَهْمِ مِنْهَا

 

**  مِنْ ذَلِكَ أَبُو مَسْعُودٍ الْبَدْرِيُّ عُقْبَةُ بْنُ عَمْرٍو: لَمْ يَشْهَدْ بَدْرًا فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ، وَلَكِنْ نَزَلَ بَدْرًا فَنُسِبَ إِلَيْهَا.

**  سُلَيْمَانُ بْنُ طَرْخَانَ التَّيْمِيُّ: نَزَلَ فِي تَيْمٍ وَلَيْسَ مِنْهُمْ، وَهُوَ مَوْلَى بَنِي مُرَّةَ.

**  أَبُو خَالِدٍ الدَّالَانِيُّ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: هُوَ أَسَدِيٌّ مَوْلَى لِبَنِي أَسَدٍ، نَزَلَ فِي بَنِي دَالَانَ بَطْنٍ مِنْ هَمْدَانَ فَنُسِبَ إِلَيْهِمْ.

**  إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَزِيدَ الْخُوزِيُّ: لَيْسَ مِنَ الْخُوزِ، إِنَّمَا نَزَلَ شِعْبَ الْخُوزِ بِمَكَّةَ.

**  عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ الْعَرْزَمِيُّ: نَزَلَ جَبَّانَةَ عَرْزَمٍ بِالْكُوفَةِ، وَهِيَ قَبِيلَةٌ مَعْدُودَةٌ فِي فَزَارَةَ، فَقِيلَ: عَرْزَمِيٌّ بِتَقْدِيمِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ عَلَى الزَّايِ.

**  مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ الْعَوَقِيُّ، أَبُو بَكْرٍ الْبَصْرِيُّ: بَاهِلِيٌّ نَزَلَ فِي الْعَوَقَةِ – بِالْقَافِ وَالْفَتْحِ – وَهُمْ بَطْنٌ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ، فَنُسِبَ إِلَيْهِمْ.

**  أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ السُّلَمِيُّ: جَلِيلٌ رَوَى عَنْهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ، هُوَ أَزْدِيٌّ عُرِفَ بِالسُّلَمِيِّ، لِأَنَّ أُمَّهُ كَانَتْ سُلَمِيَّةً، ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْهُ،

**  وَأَبُو عَمْرِو بْنُ نُجَيْدٍ السُّلَمِيُّ كَذَلِكَ، فَإِنَّهُ حَفيِدُهُ،

**  وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ: مُصَنِّفُ الْكُتُبِ لِلصُّوفِيَّةِ، كَانَتْ أُمُّهُ ابْنَةَ أَبِي عَمْرٍو الْمَذْكُورِ، فَنُسِبَ سُلَمِيًّا، وَهُوَ أَزْدِيٌّ أَيْضًا جَدُّهُ ابْنُ عَمِّ أَحْمَدَ بْنِ يُوسُفَ.

 

**  وَيَقْرُبُ مِنْ ذَلِكَ وَيَلْتَحِقُ بِهِ :

**  مِقْسَمٌ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ: هُوَ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ، لَزِمَ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَقِيلَ لَهُ: مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، لِلُزُومِهِ إِيَّاهُ.

**  يَزِيدُ الْفَقِيرُ: أَحَدُ التَّابِعِينَ، وُصِفَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ أُصِيبَ فِي فَقَارِ ظَهْرِهِ، فَكَانَ يَأْلَمُ مِنْهُ حَتَّى يَنْحَنِيَ لَهُ.

**  خَالِدٌ الْحَذَّاءُ: لَمْ يَكُنْ حَذَّاءً، وَوُصِفَ بِذَلِكَ لِجُلُوسِهِ فِي الْحَذَّائِينَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.اهـ

 

**  قال أبو عبد الله ، وفقه الله :

**  واستفدنا أكثر هذه الأسماء من دورس شيخنا ووالدنا علامة اليمن أبي عيد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي ، رحمه الله رحمة الأبرار .

**  فإنها كانت تمر علينا في دورسه فيسأل عنها ويقول –مثلا – :

**  هل تحل الرواية عن عبيدالله بن عبد الله اليهودي ؟!

عندك ، عندك ، عندك ، حتى يمر السؤال على جماعة من الطلاب ،

**  ثم يرفع أحد الطلاب يده فيجيب بالجواب الصحيح الذي قد عرفه سابقا من شيخنا ، رحمة الله عليه .

 

 

**  والله الموفق .

 

**  كتبها : أبو عبد الله أحمد بن ثابت الوصابي

 

**  الأربعاء  11 / 10/ 1438 هـ

(57) فائدة اليوم بعنوان : ( أنواع المحبة )

**  قال الله تعالى: { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ } [البقرة: 165] .

**  وَقال: { قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ } [آل عمران31] .

 

**  وعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاَوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ المَرْءَ لاَ يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ بَعْدَ أَنْ أَنْقَذَهُ اللهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ ” متفق عليه .

 

**  قال ابن القيم – رحمه الله – في كتابه القيم : ( إغاثة اللهفان ) ، (2/ 140) :

**  فالمحبة النافعة ثلاثة أنواع:

**  محبة الله ، ومحبة فى الله ، ومحبة ما يعين على طاعة الله تعالى واجتناب معصيته.

**  والمحبة الضارة ثلاثة أنواع :

**  المحبة مع الله ، ومحبة ما يبغضه الله تعالى ، ومحبة ما تقطع محبته عن محبة الله تعالى أو تنقصها .

**  فهذه ستة أنواع، عليها مدار محاب الخلق.

 

**  فمحبة الله عز وجل أصل المحاب المحمودة ، وأصل الإيمان والتوحيد، والنوعان الآخران تبع لها .

**  والمحبة مع الله أصل الشرك والمحاب المذمومة ، والنوعان الآخران تبع لها.

**  ومحبة الصور المحرمة وعشقها من موجبات الشرك ،

 

**  وكلما كان العبد أقرب إلى الشرك وأبعد من الإخلاص كانت محبته بعشق الصور أشد ،

**  وكلما كان أكثر إخلاصا وأشد توحيدا ، كان أبعد من عشق الصور ،

**  ولهذا أصاب امرأة العزيز ما أصابها من العشق ، لشركها.

**  ونجا منه يوسف الصديق عليه السلام بإخلاصه، قال تعالى: { كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المُخْلَصِينَ} [يوسف: 24] .

**  فالسوء: العشق، والفحشاء: الزنا.

**  فالمخلص قد خلص حبه لله ، فخلصه الله من فتنة عشق الصور.

**  والمشرك قلبه متعلق بغير الله، لم يخلص توحيده وحبه لله عز وجل .

اهـ المراد

 

 

**  والله الموفق .

 

**  كتبها : أبو عبد الله أحمد بن ثابت الوصابي

**  الثلاثاء  10 / 10/ 1438 هـ

(56) فائدة اليوم بعنوان : ( ذكر أسماء الشهور والأيام العربية ، وسبب تسميتها ، وذكر جموعها )

**  في : ( تفسير ابن كثير ) ، ط العلمية (4/ 128):

[فَصْلٍ] ذَكَرَ الشَّيْخُ عَلَمُ الدِّينِ السَّخَاوِيُّ فِي جُزْءٍ جَمَعَهُ سَمَّاهُ :

«الْمَشْهُورُ فِي أَسْمَاءِ الْأَيَّامِ وَالشُّهُورِ»

**  أَنَّ ( الْمُحَرَّمَ ) سُمِّيَ بِذَلِكَ ؛ لِكَوْنِهِ شَهْرًا مُحَرَّمًا،

**  وَعِنْدِي أَنَّهُ سُمِّيَ بِذَلِكَ تَأْكِيدًا لِتَحْرِيمِهِ  ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ تَتَقَلَّبُ بِهِ فَتُحِلُّهُ عَامًا وَتُحَرِّمُهُ عَامًا .

**  قَالَ وَيُجْمَعُ عَلَى : مُحَرَّمَاتٍ ، وَمَحَارِمَ ، ومحاريم .

**  و( صفر ) سمي بذلك ، لخلو بيوتهم منهم حِينَ يَخْرُجُونَ لِلْقِتَالِ وَالْأَسْفَارِ .

**  يُقَالُ : ( صَفِرَ الْمَكَانُ ) إِذَا خَلَا ، وَيُجْمَعُ عَلَى : ( أَصْفَارٍ ) كَجَمَلٍ وَأَجْمَالٍ،

**  و( شهر رَبِيعٍ الْأَوَّلِ ) سُمِّيَ بِذَلِكَ  ؛ لِارْتِبَاعِهِمْ فِيهِ .

**  وَالِارْتِبَاعُ : الْإِقَامَةُ فِي عِمَارَةِ الرَّبْعِ ،

**  وَيُجْمَعُ عَلَى : ( أَرْبِعَاءَ ) كنصيب وأنصباء ، وعلى ( أربعة ) كرغيف وأرغفة،

**  و( ربيع الْآخِرُ ) كَالْأَوَّلِ .

**  ( جُمَادَى ) سُمِّيَ بِذَلِكَ  ؛ لِجُمُودِ الْمَاءِ فِيهِ ،

**  قَالَ : وَكَانَتِ الشُّهُورُ فِي حِسَابِهِمْ لَا تَدُورُ .

**  وَفِي هَذَا نَظَرٌ  ؛ إِذْ كَانَتْ شُهُورُهُمْ منوطة بالأهلة فلا بُدَّ مِنْ دَوَرَانِهَا .

**  فَلَعَلَّهُمْ سَمَّوْهُ بِذَلِكَ أَوَّلَ مَا سُمِّيَ عِنْدَ جُمُودِ الْمَاءِ فِي الْبَرْدِ، كما قال الشاعر:

وَلَيلَةٍ مِنْ جُمَادَى ذَاتِ أَنْدِيَةٍ   ***  لَا يُبْصِرُ العبد في ظلمائها الطُّنُبَا

لَا يَنْبَحُ الْكَلْبُ فِيهَا غَيْرُ وَاحِدَةٍ    ***  حَتَّى يَلُفَّ عَلَى خُرْطُومِهِ الذَّنَبَا

**  وَيُجْمَعُ عَلَى : ( جُمَادِيَاتٍ ) كَحُبَارَى وحُبَارِيَاتٍ .

**  وَقَدْ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ فَيُقَالُ : ( جمادى الأولى والأول ، جمادى الْآخِرُ وَالْآخِرَةُ).  **  ( رَجَبٌ ) مِنَ التَّرْجِيبِ ، وَهُوَ التَّعْظِيمُ .

**  وَيُجْمَعُ عَلَى ( أَرْجَابٍ ، ورِجَابٍ ، ورَجَبَاتٍ ).

**  ( شَعْبَانُ ) مِنْ تَشَعُّبِ الْقَبَائِلِ وَتَفَرُّقِهَا لِلْغَارَةِ .

**  وَيُجْمَعُ عَلَى : ( شَعَابِينَ ، وشعبانات ) .

**  ( رمضان ) مِنْ شِدَّةِ الرَّمْضَاءِ ، وَهُوَ الْحُرُّ . يُقَالُ : ( رَمِضَتِ الْفِصَالُ ) إِذَا عَطِشَتْ ،

**  وَيُجْمَعُ عَلَى : ( رَمَضَانَاتٍ ، وَرَمَاضِينَ ، وَأَرْمِضَةٍ ) .

**  قَالَ: وَقَوْلُ مَنْ قَالَ : إِنَّهُ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ خَطَأٌ لَا يُعَرَّجُ عَلَيْهِ وَلَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ، **  قُلْتُ: قَدْ وَرَدَ فِيهِ حَدِيثٌ ، وَلَكِنَّهُ ضَعِيفٌ ، وَبَيَّنْتُهُ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الصِّيَامِ .

**  ( شَوَّالٌ ) مِنْ شَالَتِ الْإِبِلُ بِأَذْنَابِهَا لِلطِّرَاقِ .

**  قَالَ : وَيُجْمَعُ عَلَى : ( شَوَاوِلَ وَشَوَاوِيلَ وَشَوَّالَاتٍ ).

**  ( الْقَعْدَةُ ) بِفَتْحِ الْقَافِ ، قُلْتُ : وَكَسْرِهَا، لِقُعُودِهِمْ فِيهِ عَنِ الْقِتَالِ وَالتَّرْحَالِ **  وَيُجْمَعُ عَلَى ( ذَوَاتِ الْقَعْدَةِ ) .

**  ( الْحِجَّةُ ) بكسر الحاء ، قلت : وفتحها ، سمي بذلك ؛ لإقامتهم الْحَجَّ فِيهِ ،

**  وَيُجْمَعُ عَلَى : ( ذَوَاتِ الْحِجَّةِ ) .

 

((  أَسْمَاءُ الأيام )) :

**  أولها : ( الأحد ) ، ويجمع على : ( آحاد ، وأوحاد ، ووحود ) ،

**  ثُمَّ ( يَوْمُ الْاثْنَيْنِ ) وَيُجْمَعُ عَلَى : ( أَثَانِينَ ) ،

**  ( الثُّلَاثَاءُ ) يُمَدُّ ، وَيُذَكَّرُ ، وَيُؤَنَّثُ  .

**  وَيُجْمَعُ عَلَى : ( ثَلَاثَاوَاتٍ ، وَأَثَالِثَ ) ،

**  ثُمَّ ( الْأَرْبِعَاءُ ) بِالْمَدِّ ، وَيُجْمَعُ عَلَى : ( أَرْبَعَاوَاتٍ ، وَأَرَابِيعَ ) .

**  ( وَالْخَمِيسُ ) ، يُجْمَعُ عَلَى : ( أَخْمِسَةٍ ، وَأَخَامِسَ )  .

**  ثُمَّ ( الْجُمُعَةُ ) ، بِضَمِّ الْمِيمِ ، وَإِسْكَانِهَا ، وَفَتْحِهَا أَيْضًا ، وَيُجْمَعُ عَلَى :

( جمع ، وجماعات ) ،

**  ( السَّبْتُ ) ، مَأْخُوذٌ مِنَ : السَّبْتِ ، وَهُوَ الْقَطْعُ :لِانْتِهَاءِ الْعَدَدِ عِنْدَهُ  .

 

**  وَكَانَتِ الْعَرَبُ تُسَمِّي الْأَيَّامَ : أَوَّلَ ، ثُمَّ أَهْوَنَ ، ثُمَّ جُبَارَ ، ثُمَّ دُبَارَ ، ثُمَّ مؤنس ، ثم العروبة ، ثم شيار،

 

**  قَالَ الشَّاعِرُ مِنَ الْعَرَبِ الْعَرْبَاءِ الْعَارِبَةِ الْمُتَقَدِّمِينَ: [الوافر]

 

أُرَجِّي أَنْ أَعِيشَ وَأَنَّ يَوْمِي   ***  بِأَوَّلَ  أَوْ  بِأَهْوَنَ  أَوْ  جُبَارِ

أَوِ  التَّالِي  دُبَارِ  فِإِنْ   أَفُتْهُ   ***  فَمُؤْنِسَ أَوْ عَرُوبَةَ أَوْ شِيَارِ . اهـ

 

**  وفي ( شرح النووي على مسلم ) ، (1/ 183) :

**  قَالَ النَّحَّاسُ : وَأُدْخِلَتِ ( الْأَلِفُ وَاللَّامُ ) فِي الْمُحَرَّمِ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الشُّهُورِ . **  قَالَ : وَجَاءَ مِنَ الشُّهُورِ ثَلَاثَةُ مُضَافَاتٍ : شَهْرُ رَمَضَانَ ، وَشَهْرَا رَبِيعٍ ،

يَعْنِي وَالْبَاقِي غَيْرُ مُضَافَاتٍ .

**  وَسُمِّيَ الشَّهْرُ شَهْرًا : لِشُهْرَتِهِ وَظُهُورِهِ . اهـ 

 

 

**  وانظر كتاب :

( المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم ) ، (15/ 125) .

وكتاب : ( الأزمنة وتلبية الجاهلية ) ، لقُطْرُب (ص: 44) .

**  والله الموفق .

 

**  كتبها : أبو عبد الله أحمد بن ثابت الوصابي

**  الإثنين  9 / 10/ 1438 هـ

(55) فائدة اليوم بعنوان : ( معرفة الحروف الزائدة، وذكر بعض التراكيب التي جمعت فيها )

**  حروف الزيادة عشرةٌ، وهي : الهمزة، والألف، والهاء، والياء، والنون، والتاء، والسين، والميم، والواو، واللام .  

 

**  وَمعنى كَونهَا زائدةٌ : أنه لا يقع في كلام العرب حرف زائد في اسم ولا فعل إلا من هذه الأحرف ، لا أنها لا تقع إلا زائدة .

 

**  وفي كتاب ( اللباب في علل البناء والإعراب )، لأبي البقاء عبد الله بن الحسين العكبري (2/ 223) :  

**  وَمعنى كَونهَا زائدةٌ أنَّها تكون فِي بعضِ الْمَوَاضِع زائدةٌ ، لَا فِي كلِّ موضعٍ ، بل قد تكون كلّها أصولاً أَلا ترى أنَّ : ( أَوَى ، وَيَوْم ، وسل ) كلّها أصُول  . اهـ

 

**  وفي كتاب ( تاج العروس ) (8/ 161) للزَّبيدي (المتوفى: 1205هـ)

 **  قَالَ شيخُنا: وَقد أَورَدَ هذه الحروفَ العُلماءُ فِي كُتبهم، وجمعوها فِي تراكِيبَ مُخْتَلفَة، أَوْصَلُوهَا إِلى نحوِ مائةٍ ونَيّف وَثَلَاثِينَ تَركيباً.

 **  وَمن أَحسن ضَوَابطِها: قَول أَبي مُحَمَّد عبدِ المَجيد بن عَبدُونَ الفِهْرِيّ:

سَأَلْتُ الحُروفَ الزَّائداتِ عنِ اسْمِها    * * *   فقالَتْ وَلم تَكْذِب: أَمانٌ وتَسْهِيلُ

 **  قَالَ : وَمن ضوابطها: أَهْوَى تِلِمْسَانَ

**  ونظَمَه الإِمام أَبو الْعَبَّاس أَحمد الْمقري فِي قَوْله :

قَالَتْ حُرُوفُ زِيَادَاتٍ لسائِلِهَا          * * *   هَوِيت من بَلْدةٍ: أَهْوَى تِلِمْسَانَا

 **  قَالَ: وجَمعها الشيخُ ابنُ مالِك أَربَع مرّاتٍ فِي أَربعةِ أَمثلة بِلَا حَشْو، فِي بيتٍ واحِد، مَعَ كمالِ العُذُوبة، فَقَالَ:

هَنَاءٌ وتَسْلِيمٌ ، تَلَا يَوْمَ أُنْسِهِ          * * *   نِهَايَةُ مَسْئولٍ ، أَمانٌ وتَسْهِيل

 **  وحُكِيَ أَنَّ أَبا عُثمانَ المازنيّ سُئل عَنْهَا فأَنْشَدَ:

هَوِيتُ السِّمانَ فَشَيَّبْنَنِي            * * *   وَقَدْ كُنْتُ قِدْماً هَوِيتُ السِّمَانا

**  فَقيل لَهُ: أَجِبْنَا فَقَالَ: أَجبتكم مَرَّتين . 

**  ويروى أَنه قَالَ: سَأَلْتُمونِيها، فأَعطيتكم ثلاثةَ أَجوبَة .   اهـ المراد

 

**  وفي كتاب : ( نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب )

لشهاب الدين أحمد بن محمد المقري التلمساني (المتوفى: 1041هـ)

ت / إحسان عباس (3/ 455) :

**  ( قلت : وعلى ذكر حروف الزيادة فقد أكثر الناس في انتقاء الكلمات الضابطة لها ، وقد كنت جمعت فيها نحو مائة ضابط ، ولنذكر الآن بعضها ، فنقول :

(( منها :  .  .  .    ثم قال : فهذه مائة وأربعة وثلاثون تركيباً، منها ما هو متين ، ومنها ما هو غير متين ،     .  .  .    ))

**  وقال أيضا : (( وقد جمعت في المغرب زيادة على ما تقدم، وكنت قدرت رسالة فيها أسميها :

” إتحاف أهل السيادة بضوابط حروف الزيادة “. الخ )) . اهـ

 

**  قلت : وقد ذكرت بعضا من هذه التراكيب على سبيل المثال ، ورتبتها على حروف الهجاء ، وهي كالتالي :

 

**  فمن التراكيب المبدوءة بالهمزة :

( أسلم وانتهي ) ، ( أتلهو يا مسن ) ( أَسْهَلُ مَا تَنْوِي) ( أمان وتسهيل  ) ، ( أيهما نتوسل ).

 

**  ومن التراكيب المبدوءة بالألف :

( اسلمتونيها ) ، ( الْتَمَسْنَ هواي ) ، ( استَمَالَنِي هُوَ ) ، ( اسألي مؤنته ) ،

(  استهون ألمي )

 

**  ومن التراكيب المبدوءة بالتاء :

( تأوه سليمان ) ، ( تلا يوم أنسه ) ، ( تأَمَّلَهَا يُونُس ) ، ( تَيمَّن لي وَسهَا) ، 

( تَسالمِي أَهْون ) .

 

 **  ومن التراكيب المبدوءة بالسين :

( سَأَلْتُمُونِيهَا ) ، ( سَائِل وانْتَهِمْ ) ، و ( سألتم هواني ) ، ( سأَلْتَنِي ما هُوَ ) ،

( سأَلتَ مَا يَهُونَ ) .

 

 **  ومن التراكيب المبدوءة باللام :

( لم يأتنا سهو ) ، ( لا أنسيتموه ) ، ( لأيهما نتوسم ) ، ( لهواء تنسمي)

(لسموه أتاني) .

 **  ومن التراكيب المبدوءة بالميم :

( ما أنت وسهيل ) ، ( مسألتي نواه ) ، ( مسألتي أهون  ) ،

(ما سألت نهوي) ، ( ما تسأل يهون ) .

 

**  ومن التراكيب المبدوءة بالنون :

( نويت أسالمه ) ، ( نويت ألمسها) ،  ( نويت ألامسه ) ، ( نهاية مسؤول ) ،

( نهوي ما تسأل )  . 

 

**  ومن التراكيب المبدوءة بالواو :

(وَهِي أَسلمتنا ) ، ( واليتم أنسه ) ، ( وَنهى مَا تسأَل ) ، 

( وإِنّي سأَلْتهم ) ، ( وَهَيّنٌ مَا سأَلت ) .

 

**  ومن التراكيب المبدوءة بالهاء :

( هل أنت مواسي ) ،( هناء وتسليم ) ، ( هم يتساءلون ) ( هويتُ السّمان ) ،

( هُو لى استأْمَن ) .

 

**  ومن التراكيب المبدوءة بالياء :

( يا أوس هل نمت ) ، ( يمنها أتوسل ) ، ( يَا هَوْلُ اسْتَنِمْ ) ، ( يتأملن سواه ) ، 

( يهون ما سألت ) .

 

**  ( تنبيه ) :

 

**  ((  قول الزبيدي : **  قَالَ شيخُنا : .  .  .  ))

**  في أرشيف منتدى الألوكة – 4 (ص: 0)

[ابو عبد الاله المسعودي]

 

 

**  قلتُ: المقصودُ بشيخِه هنا، و في غيره من المواضع في الكتاب هو شيخُه:

أبو عبد الله محمد بن الطيب الفاسي الشركي – وقد مر بنا في هذا الموضوع -، فقد كتب على القاموس شرحاً ..

 

**  قال عنه الزبيدي 1/ 3

**  “ومن أجمعِ ما كُتِبَ عليه (يعني القاموس) مما سَمِعْتُ ورأيتُ شَرْحَ شيخنا الإمام اللّغوي أبي عبد الله محمّد بن الطّيّب بن محمّد الفاسيّ،المتولد بفاس سنة 1110 و المتوفَّى بالمدينة المنورة سنة 1170،

 

**  وهو عُمدتي في هذا الفنّ، والمقلد جيدي العاطل بحلى تقريره المستحسن، و شرحُه هذا عندي في مجلدَيْن ضَخميْن.” اهـ

 

**  قلتُ : سمّى شرحه: ( إضاءة الراموس و إضافة الناموس على إضاءة القاموس ) انظر عن مخطوطاته وما طُبع منه، مقدمةَ محقّق كتابه ” فيض نشر الانشراح” ص 33 – 34  .  اهـ

 

 

**  والله الموفق .

**  كتبها : أبو عبد الله أحمد بن ثابت الوصابي

**  الثلاثاء  13 / 8 / 1438 هـ

 

 

 

(54) فائدة اليوم بعنوان : ( الإسناد من خصائص هذه الأمة )

قال النووي في كتابه : ( التقريب والتيسير ) ، (ص: 84)

النوع التاسع والعشرون //  ( معرفة الإسناد العالي والنازل ) :

الإسناد خصيصة لهذه الأمة، وسنة بالغة مؤكدة، وطلب العلو فيه سنة، ولهذا استحبت الرحلة .

 

**  وقال السيوطي في كتاب : ( تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي )،

(2/ 604) : (النَّوْعُ التَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ: مَعْرِفَةُ الْإِسْنَادِ الْعَالِي وَالنَّازِلِ :

 

**  ( الْإِسْنَادُ ) فِي أَصْلِهِ ( خِصِّيصَةٌ ) فَاضِلَةٌ ( لِهَذِهِ الْأُمَّةِ ) لَيْسَتْ لِغَيْرِهَا مِنَ الْأُمَمِ.

**  قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: نَقْلُ الثِّقَةُ عَنِ الثِّقَةِ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ الِاتِّصَالِ، خَصَّ اللَّهُ بِهِ الْمُسْلِمِينَ دُونَ سَائِرِ الْمِلَلِ،

**  وَأَمَّا مَعَ الْإِرْسَالِ وَالْإِعْضَالِ فَيُوجَدُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْيَهُودِ، لَكِنْ لَا يَقْرُبُونَ مِنْ مُوسَى قُرْبَنَا مِنْ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بَلْ يَقِفُونَ بِحَيْثُ يَكُونُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مُوسَى أَكْثَرُ مِنْ ثَلَاثِينَ عَصْرًا، وَإِنَّمَا يَبْلُغُونَ إِلَى شَمْعُونَ وَنَحْوِهِ.

**  قَالَ: وَأَمَّا النَّصَارَى فَلَيْسَ عِنْدَهُمْ مِنْ صِفَةِ هَذَا النَّقْلِ إِلَّا تَحْرِيمُ الطَّلَاقِ فَقَطْ، وَأَمَّا النَّقْلُ بِالطَّرِيقِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى كَذَّابٍ أَوْ مَجْهُولِ الْعَيْنِ فَكَثِيرٌ فِي نَقْلِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى.

**  قَالَ : وَأَمَّا أَقْوَالُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، فَلَا يُمْكِنُ الْيَهُودُ أَنْ يَبْلُغُوا إِلَى صَاحِبِ نَبِيٍّ أَصْلًا، وَلَا إِلَى تَابِعٍ لَهُ، وَلَا يُمْكِنُ النَّصَارَى أَنْ يَصِلُوا إِلَى أَعْلَى مِنْ شَمْعُونَ وَبُولِصَ .

**  وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ: خَصَّ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْأُمَّةَ بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ، لَمْ يُعْطِهَا مَنْ قَبْلَهَا: الْإِسْنَادِ، وَالْأَنْسَابِ، وَالْإِعْرَابِ.

 

**  وَمِنْ أَدِلَّةِ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَغَيْرُهُ عَنْ مَطَرٍ الْوَرَّاقِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: { أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ } ، قَالَ: إِسْنَادُ الْحَدِيثِ.

 

( وَسُنَّةٌ بَالِغَةٌ مُؤَكَّدَةٌ ) ،

**  قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: الْإِسْنَادُ مِنَ الدِّينِ، لَوْلَا الْإِسْنَادُ لَقَالَ مَنْ شَاءَ مَا شَاءَ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.

**  وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: حَدَّثَ الزُّهْرِيُّ يَوْمًا بِحَدِيثٍ؛ فَقُلْتُ: هَاتِهِ بِلَا إِسْنَادٍ؛ فَقَالَ الزُّهْرِيُّ: أَتَرْقَى السَّطْحَ بِلَا سُلَّمٍ.

**  وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: الْإِسْنَادُ سِلَاحُ الْمُؤْمِنِ.

**  (وَطَلَبُ الْعُلُوِّ فِيهِ سُنَّةٌ)

قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: طَلَبُ الْإِسْنَادِ الْعَالِي سُنَّةٌ عَمَّنْ سَلَفَ، لِأَنَّ أَصْحَابَ عَبْدِ اللَّهِ كَانُوا يَرْحَلُونَ مِنَ الْكُوفَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْ عُمَرَ وَيَسْمَعُونَ مِنْهُ.

**  وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ أَسْلَمَ الطَّوْسِيُّ: قُرْبُ الْإِسْنَادِ قُرْبٌ – أَوْ قُرْبَةٌ – إِلَى اللَّهِ.

**  (وَلِهَذَا اسْتُحِبَّتِ الرِّحْلَةُ)

كَمَا تَقَدَّمَ، قَالَ الْحَاكِمُ: وَيُحْتَجُّ لَهُ بِحَدِيثِ أَنَسٍ، «فِي الرَّجُلِ الَّذِي أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ: أَتَانَا رَسُولُكَ فَزَعَمَ كَذَا» ، الْحَدِيثَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ .  اهـ المراد

 

**  والله الموفق   .

 

**  كتبها : أبو عبد الله أحمد بن ثابت الوصابي

**  الأربعاء  7 / 8 / 1438 هـ

 

(53) فائدة اليوم بعنوان : (من لطائف وظرائف كتاب : مغني اللبيب )

مغني اللبيب عن كتب الأعاريب (ص: 33) :

**  ( إِن ) الْمَكْسُورَة الْخَفِيفَة

**  ترد على أَرْبَعَة أوجه

**  أَحدهَا : أَن تكون شَرْطِيَّة نَحْو {إِن ينْتَهوا يغْفر لَهُم} {وَإِن تعودوا نعد}

**  وَقد تقترن بِـ( لا ) النافية فيظن من لَا معرفَة لَهُ أَنَّهَا  ( إِلَّا ) الاستثنائية نَحْو : { إِلَّا تنصروه فقد نَصره الله }،{ إِلَّا تنفرُوا يعذبكم }،{ وَإِلَّا تغْفر لي وترحمني أكن من الخاسرين }،{ وَإِلَّا تصرف عني كيدهن أصب إلَيْهِنَّ } .

**  وَقد بَلغنِي أَن بعض من يَدعِي الْفضل سَأَلَ فِي { إِلَّا تفعلوه } فَقَالَ : مَا هَذَا الِاسْتِثْنَاء  ؟ أمتصل أم مُنْقَطع  ؟

 

**  وفي صـ(697) :

 

**  حُكيَ عَن اليزيدي أَنه قَالَ فِي قَول العرجي

937 – ( أظلوم إِن مصابكم رجلا … رد السَّلَام تَحِيَّة ظلم )

: إِن الصَّوَاب ( رجل ) بِالرَّفْع خَبرا لـ( إن ) .

**  وعَلى هَذَا الْإِعْرَاب يفْسد الْمَعْنى المُرَاد فِي الْبَيْت وَلَا يتَحَصَّل لَهُ معنى الْبَتَّةَ .

**  وَله حِكَايَة مَشْهُورَة بَين أهل الْأَدَب .

**  رووا عَن أبي عُثْمَان الْمَازِني : أَن بعض أهل الذِّمَّة بذل لَهُ مئة دِينَار على أَن يقرئه كتاب سِيبَوَيْهٍ ، فَامْتنعَ من ذَلِك ، مَعَ مَا كَانَ بِهِ من شدَّة احْتِيَاج .

**  فلامه تِلْمِيذه الْمبرد ، فَأَجَابَهُ بِأَن الْكتاب مُشْتَمل على ثلاثمئة وَكَذَا كَذَا آيَة من كتاب الله تَعَالَى ، فَلَا يَنْبَغِي تَمْكِين ذمِّي من قرَاءَتهَا .

**  ثمَّ قدر أَن غنت جَارِيَة بِحَضْرَة الواثق بِهَذَا الْبَيْت ، فَاخْتلف الْحَاضِرُونَ فِي نصب رجل وَرَفعه ، وأصرت الْجَارِيَة على النصب ، وَزَعَمت أَنَّهَا قرأته على أبي عُثْمَان كَذَلِك ، فَأمر الواثق بإشخاصه من الْبَصْرَة ، فَلَمَّا حضر أوجب النصب ، وَشَرحه بِأَن  : ( مصابكم ) بِمَعْنى : ( إصابتكم ) ، و ( رجلا ) مَفْعُوله و ( ظلم ) ، الْخَبَر ، وَلِهَذَا لَا يتم الْمَعْنى بِدُونِهِ .

قَالَ : فَأخذ اليزيدي فِي معارضتي ، فَقلت لَهُ : وَهُوَ كَقَوْلِك : ( إِن ضربك زيدا ظلم ) ، فَاسْتَحْسَنَهُ الواثق ، ثمَّ أَمر لَهُ بِأَلف دِينَار ورده مكرما .

فَقَالَ للمبرد : تركنَا لله مئة دِينَار فعوضنا ألفا .

 

**  وفي صـ(877) :

**  وَحكى العسكري فِي كتاب التَّصْحِيف : أَنه قيل لبَعْضهِم : مَا فعل أَبوك بحماره فَقَالَ : بَاعه .

فَقيل لَهُ : لم قلت : بَاعه .

قَالَ : فَلم قلت أَنْت : بحماره .

فَقَالَ : أَنا جررته بِالْبَاء .

فَقَالَ : فَلم تجر باؤك وبائي لَا تجر ؟

 

**  وَمثله من الْقيَاس الْفَاسِد : مَا حَكَاهُ أَبُو بكر التاريخي فِي كتاب أَخْبَار النَّحْوِيين : أَن رجلا قَالَ لسماك بِالْبَصْرَةِ : بكم هَذِه السَّمَكَة  ؟

فَقَالَ : بدرهمان .

فَضَحِك الرجل .

فَقَالَ السماك : أَنْت أَحمَق ، سَمِعت سِيبَوَيْهٍ يَقُول : ثمنهَا دِرْهَمَانِ .

 

**  وَقلت يَوْمًا : ترد الْجُمْلَة الاسمية الحالية بِغَيْر وَاو فِي فصيح الْكَلَام خلافًا للزمخشري كَقَوْلِه تَعَالَى : { وَيَوْم الْقِيَامَة ترى الَّذين كذبُوا على الله وُجُوههم مسودة } .

**  فَقَالَ بعض من حضر : هَذِه الْوَاو فِي أَولهَا.

 

**  وَقلت يَوْمًا : الْفُقَهَاء يلحنون فِي قَوْلهم : ( البايع ) بِغَيْر همز .

فَقَالَ قَائِل : فقد قَالَ الله تَعَالَى : { فبايعهن }

 

**  وَقَالَ الطَّبَرِيّ فِي قَوْله تَعَالَى { أَثم إِذا مَا وَقع } إِن  ( ثمَّ ) بِمَعْنى هُنَالك .

 

**  وَقَالَ جمَاعَة من المعربين فِي قَوْله تَعَالَى { وَكَذَلِكَ ننجي الْمُؤمنِينَ } فِي قِرَاءَة ابْن عَامر وَأبي بكر بنُون وَاحِدَة : إِن الْفِعْل مَاض .

وَلَو كَانَ كَذَلِك لَكَانَ آخِره مَفْتُوحًا وَ( الْمُؤمنِينَ ) مَرْفُوعا .

فَإِن قيل : سكنت الْيَاء للتَّخْفِيف كَقَوْلِه

1128 – (هُوَ الْخَلِيفَة فارضوا مَا رَضِي لكم … )

وأقيم ضمير الْمصدر مقَام الْفَاعِل .

قُلْنَا : الإسكان ضَرُورَة ، وَإِقَامَة غير الْمَفْعُول بِهِ مقَامه مَعَ وجوده ممتنعة ، بل إِقَامَة ضمير الْمصدر ممتنعة وَلَو كَانَ وَحده لِأَنَّهُ مُبْهَم .

 

**  والله الموفق   .

 

**  كتبها : أبو عبد الله أحمد بن ثابت الوصابي

**  الأحد  3 / 8 / 1438 هـ

 

(52) فائدة اليوم بعنوان : ( الفرق بين : علم اليقين ، وعين اليقن ، وحق القين ) :

**  اليقين ثلاث مراتب : علم اليقين ؛ وعين اليقين ؛ وحق اليقين ؛ فأدناها الأولى وأعلاها الأخيرة ، وكلها مذكورة في القرآن .

 

**  قال الله تعالى في سورة الواقعة : { إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ }

 

**  وقال في سورة  التَّكَاثُرُ: { كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (5) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (6) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ }

 

**  فعلم اليقين : هو اليقين الجازم الذي يعلمه الإنسان بالدليل الشرعي أو العقلي .

**  وعين اليقين : هو الذي يحصل بمشاهدة الشيء بعد العلم اليقيني به .

**  وحق اليقين: هو الذي يحصل بمباشرة الشيء بعد العلم اليقيني به ومشاهدته .

 

قال ابن القيم في كتابه القيم : ( مدارج السالكين ) ، (2/ 379):

**  الْفَرْقُ بَيْنَ عِلْمِ الْيَقِينِ وَعَيْنِ الْيَقِينِ: كَالْفَرْقِ بَيْنَ الْخَبَرِ الصَّادِقِ وَالْعَيَانِ.

**  وَحَقُّ الْيَقِينِ: فَوْقَ هَذَا.

**  وَقَدْ مَثَّلْتُ الْمَرَاتِبَ الثَّلَاثَةِ بِمَنْ أَخْبَرَكَ: أَنَّ عِنْدَهُ عَسَلًا، وَأَنْتَ لَا تَشُكُّ فِي صِدْقِهِ. ثُمَّ أَرَاكَ إِيَّاهُ. فَازْدَدْتَ يَقِينًا. ثُمَّ ذُقْتَ مِنْهُ.

**  فَالْأَوَّلُ: عِلْمُ الْيَقِينِ. وَالثَّانِي: عَيْنُ الْيَقِينِ. وَالثَّالِثُ: حَقُّ الْيَقِينِ.

**  فَعِلْمُنَا الْآنَ بِالْجَنَّةِ وَالنَّارِ: عِلْمُ يَقِينٍ.

**  فَإِذَا أُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ فِي الْمَوْقِفِ لِلْمُتَّقِينَ وَشَاهَدَهَا الْخَلَائِقُ. وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ. وَعَايَنَهَا الْخَلَائِقُ. فَذَلِكَ: عَيْنُ الْيَقِينِ.

**  فَإِذَا أُدْخِلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ: فَذَلِكَ حِينَئِذٍ حَقُّ الْيَقِينِ . اهـ

 

**  وقال الله تعالى في سورة البقرة [260] عن خليله إبراهيم : { رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْييِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي }

فإبراهيم عليه الصلاة والسلام عنده الخبر اليقين بأن الله سبحانه وتعالى قادر على إحياء الموتى ؛ ولكنه أرد المرتبة الأعلى منها وهي مرتبة المشاهدة ، وهي : ( عين اليقين ) .

 

**  وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” لَيْسَ الْخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ، إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ أَخْبَرَ مُوسَى بِمَا صَنَعَ قَوْمُهُ فِي الْعِجْلِ، فَلَمْ يُلْقِ الْأَلْوَاحَ،

فَلَمَّا عَايَنَ مَا صَنَعُوا، أَلْقَى الْأَلْوَاحَ فَانْكَسَرَتْ ” رواه الإمام أحمد وغيره ، وصححه الشيخان ( الألباني والوادعي ) عليهما رحمة الله .

 

**  وقال الشَّاعِرِ:

يا ابنَ الكرامِ ألا تَدْنُو فَتُبْصِرَ ما … قَدْ حَدَّثُوكَ فَمَا راءٍ كمَنْ سمَعَا  .

 

**  والله الموفق  .

 

**  كتبها : أبو عبد الله أحمد بن ثابت الوصابي

**  السبت  3 / 8 / 1438 هـ

(51) فائدة اليوم بعنوان : ( أهمية حديث ( الأعمال بالنيات ) ، وذكر بعض الكتب التي بدأت به )

 **  هذا الحديث من الأحاديث العظيمة والهامة التي عليها مدار الإسلام .

 **  قال الإمام النووي رحمه في : ( المجموع شرح المهذب ) ، (1/ 16) :

**  حَدِيثٌ صَحِيحٌ مُتَّفَقُ عَلَى صِحَّتِهِ  .

**  مُجْمَعٌ عَلَى عِظَمِ مَوْقِعِهِ وَجَلَالَتِهِ  .

**  وَهُوَ إحْدَى قَوَاعِدِ الْإِيمَانِ وَأَوَّلُ دَعَائِمِهِ وَآكَدُ الْأَرْكَانِ .

* قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ يَدْخُلُ هَذَا الْحَدِيثُ فِي سَبْعِينَ بَابًا مِنْ الْفِقْهِ  .

**  وَقَالَ أَيْضًا هُوَ ثُلُثُ الْعِلْمِ .

**  وَكَذَا قَالَهُ أَيْضًا غَيْرُهُ

**  وَهُوَ أَحَدُ الْأَحَادِيثِ الَّتِي عَلَيْهَا مَدَارُ الْإِسْلَامِ .

**  وَإِنَّمَا بَدَأْتُ بِهَذَا الْحَدِيثِ تَأَسِّيًا بِأَئِمَّتِنَا وَمُتَقَدِّمِي أَسْلَافِنَا مِنْ الْعُلَمَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ  .

**  وَقَدْ ابْتَدَأَ بِهِ إمَامُ أَهْلِ الْحَدِيثِ بِلَا مُدَافَعَةٍ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ البخاري صَحِيحِهِ  .

وَنَقَلَ جَمَاعَةٌ أَنَّ السَّلَفَ كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ افْتِتَاحَ الْكُتُبَ بِهَذَا الْحَدِيثِ تَنْبِيهًا لِلطَّالِبِ عَلَى تَصْحِيحِ النِّيَّةِ ، وَإِرَادَتِهِ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى بِجَمِيعِ أَعْمَالِهِ الْبَارِزَةِ وَالْخَفِيَّةِ .

**  وَرَوَيْنَا عَنْ الْإِمَامِ أَبِي سَعِيدٍ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ : لَوْ صَنَّفْتُ كِتَابًا بَدَأْتُ فِي أَوَّلِ كُلِّ بَابٍ مِنْهُ بِهَذَا الْحَدِيثِ .

**  وَرَوَيْنَا عَنْهُ أيضا قال : من راد أَنْ يُصَنِّفَ كِتَابًا فَلْيَبْدَأْ بِهَذَا الْحَدِيثِ .

**  وَقَالَ الامام أبو سليمان أحمد بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْخَطَّابِ الْخَطَّابِيُّ الشَّافِعِيُّ الْإِمَامُ في علوم رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : كَانَ الْمُتَقَدِّمُونَ مِنْ شُيُوخِنَا يَسْتَحِبُّونَ تَقْدِيمَ حَدِيثِ الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ أَمَامَ كُلِّ شئ يُنْشَأُ وَيُبْتَدَأُ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ لِعُمُومِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ فِي جَمِيعِ أَنْوَاعِهَا .اهـ المراد باختصار يسير .

 **  وقال رحمه الله في شرحه على مسلم (13/ 53)

بعد أن ذكر شيئا مما تقدم :

**  وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ الْبُخَارِيُّ وغيره فابتدؤا به قبل كل شئ  .

**  وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي سَبْعَةِ مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِهِ ، اهـ المراد .

 

**  وممن بدأ به  :

**  الإمام البخاري في  : ( صحيحه ) كما تقدم .

**  وبدأ به الإمام النووي في كتبه :

( الأذكار ) ، و : ( رياض الصالحين ) ، و: ( الأربعين النووية) ،  **  والبغوي في كتابيه : ( مصابيح السنة ) ، و: ( شرح السنة) .

**  والسيوطي، في كتابه : ( الجامع الصغير ) ،

**  وعبد الغني المقدسي في كتابه : ( عمدة الأحكام ) ،

**  والبيحاني رحمه الله في كتابه : (  إصلاح المجتمع ) .

 

**  ( فائدة وتنبيه ) :

هذا الحديث فؤائده كثيرة جدا فقد أوصلها الحافظ العراقي رحمه الله إلى ثلاث وَستينَ فائدة كما في كتابه القيم : ( طرح التثريب في شرح التقريب ) ، (2 / 29) .

(50) فائدة اليوم بعنوان : ( فضل شعبان ، ولا يقال : شعبان الأكرم ، وما جاء من أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصومه كله تارة ، وأكثره تارة أخرى )

**  عَنْ أُسَامَة بْن زَيْدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهَ ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَمْ أَرَكَ تَصُومُ شَهْرًا مِنَ الشُّهُورِ مَا تَصُومُ مِنْ شَعْبَانَ، قَالَ : ( ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ، وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ ) رواه أحمد وغيره [وحسنه الألباني]

 

**  وعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ : لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُ شَهْرًا أَكْثَرَ مِنْ شَعْبَانَ فَإِنَّهُ كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ . متفق عليه

**  وفي رواية لمسلم  🙁 … وَلَمْ أَرَهُ صَائِمًا مِنْ شَهْرٍ قَطُّ ، أَكْثَرَ مِنْ صِيَامِهِ مِنْ شَعْبَانَ كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ ، كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ إِلَّا قَلِيلًا (

 

**  وعَنْها رضي الله عنه قالت  🙁 كَانَ أَحَبَّ الشُّهُورِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَصُومَهُ: شَعْبَانُ، ثُمَّ يَصِلُهُ بِرَمَضَانَ) رواه أبو داود وصححه الألباني

صحيح الترغيب والترهيب (1/ 597)

 

**  وفي  ( شرح النووي على مسلم ) ، (8/ 37) :

**  وَقَوْلُهَا : ( كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ كَانَ يَصُومُهُ إِلَّا قَلِيلًا ) الثَّانِي تَفْسِيرٌ لِلْأَوَّلِ وَبَيَانٌ أَنَّ قَوْلَهَا كُلَّهُ أَيْ غَالِبَهُ .

**  وَقِيلَ : كَانَ يَصُومُهُ كُلَّهُ فِي وَقْتٍ ، وَيَصُومُ بَعْضَهُ فِي سَنَةٍ أُخْرَى .

**  وَقِيلَ : كَانَ يَصُومُ تَارَةً مِنْ أَوَّلِهِ وَتَارَةً مِنْ آخِرِهِ وَتَارَةً بَيْنَهُمَا ، وَمَا يُخَلِّي مِنْهُ شَيْئًا بِلَا صِيَامٍ لَكِنْ فِي سِنِين